من أمن العقاب، أساء الأدب

 
الصدى-من أمن العقاب، أساء الأدب

منذ يوم الإحتلال عام ٢٠٠٣، و كنت حينها أعمل في دولة عربية، كنت أتابع التردي في أحوال العراق يوما بعد آخر، ليصل اليوم إلى مستواه الحالي الذي أصبح مثار تندر لدى الكثيرين من داخل العراق و خارجه، و أصبح الوضع و الحالة السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية في العراق مضربا للأمثال، و بات العراق يحرز أرقاما قياسية غير مسبوقة في مجالات عديدة، مستوى الفساد، سوء و تردي أحوال الأمن و الأمان، رداءة أحوال المعيشة، و غير ذلك ..

كل مرة أحاول أن أحلل و أفلسف الأمور لأصل إلى لب المشكلة و أساس الموضوع، و لِمَ وصلنا إلى هذه ادرجة من السوء و الخلل و المرض و الشلل، و لم أجد شيئا أفضل و أوجز في وصف حالنا، أو ما وراء الوصول إلى حالنا، غير هذه المقولة، التي وضعتها عنوانا لمقالتي الجديدة الحالية :
من أمن العقاب، أساء الأدب ..

لقد أمن كثيرون من الطبقة السياسية الحاكمة الجديدة في العراق بمختلف أنواعهم، ومعها الطبقة الجديدة من الشيوخ و السادة و رجال الدين، و معها الطبقة الجديدة من رجال القضاء و العدل و الجيش و الشرطة و الأمن و الحشد و الميليشيات المتعددة، كل هؤلاء أمنوا العقاب، فأساؤا الأدب كثيرا، كثيرا جدا، أساؤا في كل إتجاه و في كل مجال ..

و أنا أستمع إلى مشعان الجبوري و هو يتباهى بكونه من الفاسدين، و أتهم الآخرين بالفساد، لم أستطع إلا أن اقول، لقد أمن العقاب ، فأساء الأدب، و إلا كيف له أن يغرد و يصرح و يعترف إعترافات علنية على الملأ، دون أن يمسه أي سوء، و دون أن تحرك ضده أي دعوى أو قضية ..

و أنا أستمع إلى وزير خارجية العراق الحالي، و هو يقول أنه ” بايع و مخلص “، أي كان معنى ذلك، فأنه دليل على ضحالة هذا الشخص، و لولا أنه أمن العقاب لما أساء القول و الأدب ..

و أنا أستمع لبهاء الأعرجي، و حسن العلوي، و الشابندر، و المالكي و العديد من المعممين و المسؤولين غيرهم، تدمع عيني من شدة الألم، و أقول لولا أنهم أمنوا العقاب لما تمادوا و أساؤوا الأدب كثيرا، كثيرا جدا ..

ما يضحكني أنني أسمع عن ما يسمونها بهيئة النزاهة، و ما تبقى مما كان يسمونه بديوان الرقابة المالية، و مفتشين عامين في كل وزارة، إلى غير ذلك، ما تأكد أنهم كلهم أصبحوا أدوات في آلة الفساد و التدمير في العراق، و لولا أنهم أمنوا العقاب، لما أساؤوا الأدب كثيرا، كثيرا جدا ..

أنا من جيل، نسميه بفخر، أيام الخير، رغم بساطته و صعوبته، و الحروب و الحصار و ما شاكل .. في أيامنا تلك، كان هناك جهاز رقابي كبير و محترم و موقر، يسمونه ” ديوان الرقابة المالية “، و هو جهاز يفترض شرعا و قانونا و دستوريا وجوده في كل بلد، و أن يرتبط بأعلى سلطة في البلد .. هذا الجهاز حسب علمي لا زال موجودا اليوم في عراقنا ” الجديد “، لكن شتان ما بين حاله و وضعه اليوم، و أيام الخير ..

في أيام الخير تلك، كان موظفي هذا الجهاز الرقابي المهم، ينتشرون بشكل مخطط و منظم في كل أجهزة و إدارات الدولة العراقية، من شماله لجنوبه، و لا تستثنى أي إدارة من رقابته .. كان موظفي هذا الجهاز على أقصى درجات المهنية و الخبرة و التأهيل العلمي، مسلحين بدعم معنوي من أعلى سلطة في البلد، ليمارسوا مهامهم دون خوف أو وجل أو خجل .. و كانت تقاريره ترفع إلى أعلى السلطات في البلد معززة بالأرقام و الأدلة، و كانت قيادات البلد تتسابق لقراءة هذه التقارير و الإطلاع عليها و إتخاذ كل الإجراءات اللازمة بشأنها، بما في ذلك الإجراءات المتعلقة بالمحاكم و الإدعاء العام، و أي تقصي أو تأخير في التنفيذ و المتابع، يكون له تبعات و نتائج وخيمة ..

في تلك الأيام، كان المدير العام، و الوزير، و وكيل الوزير، و نزولا إلى أصغر موظف في أي إدارة، يعرف أن عليه الإستجابة لأي طلب من موظفي هذا الجهاز الرقابي، و تنفيذ و متابعة توصياته ..

في تلك الأيام، كانت حالات التجاوز و الفساد و التلاعب و الفساد، معدودة و محدودة، و إن وجدت فأن قيمتها تافهة جدا، لكنها كافية لتدخل أي مسؤول مهما كانت منزلته و مستواه، إداريا أو علميا أو حزبيا، إلى غياهب السجون و المعاقبة حسب نصوص القانون ..

لم نكن نسمع حينها عن فقدان ٤٠ مليار دولار، أو سرقات و تلاعب و إختلاسات بمئات المليارات من الدولارات .. كان التلاعب و الإختلاس أو الرشوى بدنانير قليلة تكفي لعزل و فصل الموظف و سجنه، و تحطيم مستقبله .. هكذا كانت الأمور في تلك الأيام .. في ذلك الزمان لم يكن أي أحد يأمن العقاب إذا أخطأ، لذلك كانت إساءة الأدب قليلة، و قليلة جدا ..

ألمي و وجعي و حسرتي كبيرة على ما يجري اليوم في عراقنا و منذ الإحتلال، و دعائي إلى الله عز و جل أن يفرج عنا و عن الشعب العراقي الصابر هذه الغمة، و يبعد عنا و عنهم هذا الهم و الكرب، إنه قادر على كل شئ، و هو مجيب الدعوات ..

المقال السابقأه لو لعبت يازهر..أكل خالتى طعم راحة البال
المقال التالىشجرة
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد