آفة الفساد تنخر في الأخضر واليابس


 

إن من اسوء الامراض التي تعاني منها الكثير من المجتمعات ومن ضمنها مجتمعات عربية هو الفساد الإدراي والمالي والسياسي،
الآفة التي تزداد إنتشارا بطريقة لافتة وتتغلغل في مختلف زوايا المجتمع ليُصبح واقعا نعيشه ونتعايش معه في كل لحظة وعلى جميع الاصعدة ، كالذي يتعايش مع مرض السرطان الذي ينخر الجسد ويسلب منها الحياة ، والضحايا دائما هي الفئات الفقيرة في تلك المجتمعات.

الفساد في مختلف أشكاله لا يشكل إنتهاكا للقوانين فحسب بل يستهدف السلم الإجتماعي لأنه يلغي مسؤولية الفرد تجاه مجتمعه ويجعله يتخلى عن الواجب تجاه أبناء وطنه ليتعاطى معهم بصورة نفعية إنطلاقا من الأنانية الفردية.

إن مصطلح الفساد يشير بشكل عام إلى حالات انتهاك لمبدأ النزاهة باستخدام منصبٍ عام لتحقيق مصالح خاصة قد تكون مصالح شخصية أو مصالح عليا سواء إن كانت مصالح سياسية أو مادية ، وهي آفة تعيش على حساب قوت المواطن لتجريده من أبسط حقوقه في الحياة مقابل خدمة أو مصلحة تعتبر ضمن حقوق الفرد.

يتواجد الفساد بأشكال مختلفة منها الرشوة والمحسوبية والوساطة ونهب المال العام . وتزداد نسب الفساد في المجتمعات التي ينتشر فيها الفقر والجهل وتدني معدل رواتب العاملين في القطاع العام والخاص بما لا يتناسب مع ارتفاع مستوى المعيشة، كما أن انعدام العدالة الاجتماعية وعدم الموازنة بين السلطات الثلاث في الدولة وتطاول السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية دون وجه حق والتدخل في استقلالية السلطة القضائية وبالتالي ضعف أجهزة الرقابة والتفتيش في الدولة تشكل العوامل الرئيسية التي تغذي ذلك الفساد.
عكست الدراما العربية بعض حالات الفساد في المجتمعات من خلال عروض حولتها عن طريق المسرح الجاد والساخر أو عبر الأفلام، ناهيك عن بعض الأمسيات الشعرية للكثير من الشعراء الوطنيين المحبين لاوطانهم والرافضين لآفة الفساد.

في احيان كثيرة يكون للفن والإعلام دور بارز في الحد من هذه الآفة الاجتماعية ولكن يرى البعض أن الفساد الحقيقي هو قهر المواطن بشتى الوسائل هو الذي يساعد على تفاقم المشكلة ما يسمح للإعلام والفن التحدث عنه بشكل واضح .

ولكن اليوم ومع إنتشار مواقع التواصل الاجتماعي وتبلور ظاهرة المواطن “المراسل ” فإن الكشف عن الفساد لم يبق حصرا على الاعلام والفنون حيث يمكن لأي شخص ان يقوم بدور المراسل ليكشف عن حالات الفساد وذلك من خلال عرض أثباتات مكتوبة أو مصورة ، حيث قام العديد من الناس بتصوير حالات إرتشاء وأبسطها على سبيل المثال لا الحصر تصوير ضابط شرطة مصري في احدى شوارع القاهرة وهو يطلب من المواطن رشوة مقابل إطلاق سراح سيارته في شارع عام ، وقد تم تداول هذا الشريط المصور وبقوة في شبكات التواصل الاجتماعي .

ان من اخطر انواع الفساد هو الفساد السياسي والاقتصادي والقضائي حيث يستهدف ديمومة الإستقرار في المجتمعات ويحول دون تطورها وإزدهارها واليوم تقاس درجة الإزدهار في المجتمعات بقدرتها على مكافحة الفساد والمحسوبية فيها.

و ينقسم الفساد بشكل عام لنوعين فساد صغير يسمى فساد أفقي ( Minor Corruption) ويشمل قطاع الموظفين الصغار الذين تجبرهم ظروف الحياة على تلقي رشاوى لإنجاز أية معاملة في نطاق دوائرهم والمؤسسات التي يعملون بها وهناك فساد كبير يسمى فساد عمودي (Corruption Gross) وهو استغلال المنصب العام من قبل بعض الشخصيات الكبيرة كالوزراء والمدراء واصحاب القرار المتواجدين على رأس هرم موسسات الدولة .

وهنا يأتي دور الفساد السياسي كرافد للفساد المالي الذي قد يقترفه مسؤول كبير في السلطة ليحول الفساد السياسي إلى الأسوأ والأخطر بين انواع الفساد نظرا لتلاقي السلطة والمال والقوة معا ودائما على حساب حقوق المواطن يظهر هذا النوع من الفساد لتحقيق مصالح سياسية عليا عبر تزوير الانتخابات مثلا أو شراء أصوات الناخبين، أو التمويل غير المشروع للحملات الانتخابية.

كما أن السلطة والمنصب يساعدان في نهب المال العام من خلال منح تراخيص أو إعفاءات ضريبية أو جمركية لأشخاص أو شركات دون وجه حق وغالبا مايكون على حساب المواطن مما ينعكس سلبا عليه والتجاوز على حقوقه .

للفساد تأثير مباشر على مختلف نواحي الحياة الاجتماعية فهو يؤدي إلى خلخلة القيم الأخلاقية مما يتسبب في إنتشار الإحباط واللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، وبالمقابل يزيد من معدل الجريمة.

أن ضعف ممارسة الديمقراطية وشيوع حالة الاستبداد السياسي والدكتاتورية في العديد من دول العالم يُسهم بشكل مباشر في تنامي هذه الظاهرة.

سوف لن يزدهر أي مجتمع إذا لم يجد سبلا عملية لمكافحة الفساد ولا يمكن إيجاد هذه السبل إلا إذا روجت ثقافة رفض الفساد بمختلف أشكاله في المجتمعات، فعلى سبيل المثال أوروبا والدول الاسكندنافية بالتحديد كالسويد والدنمارك والنرويج تحتل دائما مراتب عليا في مكافحة الفساد في العالم نتيجة لإنتشار ثقافة رفض الفساد فيها وبنفس النسب تعتبر مجتمعات هذه الدول الأكثر إزدهارا وديموقراطية في العالم، ولكن رغم ذلك كله لا توجد دولة في العالم خالية من الفساد بالمطلق.

10 تعليقات

  1. الفساد لاسف منتشر في المجتمعات العربية بطريقة واسعة في جميع المجالات وكما ذكرت سيدتي ان تطور اي مجتمع له علاقة عكسية بمعدل الفساد وهذا ما نلاحظه وذكرتيه ايضا في مقالك في المجتمعات الأوروبية حيث يرفض المواطن ممارسة الفساد ولهذا نلاحظ بشكل واضح مدى رقي تلك الدول
    احسنت استاذة وعاش قلمك

  2. الفساد اليوم اصبح انتشارة في المجتمع بشكل واسع ومخيف مع الاسف اصبح المفسد اليوم في مقدمة المجتمع . فعلاً الفساد له اوجه واشكال مختلفة لكن اصله واحد وعلاجة ايضا واحد …. تحياتي لكي ليلى

  3. في زمن مضي كنا نسمع عن اشياء تباع واخري تشتري واليوم اصبحت الضمائر ضمن هدة الاشياء وفي زيادة منقطعة النظير وهذا يرجع الي الظروف الاجتماعية التي يعيشوها الفرد ومدي احتياجة فيجب ع الدول ف المقام الاول ان توفر حياة كريمة لشعوبها فينحصر الفساد وتصحوا الضمائر. وتحية للكاتبة ع اختيارها وطرحها لمثل هذة الموضوعات.

  4. للاسف الشديد الفساد تفشى واصبح من اخطر الامراض في المجتمع .. احسنت النشر سيدتي

  5. رائع رائع رائع. فعلا التدهور ال احنا فية سببة الاساسى هو الفساد . و كل واحد منا يرى فقط فساد الاخر و لكن للاسف كلنا فاسدون الا من رحم ربى ولكن لا نشعر ولا نرى . فكلنا مقصر و يأخد حق غيرة بصورة او بأخرى …. تحياتى ليكى مقال قوى .

  6. يا سيدني كلنا فاسدون ابتداءا من اصغر موظف لأكبر مسؤول الا من رحم ربي
    احسنت على هذا المقال الرائع

  7. الفساد من الموضعات التي مازلت اعتبرها تحتاج دراسة اكثر وخصوصا النوع الثاني منه أصحاب السلطة والمال وهل هو فساد ممنهج ام فردي . ملف يحتاج منى فرد علي طاولة النقاش وصولا لأهدافه في الحالتين لان الحالة الاولي يعتبر جزء من الأرهاب المقصود لسقوط مؤسسات الدول كل التحية والرقي وشكرا لفتحك للملف العراقي . الذي أحاول تجميع عدة ملفات متشابه . وصولا لنظريتي أن الفساد ممنهج بذكاء بالغ

  8. أن من المضحك المبكي هذه الأيام أن الفساد قد اصبحت هي الأصل والقاعدة ، وأن النزاهة قد أصبحت هي الأستثناء ، والغريب أن الفساد منتشر في دولنا العربية والأسلامية كأنتشار النار في الهشيم لا يستثنى عنها دولة دون غيرها ، غنية كانت هذه الدولة او فقيرة كانت فقد اصبح الفساد عندها هي عبارة عن ثقافة ومنهاج تسير عليها .
    أن أصل الفساد وانتشاره ياتي من رأس الهرم المسلط على السلطة ، وعندما يكون على رأس هذا الهرم قائد صالح ونزيه ، فلا يجرؤ احد على الفساد او القيام باعمال يمكن أن يعاقب عليها ، وأما عندما يكون على رأس الهرم قائد فاسد فلا تنتظر من الآخرين غير الفساد او القيام بأعمال غير قانونية ، وهنا ينطبق عليهم هذا القول ( أذا كان رب البيت بألدف ناقرُ ، فشيمة أهل البيتُ كلهم الرقصُ ) ، وهذا هو حال حكامنا وملوكنا ومن معهم من المتسلطين على رقاب شعوبنا .
    أن الكثير منا قد قرأء رواية البؤساء للروائي الفرنسي ( فكتور هوغو ) ، والذي يدور احداثه في القرن الثامن عشر الميلادي في فرنسا ، وان بطل هذه الرواية( جان فالجان ) وكيف قضى الكثير من سنين عمره في السجن وحتى بعد خروجه من السجن اصبح مطارداً من السلطات بقية عمره ، وكل ذلك بسبب سرقته لرغيف خبز ليسد رمق عائلة أخته من الجوع ، وهنا لو وضعنا المسئلة الأنسانية من الرواية جانباً وبحثنا الجانب القانوني والرقابي والمتابعة لهذه القضية من قبل السلطات حينها ، لرأينا كيف كانت هذه القوانين صارمة وقاسية ضد الذين يتجاوزون على حقوق الآخرين مهما كانت هذه التجاوزات بسيطة ، وهنا نتسائل عن رؤساء والمسؤلين الفرنسيين الحاليين ، (طالما احداث الرواية كانت تدور في فرنسا) ، هل حافظوا على النزاهة واحترم القانون كما فعل اسلافهم ؟
    أن ما تسرب في الاعوام السابقة من فضائح مالية وسياسية لرؤساء فرنسا ، شيراك وساكروزي ، وحتى الرئيس الحالي من خلال وثائق ويكيليكس تدل على عكس ذلك فهم متورطون حتى النخاع ، وهذا حال اغلب مسؤلون الغرب اليوم حيث تورطوا بمسائل فساد ورشوة ودعم لبرامج انتخابات وغير ذلك من اعمال غير مشروعة ، وما كان يحدث كل ذلك لولا دعم وتمويل مشارعهم من قبل حكامنا الفاسدون ، وهنا ياتي دور حكامنا حتى في افساد الآخرين ( لا تدع الجرباء مع صحيحة …. خوفاً على تلك الصحيحة أن تجربا ) .
    ان الخلاص من الفساد بانواعه لا ياتي الا عن طريق ثورة الجياع والبؤساء والمظلومين ضد الفاسيدين والمتكبرين وسارقي امكانات وخيرات وقوت يوم الآخرين ، وحتى ذلك اليوم ارجوا من المسؤلون ان يعودوا الى رشدهم ، ويستغفروا ربهم ، ويرحموا شعوبهم قبل ان يأتيهم ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم ….. تحياتي وشكركِ لك سيدتي .
    .

اترك رد