أسئلة بلا أجوبة


 

أستطاعت العلمانية بمفهومها الإصطلاحي السياسي من فصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية في العالم الغربي وذلك بعد عصر التنوير الأوروبي على يد عدد من المفكرين مثل فولتير وتوماس جيفرسون وجون لوك وغيرهم، وهو ما أدي الي أن تكون دول الغرب غير خاضعة لسلطة الدين في الدولة، أي أن لا تتبني الدولة دين معين كدين رسمي للدولة، مع الإحتفاظ بالدين كمؤسسة تخضع لرقابة الدولة. وتنص بعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وكوريا الجنوبية والهند وغيرها في دساتيرها على العلمانية كهوية متبعة، في حين أن بعض الدول لم تذكر صراحة في دساتيرها الهوية العلمانية للدولة ولكنها تتخذ من شعارات المساواة والحرية مفاهيم متأصلة في دساتيرها مما يضعها في مصاف الدول العلمانية، وإن كانت بعض الحريات مقيدة. وتأتي بقية الدول، ومنها العربية والإسلامية، على تحديد دين الدولة بالإسلام وإن الشريعة مصدر أو المصدر الأساسي للحكم. ومؤخرا تم التلاعب بمصطلح الدولة العلمانية في الدول العربية والإسلامية عبر مصطلح “دولة مدنية بمرجعية دينية” وهو ما يعني القفز على مفهوم الدولة المدنية التى يتحكم في إدارتها المؤسسات المدنية وليس المرجعية الدينية، ولكن تم اختيار هذا المصطلح لمواجهة الحراك المدني الشعبي المطالب بالحريات والعدالة بعد وصول السلطة الدينية في بعض البلدان العربية الي الحكم وانكشاف حقيقة المشروع الديني القائم على قمع حرية الرأي المخالف وغياب العدالة والمساواة بين الشعب الواحد على أسس مذهبية وعرقية وطائفية مما أدي الي تضعضع مفهوم المواطنة داخل آليات الدولة الدينية.

لا يزال يدور النقاش عربيا على قضية الهوية المطلوبة للدولة العربية الوطنية بعد الإستقلال والتى تنعكس تاليا على المواطنين منذ عقود طويلة وتحديدا بعد عصر النهضة العربية الأولي والتي تعرف باسم اليقظة العربية، أو حركة التنوير العربية، وهي الحالة الفكرية والاجتماعية التي سادت أساسًا في مصر العلوية وسوريا العثمانية، وامتدت لتشمل عواصم عربية أخرى كبغداد، وفاس ومراكش، خلال القرن التاسع عشر، وقد رفع أغلب رجال النهضة شعارات الثورة الفرنسية، بالحرية والعدالة والمساواة، كما تأثروا تأثيرًا بالغًا بفلاسفة عصر الأنوار الأوروبي، وعارضوا السلطة المركزية للدولة العثمانية. ولكن لم يستمر عصر النهضة العربية طويلا إذ رفضت الشعوب العربية مفاهيم الحداثة والتنوير واتجهت الي عمليات الترقيع والتحديث لمجتمعاتها بعيدا عن معالجة لب الأزمة الأساسية في تشكيل الدولة ومؤسساتها، وهو ما أدي الي تطوير المجتمعات العربية بالحداثة التكنولوجية مع الإبقاء على البني الفكرية والذهنية الماضوية كمرجعية تحكم الدول وتتحكم في الشعوب. لقد طرح العديد من المفكرين أسئلة بلا أجوبة تتعلق بأسباب التخلف العربي المستمر، وفاض النقاش والبحث في كل الإتجاهات بحثا عن العلة ومكمن العجز، وقد تعرف العديد منهم على أسباب منطقية وموضوعية لهذا الداء المزمن، فمنهم من أرجعه الي تحديد الهوية العربية للانطلاق الي مواجهة الآخر المتفوق، وبعضهم ركز على أن الماضي الديني والهوية الاسلامية هو المنطلق الأول في عمليات التحديث نظرا لثرائه المعرفي والقيمي، وبعضهم كما ذكرنا سابقا يحاول ممارسة تحديث الشكل العام للدولة مع بقاء العقلية القديمة في بناء الدولة ومؤسساتها.

إذن، تعتبر مصطلحات الماضي والحريات والتحديث هو ما شغل فكر النهضة العربية وأوقف انتاجها الي يومنا الحالي، ورسم حدود ومعالم التحديات القادمة للشعوب العربية في مواجهة التقدم الغربي الساحق، وإن كان الغرب قد انتهي من رسم الحضارة الغربية وأبدع في التحكم بها واستمرارها، فإنه لابد لنا الآن وأكثر من أي وقت مضي أن نكون أكثر جرأة في الإعتراف بأزمتنا الفكرية البنيوية التى لازمتنا عقودا وجعلتنا في ذيل الأمم والشعوب المتخلفة. إن الشعوب العربية تملك إرثا فكريا وحضاريا نوعا ما استمر لقرون طويلة وكان ذلك ليس بسبب التفوق العربي على إطلاقه، ولكن كان غالبا نتاج التدخل الإسلامي في عصر الغزوات الدينية التى امتدت الي مشارق الارض ومغاربها بهدف نشر الدين، فكان أن وقع تحت أياديهم إرثا من الحضارات المختلفة للشعوب التى تم غزو بلدانهم وسرعان ما تم إلصاق الاسلام بهذه النهضة العربية حتى خرجت الي أصقاع العالم بأسم النهضة الإسلامية، وإن كنا لا ننكر أن هناك تجارب ومؤلفات نهضوية عربية إلا أنها لا ترقي أن تحدد مسار نهضة كاملة بكل ما فيها من ثورات وصراع ونضال للتوصل الي الانتاجات العلمية والمعرفية. يجب أن نعترف بهذه الحقيقة حتى نستطيع أن نستمر تاليا في التقدم وأن نتخلص من عقدة لازمتنا قرون طويلة بأن العرب والمسلمين كانوا هم الأوائل في العلم والمعرفة، كلا لم يحدث هذا بشكل علمي بحت ولكن تم تحت ظروف انتشار الدين الاسلامي بعصر قوته وضعف الأمم الأخرى.

وحتى نصل الي الحقيقة كاملة لابد لنا أن نطلععلى التجارب الحالية للدول العربية، وخصوصا بعد نهاية او توقف عصر النهضة العربية واندماج الشعوب والمجتمعات العربية بمخاضات العبث الفكري والسياسي والديني. لقد أصبحت الدول العربية في غالبيتها واقعة تحت منظومة الفكر الديني في الحكم او في المجتمع، نظرا للتزاوج ما بين الأنظمة والتيارات الدينية بعد انتهاء تحالف تلك الأنظمة مع القوميون العرب في فترات سابقة وقبل انهيار الإتحاد السوفييتي. وقبل هذا، فالدول العربية عموما واقعة تحت تأثيرات متعددة صبغت هويتها التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، منها الاستـبداد السـياسي الـذي شـكَل الفتـرة الأطـول في تـاريـخ الأمة، والجمـود المعـرفي والذهني الـذي كان ثـمرة مُـرة لسيـادة مبـدأ النقل والتقليد، ثم يأتي العامل الأهم وهو تحجـيم دور العقل والشـك في البحث وخصوصا في نقد التراث الديني والثوابت الاجتماعية كالعادات والتقاليد والدين، وأخيرا غيـاب العـدالة الاجتـماعية مع حِـدة الصـراع على السـلُطة وفق التفرق المذهبي والطائفي الذي مزق الأمة العربية وأي ممزق هو.
في مجموع هذه العثرات البنيوية الفكرية قبع العقل العربي ضمن دوامة من التراجعات والإستسلامات لشروط بناء النهضة والوقوف من جديد في عالم اليوم، وعلى الرغم من وضوح الإنتكاسات التاريخية، إلا أن الأمة العربية ومفكريها ومثقفيها مازالوا يراوحون مكانهم، ومازالت السلطة الدينية المتحالفة مع الأنظمة العربية تمارس نهج الاستبداد على حرية الفكر ومنع النقد والتساءل والشك فيما يتعلق بأساس الإنطلاق الي النهضة، وهذه النهضة هي التى صنعت في أوروبا والغرب لاحقا حضارة اليوم ومستقبلها الانساني، وقد بدأت مع نقد الموروث الديني وتفكيك سلطة رجال الدين ومنعهم من التدخل في شؤون الدولة والمجتمع، لقد عانت الدول الغربية كثيرا من هذا التدخل الديني وتوصلوا الي أن السبب الأول في التخلص من عبء التاريخ الماضي إنما يكون بتحييد السلطة الدينية ومن ثم بناء المجتمع وفق العلمانية والحريات العامة المحددة للتعامل الخاص والعام ومنها الشأن الديني وحرية الإعتقاد.

إن الأمة العربية بما تملكه من تاريخ قبل الإسلام والقائم على التعددية الدينية والتسامح مع مختلف الديانات، حيث كان في مكة العديد من الديانات المختلفة، ولم نسمع أن تم أي انتهاك لأي عبادة، هو المطلوب تفعيله وفق منظومة العلمانية العربية، فالدول الحالية ومنها بعض الدول الدينية لم تستطع أن تقدم المنجز الحضاري والقيمي للشعوب، ولم تقدر بقية الدول العربية المزدوجة ما بين الدين والمدنية أن تكون قادرة على بناء أي نهضة مدنية علمية ذات سلطة شعبية، بل أن الفكر الديني بكل أبعاده شكل العائق الأول في الإنطلاق الي الإنسانية والكونية الحضارية. لقد سقطت الدول ذات الهوية الدينية، إن كان في التاريخ الغابر، أو في التاريخ الحالي، وشكلت العلمانية وفصلها بين الدين والدولة الخيار الانساني العميق في معرفة الخلل وكيفية التقدم. إن العلمانية في حد ذاتها لا تعارض الدين والتدين بل تقف محايدة أمام جميع الأديان والمعتقدات نازعة فكرة القداسة الغيبية عن الأفكار مما يجعل الجميع ينخرط في بناء الدولة الوطنية وفق المؤهلات الاخلاقية والمثل والمبادئ الإنسانية. فالأنظمة العربية قد ساهمت بتجذير الوهم والغيب والتراجع الحضاري وفقا للفكر الديني الذي كان له الحظوة، وآن الأوان أن تلفظ الشعوب العربية ما يقيدها فكريا لتستطيع الإختيار في حياتها وفقا للحريات والعمل المدني المؤسس على حقوق الانسان والعدالة والمساواة بين الجنسين. إن خيار المواجهة القادم لن يكون سهلا ولن يكون مفروشا بالورود، فالتاريخ الإنساني للشعوب الحرة اليوم قد مر بتضحيات وثورات ونضال للفوز بالحضارة والتقدم، والشعوب العربية في تاريخها ايضا عرفت قيمة الثورات الحرة للتخلص من الأنظمة الإستبدادية والإستعمار، وحان الوقت الآن لشعوبنا العربية أن تنظر الي التاريخ وترى الواقع بعيدا عن أي نظرة دينية متحيزة لتستوضح الفرق وترى السقوط المدوي الذي نعيش فيه، فخيار الدولة العلمانية هو خيار المستقبل الآمن لأجيال تعيش اليوم لتصنع المستقبل والحضارة المفقودة منذ انتكاسات النهضة العربية الأولي.

1 تعليقك

  1. مقال رائع جداً قد امتلك حصيلة ممتازة من المعلومات و أوافقه الرأي بشدة. شكراً جزيلاً.

اترك رد