الجواهري وقصيدة قال وقلت – ج2

 

كما اسلفت ان الفكرة هي الشغل الشاغل في كتابة الجواهري لكثير من القصائد وقصيدة قال وقلت احد هذه القصائد ولكن بطريقة فلسفية ، وأكاد اجزم ان الجواهري كان يقصد شخصاً -أو مجموعة اشخاص- بعينهم حين كتب قال وقلت.
ومحور الفكرة يدور على بعض اطباع البشر والتي تنزلق بهم ومن حولهم في مهاوي الحياة وعد الجواهري ابتداءً ان حمل همَّ المغفلين من الناس غباء، وقد عرّفهم -اي المغفلين- بطريقة تدعو الى كثير من التأمل فهم أولاء الـذيـن يسخر راعٍ ورعـاء منهم وذئـب وشـاء ومنهم ذلك الشقي الذي بني الحوار بينه وبين الجواهري فكان السؤال الآول لهذا الشقي حين سأل قائلاً:
ما الحال؟ فكان للجواهري رد متشائم ينطوي على كثير من الألم والحرقة والامتعاض كان رداً فيه براءة من كل ما يدور حوله من صفات البشر المتمثلة بالنفاق والتملق ومخالفة القول بالفعل ، ومخالفة الفعل بالقول فجاء الجواب شعراً حين قال:
قال ما الحال؟ قلت إني من حال هباء خلوٍ كهذي براءُ
ليس ذلك فحسب بل اردفه ببيت يضاعف فيه الامتعاض والاستياء حين وصف هؤلاء “الناس” بمعنى مركب فيه الكثير من القسوة في النعت والمبالغة في الوصف بمفردة “هراء” -والجواهري قادر على ان يجد البديل الاقل وقعاً لو شاء- الا انه يعنيها بكل دقة وتقصد في قوله:
قال والناس؟ قلت: شيء هراء، خدم عند غيرهم أجراءُ
واقصد بالمركب حين عرّف الجمع بمفرد فذكر “الناس” وهي جمع وعرفهم بمفرد بقوله “شئ” وانما اراد بمفردة “شئ” ان يقول انهم “لا شئ” ثم ما لبث ان نسف اي قيمة لهذآ “الشئ” بوصفه “هراء” وكل متجبر منهم مهما كان طغيانه وجبروته هو في النهاية أجير عند غيره فتراه يلبس وجه التكبر والتجبر على من هم دونه، ثم يلبس وجه التملق والتذلل لمن هو دونهم، ولعل هذا البيت يدخل في باب الهجاء بالرغم من ان القصيدة ليست هجائية في معناها ولا في رؤيتها العامة كذلك يشير ويشي هذا البيت الى حالة انفعال نفسي شديد ومتقدم لدى الشاعر ساعة كتابته القصيدة كما حدث معه في اكثر من قصيدة سيما “المحرقة”

وبناءً على ما تقدم نجد أن الشاعر كان ملزماً بان يضع تفسيراً للمحاور ليعلل فيه قسوة ما وصف ومَنْ وصف فكان له ذلك وقدم تعليلاً يشير به الى اطباع بني البشر تنطوي على الاسفاف والتسويف حين قال ان الدود خير منهم وقد غني بمسعاه لايجاد رزقه ولم يحتج لاحد بينما هؤلاء الناس قتلهم التواكل والتقاعس واستحباب القعود والاستكانة مع اسفاف في القول وانكار لمن هو خير منهم في الجد والاجتهاد، والخير كل الخير في الابتعاد عنهم ولن تجد بقربهم سوي الخنوع والاسفاف والكذب والغفلة والمراء حتى انكروا على كل ذي شأن شأنه مستصغرين ما لا يستطيعون نيله فقال:

غنيّ الـدودُ عن سواه بمسعاه، وهـم من تواكل فقراءُ
ومسفون ينكرون على الصقر المعليّ ان تحتويه سماءُ
الضحايا، لديهم النبغاء، والـبعيـدون عـنهم الـعظمــاءُ
وقريب منهم خنوع، واسفاف، وكذب، وغفـلة، ومِراءُ

هنا يتحول الكلام الى المُحاوِرِ الذي ينكر على الجواهري قوله ويصفه بالمبالغة كباقي الشعراء بأرائه المتقلبة تلك والتي لا يتبع فيها سوى اهواءه وعواطفه فهؤلاء “الناس” هم انفسُهم الذين زعمت بالامس انهم كلهم معجزات.

قــال لله أنتم الشعـراء، عــــدد الـرمـل عندكـم أهـواءُ
أمس والشعب كـلـه معـجـزات لـك، واليوم كله أسواءُ

هنا يواجه الجواهري حجة من صلب قوله واعتقاده اذ ان من يصف هؤلاء الناس باسوأ وصف هو نفسه الذي مدحهم ورفعهم وقال عنهم بالامس انهم شعب كله معجزات فما بالك اليوم وانت تكيل عليهم مكاييل الغضب ونعوت السوء؟
فكان لابد للجواهري ان يرد الحجة بحجة والدليل بالدليل فما كان منه الا ان يجنح الى فلسفته في توضيح ذلك فيبدا في شرح ان الظلمات تكون في عين الحالم اضواءً وان الكواز وان كان لا يملك الا الطين والماء الا انه يستطيع ان يقول بصناعته للجرار ما يشاء، وهنا ياتي دور التشبيه في الصناعة بين الشاعر والكواز فكلاهما ذو صنعة من الناحية الفلسفية في رأي الجواهري وان ظلمات الليل تكون اضواءً في عين الطموح والحالم فيعبر عنها بقوله
قلت مهلاً ياصاحبي ظلمات الليل في عين حالم أضواءُ
أرأيت الكوّاز أنفـس ما يمـلك ذخـراً طـين خبيث وماءُ

صانعاً منه ألف شكلٍ جراراً، قائلاً في جراره ما يشاءُ
يتغنى بـكوزه، وكان الكوز في الحسن، كوكب وضـاءُ
وكـذا كـل خـالـق يتبنى ما تـرضى، وهـكـذا الشـعـراءُ

فكل فكرة لها من يتبناها ومن يؤمن بها ويراها صحيحة وان خالفه بها من خالفه، بل ويراها بلا منافس ولا شبيه وكأنها شي متفرد وهذا الامر ينطيق على اي من اصحاب الافكار من الشعراء والفلاسفة فلا يوجد -من وجهة نظرهم- خطأ كامل، كما لا يوجد صحيح كامل.
والجواهري بطرحه هذا ينطلق من ذات المنطلق بأن الناس من ذوي الاسفاف والتسويف هم انفسهم الناس اصحاب المعجزات باختلاف الظرف، ولا يتعارض القولان اذا ما فصل بينهما الزمان والمكان.

لا تعليقات

اترك رد