خان جغان !

 

“معظم مصادر التاريخ تشير الى ان والي بغداد العثماني في سنة 1593م المدعو ( جغاله زاده سنان باشا) امر ببناء خان للقادمين الى بغداد للاقامة به هم ورواحلهم وسمي بخان جغاله ، وفي مرور الزمن حرفت هذه التسميه لتكون( خان جغان). ويقع على مفترق طرق السابلة من التجار بوجه خاص والمتبضعين بوجه عام، فالذاهب الى الشورجة اكبر مركز تجاري في بغداد كان وما زال يمر بالخان المذكور، وكذلك الذاهب الى شارع النهر “شارع السموأل” الذي كان يضم في العصر العباسي المتأخر دور وقصور الوزراء والحكام وعليّة القوم الى جانب دوائر الدولة ومنها الدفتر دار أكبر الدوائر في العهد العثماني وهي الان عمارة كبيرة تحمل اسم “الدفتر دار” في مدخل شارع السمؤال ..

وكان يأتيه كثير من المسافرين بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والاجتماعية ، بمعنى كل من هب ودب لذلك قيل على من يدخل الى مكان كهذا بـ ( قابل خان جغان(1) ) وأصبح هذا الإسم اليوم كناية عن كل إنفلات وفوضى وعدم شعور بالمسؤولية في عناوين كثيرة ، من ذلك على سبيل المثال لاالحصر، قيام مسلحين باقتحام املاك خاصة وعلى مرأى ومسمع أفراد الأمن ثم تواري الأخيرين عن الأنظار لمجرد اطلاعهم على بطاقات تعريف هؤلاء ، مما زاد مكانتهم آزدراء وسمعتهم سوء وضعفا أمام المواطنين . وفي مكان آخر تجد قيام بعض العشائر بقطع الطرق العامة بالسلاح أو تبادل إطلاق النار بالأسلحة المتوسطة فيما بينهم لمجرد خلاف على بعض الممتلكات ومن ذلك النزاع على بقرة !! .

أو قيام قاض في أحدى مدن جنوبي العراق ( قيل انه كان يعمل صياد سمك )!!! بإصدار قرار حكم تفريق بين أستاذ وزوجته الأستاذة الجامعية بناء على طلبهما وفي ضوء ذلك تم عقد جلسة فصل عشائري وتنازلت الزوجة عن حق السكن واحتفظت بنفقة العدة والحاضر ونفقة الاطفال ، وبعد مضي ثلاثين يوما حيث تم اكتساب القرار الدرجة القطعية ، وقيام الزوج باستخراج بطاقة أحوال مدنية جديدة ( جنسية) ، فوجىء باتصال من محاميه يبلغه فيه بصدور قرار قضائي تنفيذي جديد وعليه تسديد مبلغ قدره سبعة عشر مليون دينار كحق سكن لزوجته!! . ولكون أخيها محاميا وبالاتفاق مع القاضي وبتأثير عشائري كون القاضي من عشيرة الزوجة فقد أصدر القاضي ا(لصياد) قرارا ملحقا هو في حقيقته غير قانوني وغير اصولي وبنفس تأريخ القرار الأول وبدون اي تبليغ للزوج او مرافعة يتضمن إخطاره وتغريمه هذا المبلغ كنفقة . ولم تنفع محاولات الزوج تقديم الطعون وتوكيل محام آخر ومراجعة دائرة الإشراف القضائي ، بل نفذ الأمر وكأن شيئا لم يكن وقيل له أخيرا … ( اخوية ..روح فضها عشائريا !!!.). وبالفعل حسم الموضوع عشائريا واضطر لتسديد المبلغ المذكور مع مبلغ حق السكن ، وتم الإكتفاء بنقل القاضي الى محافظة أخرى لثبوت كونه مزورا وظالما وغير حيادي!! ( يابلاش ).

وأغرب تطورات الفصول العشائرية والعهدة على الراوي يتعلق بإرغام جار على دفع مبلغ مالي قدره ثلاثة ملايين دينار عنوة لجاره بعد ان روى لأولاد المتوفى الذين حضر لتعزيتهم بانه شاهد عزرائيل في منامه واستفسر منه عن اسم وعنوان أبيهم مؤكدا انه دله على عنوانهم ، عندها جن جنون عائلة المتوفى وقالوا له… (شلون تدلي عزرائيل على بيتنا!!! وهو جان ميندله ..انت موتت أبونا ، اليوم نسمط أبوك !!).

وأما في مجال التعليم فالنفوذ العشائري والوظيفي والحزبي راح يهدم حتى تدنت كثيرا هيبة ورصانة التعليم بعد أن وصل الداء للدراسات العيا ومنح شهادات الماجستير والدكتوراه بفعل ذلك .

وفي مكان آخر ، لو تاملنا مايحدث من فساد اداري في دور الرعاية الإجتماعية للأرامل والأيتام والمطلقات البالغة أعدادهم خمسة ملايين تقريبا فحدث ولاحرج وسيحزنك وتتجرع الأمرين ، فهؤلاء أولى بالرعاية والاهتمام وكل الأديان أوصت وشددت على ذلك بسبب أوضاعهم وأقدارهم التي أرغمتهم على ان يكونوا في هذا الحال ، لكن للأسف لم يسلموا من الأذى ، من ذلك عدم شمول المستحقين بالقبول في تلك الدور وقبول غيرهم ممن لاتنطبق عليهم الضوابط المعمول بها في هكذا حالات ، أو التلاعب بالمبالغ المخصصة لهم أو تخصيص المبالغ المقررة لهم لأشخاص لاوجود لهم أصلا ( فضائيين ) .

وفي جانب غيره ، مايتعلق بمنح الرتب العسكرية لمن لايستحقونها جملة وتفصيلا تحت مبررات واهية .

لايسع المجال هنا لذكر كل الآمثلة على الواقع المر الذي يعكس صورة سيئة عن عدم إحترام القوانين والأسس والنظم والتعليمات المرعية التي تؤكد الإستهانة بكل القيم والأعراف وانتهاك حقوق الغير . فالدولة التي تحافظ على مكانتها بين الدول المتحضرة والراعية لحقوق الإنسان والديمقراطية الحقة هي تلك التي تحقق العدل والمساواة في كل شيء ، وأضعف الإيمان ان تلتزم بالثوابت وتقاليد العمل وقواعده المثلى في إطار قانوني سليم وتناى عن كل أمراض المحسوبية والإنفلات وضرب القانون ، وبخلاف ذلك فلن يكون هناك فرق بين ممارسات الدولة الفوضوية وصورة المثل الشعبي العراقي ( خان جغان )..!.

1 تعليقك

  1. احسنت د. عبد الكريم الوزان.. وصف مؤلم لصور اكثر ايلاما من واقعنا المريض.. للاسف وصل حال العراق الى هذا المستوى المتدني من التخلف والجهل والتمزق الاجتماعي.. سلم قلمك الجميل.. تحياتي

اترك رد