نسخة منه الى العبادي


 

يحكى أن أسدا أقام حفلة في الغابة، وقد اتسعت مجالس الجميع فيها بما يفسح المجال لرؤية بعضهم بعضا، وصادف أن كانت طاولة الأرانب على مقربة من ملك الغابة الذي تصدر الحفلة. ومافتئ رئيس الأرانب يرمي بعبارات الوعيد والترهيب بحق الأسد، زاهيا بنفسه وهو جالس بين رفاقه الأرانب، إذ راح بين حين وآخر يتطاول منتشيا، وهو يقول بنبرة لاتخلو من التكبر والاقتدار الكاذب: “اليوم اكو فد واحد راح ينكتل” ملمحا بهذا الى الأسد وهو يرمقه بنظرات استهزاء، والأخير قطعا غني عن التعريف في قوته وجبروته، لكنه لم يشأ أن ينزل قدره العالي وسط الحيوانات الى مستوى الأرنب، لاسيما وقد كان من ضمن الحضور كوكبة من فصائل الحيوانات، في طليعتها النمر والفهد، اللذان دفعتهما غيرتهما على مكانة الأسد وكرامته، فأوشكا على تأديب الأرنب لما يبدر منه من قلة أدب لاتحتمل، لولا أن الأسد كان يصبر عليهما اندفاعهما هذا بذريعة أنه -الأرنب- لايستحق الاهتمام. إلا أن الغرور والطيش كانا يقودان الأرنب الى تكرار تهديده والغلو فيه بكل وقاحة، آخذا بالتمادي في تهجمه وإطلاقه عبارته التي لم يكن يجيد غير التشدق بها، فصار صوته يعلو وهو يردد على مسمع الجميع مرة تلو المرة؛ “اليوم اكو فد واحد راح ينكتل”.. والأسد رابض في مكانه لايأبه به، وسط دهشة الحاضرين من صبره وتحمله إياه، في الوقت الذي بإمكانه أن يذهب بالأرنب الى حيث الهلاك بصفعة واحدة.

وهكذا استمرت الحفلة ساعات وساعات، والأسد مستمر بالتحلي بالصبر والحلم والأناة، فيما الأرنب مستمر بعنجهيته الفارغة وتبجحه واستهتاره، ولم تنفع تنبيهات الحيوانات الصديقة له، من مغبة الاستمرار في التعدي وعدم احترام هيبة الأسد ومكانته، الأمر الذي تكون عاقبته وخيمة فيما لو لم يرعوِ ويعود عن غيه الى حيث مكانته كأرنب لاأكثر. حتى جاءت اللحظة التي استنفد فيها الأسد صبره، وأفرغ كل مافي جعبته من كياسة وحلم، فما إن تفوه الأرنب بعبارته المعهودة ليلتها؛ “اليوم اكو فد واحد راح ينكتل” للمرة العشرين مستهزئا، حتى نهض الأسد نافضا عن كاهليه كل الـ “مستحاه” ولم يعد للعيب معنى في قاموسه، فأقبل على طاولة الأرانب بحنق وغيظ شديدين، ورفع قبضته وهوى بها على أم رأس رئيسهم..! ولم يكن بحاجة الى ضربة ثانية، فقد أودت الأولى بكل مايحمله الأرنب من غطرسة وغرور وخيلاء، فما كان منه إلا أن يلملم ما تبقى له من ماء وجهه، والتفت صوب طاولة جماعته الأرانب وقال؛ “مو كلتلكم اليوم اكو فد واحد راح ينكتل”..!

أرى في حكاية الأرنب وتصرفاته في تلك السهرة، شبها كبيرا بمن يسطرون عبارات التهديد تلو عبارات الوعيد في حاضر أيامنا، إذ لطالما سمعنا عن الضرب بيد من حديد، او بقبضة من فولاذ، ولم نرَ غير كفوف البلاستك شديد الميوعة، بل أن الضرب قد استحال الى تربيت على الأكتاف وتمسيد على الرؤوس. فلو استرجعنا خطابات قادتنا السياسيين والعسكريين وتصريحاتهم الرنانة ولاسيما رئيس وزرائنا العبادي، لوجدنا أيادي الحديد هي أول ما يلوحون به ويهددون باستخدامه بوجه المفسدين، ولكن، من دون تنفيذ يثبت مصداقية وعيدهم، الأمر الذي جعل المواطن في دوامة شك من أمرهم فيما يخططون له ويسعون اليه.

ألمي وأسفي على صاحبنا رئيس الأرانب، فقد دفع ثمن قوته الكاذبة وقدراته الوهمية غاليا، وألمي وأسفي ينسحب ايضا على كل من يدعي القوة، وهو خاوٍ لايقوى على الفعل ولا على رده، والعبادي أول من أقصدهم طبعا.

لا تعليقات

اترك رد