من اين يأتي الشر – ج4

 

من اين يأتي الشر
تجليات ابداعية

بعد ان سطرت الاجزاء الثلاثة السابقة من تأملاتي حول اطروحة الشر، والتنقيب في اصولها وجذورها واسبابها ودوافعها من الجانب النظري الفكري، والجانب التاريخي العملي، والجانب النفسي السايكولوجي، رأيت باعتباري كاتبا من اهل الكتابة السردية، ان اضع تجسيدا ادبيا ابداعيا، في شكل قصص قصيرة، لبعض النماذج والاحداث، وارسم صورا قلمية يظهر فيها هذا الشر اثناء الممارسات العملية الواقعية التي تحدث في الحياة، وفي عدد من تجلياته واشكاله. وكتبت سبع قصص مستوحاة من هذه الاحداث التي تداهمنا مثل السيول والفيضانات في هذا الزمان، التي تميز بتواتر اعمال الشر والتوحش في اكثر صورها رعبا وقبحا، محاولا ان ارسم عبر هذا القصص ومن خلالها، عدة صور قلمية لهذا الشر، فهناك قصتان تتحدثان عن ظاهرة الشر الكبرى في عصرنا الحديث المسماة “تنظيم داعش”، هما عيش وملح مع زعيم داعشي، والثانية ليبي في بنزرت، اقدم فيهما نموذجين لمنتمي داعش من وحوش بشرية، ثم ناتي للقصة الثالثة، وهي اكثر طولا من بقية القصص، لانها لا تصور حالة فردية وانما تصور حالة تنظيم مسلح، يصعب استيعابه في مساحة اصغر من هذه المساحة، وقد صار يحتل في حياتنا مساحات بحجم بلدان بكاملها، وهي حالة عرفتها اقطار عربية كثيرة، هي الميليشيات التي سيطرت على الحكم في هذه الاقطار، وصارت تتولى رغم طبيعتها الاجرامية، تصريف الامور بها، وصناعة القرار وادارة موارد البلاد ومقدرات اهلها، وهي حالة تكررت في اليمن، وفي العراق، وفي سوريا، واتخذت من الحالة الليبية نموذجا ومثالا، في هذه القصة التي اسميتها ابولوجيا الثانية، على غرار دفاع حصل ايام الدولة الرومانية، في صورة خطاب على لسان القائد الميليشياوي الناطق باسم تحالف العصابات المسلحة التي تحكمت في مقدرات الشعب الليبي ، اثر انتصار الثورة الشعبية على النظام الانقلابي السابق، حيث ابنت في القصة كيف ان هذه الحالة الميليشياوية الاجرامية ليست الا جزءا من ارث ذلك النظام واحدى توابعه، وقد كرست القصص الاربع الباقية لتقديم صورة للشر الذي تعذب به، وعانى مراراته الشعب الليبي، على يد ذلك النظام العسكري الانقلابي الاجرامي، مبتدئا بقصة اسمها “ديبلوماسية القتل”، وكان معروفا كيف سخر ذلك النظام بعض بعثاته الديبلوماسية لاصطياد المعارضين في الخارج وقتلهم، الا ان هذه القصة تكشف عن حالة قتل اكثر بشاعة لان ضحاياها من اهل البراءة والصفاء، لا علاقة لهم بالمعارضة ولا بالسياسة، ومع ذلك طالهم هذا النوع من الاجرام في شكله الرسمي الذي تتبناه الدولة علنيا، ويمارسه ممثلو رئيس الدولة شخصيا، بتعليمات منه مباشرة، بلا مواربة ولا غطاء، الا الغطاء الديبلوماسي، الذي يحتمي به القاتل، فيرتكب جريمته في وضح النهار دون ان يطاله عقاب ولا قانون.

وفي القصة التالية، فتي من فشلوم اسمه سعد، ندخل غرفة من غرف التعذيب الوحشي الذي يطال الابرياء قبل المدانين، ويصل التعذيب الى حد القتل. ثم اقدم في قصة عنوانها قاتل اسمه النقيب فوزي، نموذجا لهؤلاء المرضى نفسيا بامراض الساديزم، الذين تستقطهم الانظمة القمعية للمارسة اجرامها ضد المواطنين، فهي قصة ارسم فيها صورة الجلاد، بعد ان قدمت في القصة السابقة صورة الضحية.
ثم انهي هذه التجليات الابداعية لموضوعة الشر، بقصة عنوانها صفحة من كتاب الجنون، وهو هنا جنون الاجرام والقبح والشرور، انقل فيها حادثا من الحوادث التي يعرفها الناس في العاصمة الليبببية، وحصلت على مراى ومسمع من عشرات الاف المتفرجين الذين كانوا يحضرون مباراة لكرة القدم في الملعب البلدي، وحاصرهم جيش بلادهم ، كانه يحاصر موقعا من ومواقع الاعداء، ليمارس قهره وقمعه ضدهم.

وهذه هي الصور السبع للشر كما تظهرها هذه المجموعة من القصص:
عيش وملح مع زعيم داعشي
عندما تلقيت مكالمة هاتفية تنقل لي خبر وفاة والدتي في بيتنا بالقرية، لم يكن الخبر مفاجئا لي ، اذ كنت على علم بالحالة الحرجة التي تمر بها، وكنت انوي ان اترك العاصمة لاكون بجوارها، الا ان تحذيرات كثيرة من اصدقاء واقارب، كانت تقول بخطورة الرحلة من طرابلس الى قرية “بوقرين” ، في المنطقة الوسطى، التي انتمي اليها، لان الطريق الذي يقود الى القرية تحتل بعض اجزائه عناصر مسلحة تابعة الى الدولة الاسلامية وتضع حواجزها عليه، لا وجود لطريق غيره يقود من طرابلس اليها، وتمكن الخطورة ايضا في وجود اشتباكات مسلحة بين هذا التنظيم الاسلامي المتطرف وبعض المليشيات التابعة للسلطات الحاكمة، الا انه الان وقد جاء خبر الوفاة، فلم يعد ممكنا ان اتخلف عن حضور مأثمها، بل وابلغت اقاربي هناك بانني ساحضر لحظة دفنها والصلاة عليها وتقبل العزاء بعد الدفن، وسالتهم ارجاءه الى حين وصولي. لم اصغ لاي تحذير هذه المرة، فلابد من اداء هذا الالتزام الاخير نحو والدتي، وذهبت بسيارتي الى الورشة للاطئمنان على المحرك والزيوت والاطارات، فاقصر طريق من طرابلس الى قرية الاهل، يستغرق ثلاث ساعات، وحيث انها توفيت في الصباح ، وتلقيت الخبر فور حصول الوفاة، فقد سالتهم تاجيل الدفن بدل الظهر الى العصر، واضعا في اعتباري الوقت الضائع امام الحواجز انتظارا للعبور، وحيث انها رحلة محفوفة بالمخاطر فقد استغنيت عن اخذ الاطفال واكتفيت بالسفر انا والزوجة ، وهي تعمل في مكتب هندسي للديكور، ومشكلتها انها شاركت في تقديم برنامج تلفزي عن الديكور المنزلي ظهرت فيه سافرة ، والسفر عبر الحواجز الداعشية يقضى بعض الترتيبات لابد منها لكي لا نقع في دائرة الاتهام التي تصل الى الحجز والخطف والاستثابة ان لم يكن الذبح، ولذلك فقد اتفقت مع الزوجة ان ترتدي الملابس الوطنية، بمعنى الزي الشعبي ، ثم رداء الفراشية البيضاء التي تغطي الجسم ما عدا فتحة صغيرة هي البامبوك للنظر، بالنسبة لي فلم يكن الامر يحتاج الى تغيير في السياق الذي اتبعه في رحلاتي الى البلدة ، اذ كنت دائما اسافر بالملابس الوطنية ، الا انني هذه المرة جعلت غطاء الرأس هو الطاقية البيضاء التي تبدو اقرب الى زي اهل التقوى، ووضعت سبحة في جيبي احتياطا لاخراجها عند اللزوم، والمصحف الكريم امامي في الرف القريب من عجلة القيادة، وراجعت كل ورقة في السيارة، وكل ورقة في جيبي او في حقيبة زوجتي بحيث لا تحتوي على شيء يثير شبهة الدواعش، وتخلينا على كل بطاقة تشير الى عمل او مؤتمر شاركنا فيه، عدا كتيب العائلة ، وهو صادر من الفرع البلدي في قرية بوقرين، ولا وجود لاية اشارة الى المهنة، ليبقى امامي المجال لاختيار اي مهنة لا تثير المتاعب، اما الزوجة فهي ربة بيت وكفى، وذهبت مسرعا الى صديق يعمل في حانوت لهواتف الموبايل لالغاء كل الرسائل، او اي مادة مصورة اومكتوبة ، او اي موسيقى او غناء، عدا ايات مرتلة من القرآن الكريم، وقائمة الارقام، التي عمدت الى مراجعتها لكي لا يكون بين الاسماء من يجلب الشبهة ، فاقوم بمسحه، وفي الساعة العاشرة والنصف، باشرنا الانطلاق من امام بيتنا في شارع سيدي خليفة بطرابلس، باتجاه الطريق الساحلي ، بعد الاطمئنان على الاطفال الثلاثة، ونقلهم الى بيت اصهاري، وكان الطقس معتدلا بالنسبة ليوم من ايام الخريف، السماء صافية والطريق الساحلى عندما وصلنا اليه لم يكن يشكو من زحام يعرقل السير، فقد كان المرور ينساب في انتظام ويسر، وتوقفت عند اول محطة بنزين بعد الخروج من المدينة، فملات الخزان بالوقود، واشتريت مشروبا وفاكهة وارغفة خبز وعلب تونة، من متجر يتبع المحطة، لكي لا نحتاج الى الوقوف قبل الوصول الى البلدة، ورغم وجود بوابات حكومية رسمية عند مداخل المدن مثل الخمس وزليطن فاننا لم نشكو من اي عرقلة او تعطيل ، يكتفي العسكري الذي يوقف السيارة بالنظر الى رخصتها ورخصة القيادة التي معي وياذن لنا بالانصراف، كان ثمة زحام قليل في مدخل مدينة مصراته، وتدقيق اكثر، وتفتيش للسيارة، بحثا عن السلاح، ثم بعد توقف لا يزيد عن عشرين دقيقة قضينا اغلبها في الانتظار، جاء الاذن بالمرور، ولم يبق بعد ان دخلنا الشريط الصحراوي الذي يعقب المدينة ، الا انتظار بوابات داعش، الا اننا فوجئنا بان اول بوابة لم تكن داعشية، وانما تابعة لاحد الفرق العسكرية التي تتمركز في مصراته وتخضع لمجلسها البلدي، وان الهدف لم يكن تفتيشا ولا مراقبة وانما تحذير كل من يمر من هناك بانه يدخل الان الى ارض يسيطر عليها تنظيم الدولة الاسلامية، وهو ما فعلوه معنا، بل وحاولوا اثنائنا عن مثل هذه المخاطرة، الا انني شرحت لهم السبب الذي يرغمني ويرغم زوجتى على الذهاب، لكي نتقبل العزاء في الوالدة، التي لاقت وجه ربها صباح هذا اليوم، وابلغتهم انني لا احمل شيئا يمكن ان يثير شبهة الدواعش او يعطيهم سببا للتنكيل بي، فانا عائد الى قريتي والى اهلي، وكان ما فعله احد العساكر هو ان الصق في مناطق من زجاج السيارة مربعات ورقية صغيرة تحمل ايات التوحيد والشهادة، قائلا انه سيكون اعلانا عن هويتنا الاسلامية واعتبارها نوعا من الرقية تقينا شر اهل التوحش من اتباع تنظيم الدولة الاسلامية، ولم اكن اطلاقا اظن انني لن اسير غير عشر دقائق لاراها تلوح في الافق راية سوداء تعلو خيمة منصوبة على الطريق، وبجوارها بعض الاليات العسكرية، ولم يكن ثمة الان شك في اننا وصلنا الى حيث يجب ان نستعين بكل ما نستطيع من صبر وشجاعة وقدرة على الاقناع بعمق الايمان الذي ينجينا من التهم الجاهزة التي يتجه بها اهل التطرف الى بقية البشر.

تناهي الينا قبد ان نصل الى خيمة الدواعش صوت الاذان ينطلق معلنا موعد صلاة الظهر، فعمدنا عند وقوفنا قرب الخيمة، الى اخراج سجادتي الصلاة، وسالنا اول من ظهر امامنا من عناصر الدولة الاسلامية ، ان ياذن لنا بالصلاة في موعدها لنربح اجر الالتزام بدقة الموعد، فقال ان هناك اجرا اكبر ينتظرنا، وهو ان نحضر صلاة الجماعة، ورينا اعضاء البوابة وزملائهم في الحراسة يلتئمون في صفين قوامهما اكثر من عشرين عنصرا يؤمهم شيخهم، فجئنا خلفهم انا وزوجتي نشارك في الصلاة، وكانوا قد تركوا عددا منهم يؤدون العمل ويقومون بواجب الحراسة اثناء صلاتنا، وبعد انتهائنا، رأيناهم يتركون المواقع لمن كان يصلي، ويباشرون الصلاة، واحسست بشيء من الاطمئنان لهذه الرابطة التي نشات بيني وبين الذين سيقومون بالتفتيش والتحقيق معي بعد ان شاركنا في صلاة الظهر جماعة.
اكتشفت ان الشيخ الذي أم بنا صلاة الظهر، هو الذي يأتي لفحص اوراقي، ويعرف انني ذاهب الى حضور جنازة والدتي، فيتفضل بكلمات التعزية والمواساة، طالبا لها الرحمة والمغفرة، بل رفع يديه يقرأ معي فاتحة الكتاب على روحها، مما رايته شعورا نبيلا بالتعاطف والمواساة، وعهد الى زميل له بتفتيشي تفتيشيا شخصيا وهو يعتذرلانها تعليمات واجبة التنفيذ، وانتهى الرجل منه سريعا جدا، ورايت امراة تخرج من خيمة اخرى غير خيمة الرجال ، متلفعة بالسواد، وتقوم هي الاخرى بتفتيش زوجتي تفتيشا روتينيا سريعا في جانب من الخيمة بعيدا عن اعين البقية، ثم امر بان يرفع الحاجز لكي نستطيع المرور، وقد سمعتهم ينادونه بالشيخ سحنون، فشكرته مستخدما اسمه، ففوجئت به يودعني مستخدما اسمي الذي قرأه في كتيب العائلة، واعتبرته نوعا من المجاملة من هذا القائد الداعشي الذي يربي لحية كثيفة داكنة السواد كانه يدهنها بطلاء اسود له بريق، وسرت الوح له بيدي مودعا حتى ابتعدت عنه، واكتشفت بعد مغادرة الحاجز، بان الطريق المعبد، شغلته كتلة من السيارات التي تحولت الى كومة من الرماد، ويبدو ان رتلا من شاحنات تحمل السلاح استهدفها قصف جوي، فبقيت في مكانها لا يقوم احد بازاحتها، وانما صنعوا انعطافة في الطريق، خارج الاسفلت، تم تمهيدها بشكل ارتجالي، لمرور السيارات، فقدت سيارتي عبر هذا الطريق المترب، مشفقا عليها من الغرق في ترابه، فهي سيارة هوندا صغيرة ، تلتصق بالارض، لا تقوى على الجري في الصحراء، وحصل ما كنت خائفا منه، اذ لم تمض في هذا الطريق غير مائة متر او اكثر قليلا، حتى غاصت عجلاتها الاربع في الارض، وابت ان تتحرك سنتيمترا واحدا، مهما دست على الرابط الذي يضخ الوقود في المحرك، وهبطت عائدا الى الحاجز الذي لم يكن بعيدا، اطلب النجدة من صديقي الشيخ سحنون، فاستجاب بسرعة لي تاركا ما بعهدته الى زميل له، وركب سيارة دفع رباعي، وجاء بها، واخرج كوابل معمولة لهذا الغرض، شبكها في مقدمة سيارتي ، واراد سحبها خلف سيارته، لكن العجلات التي غاصت عميقا في الارض الصحراوية ، رفضت الخروج، واحسست بالحرج لان الرجل كان قد بذل جهدا دون فائدة، وحاولت انا وزوجتي التدخل بدفع السيارة اثناء السحب، ولكن جهودنا جميعا باءت بالفشل، ورايت الشيخ سحنون يطمئنني بوجه يطفح بالابتسام قائلا الا اقلق ، لان كل شيء سينتهي على خير، واخرج من داخل سيارته، صحائف حديدية، تستخدم لاخراج السيارات عند وقوعها في مثل هذه المصائد الرملية، ثم جاء يحملها بنفسه بجوار سيارتي، ويأخذ وضع انبطاح، ليضع هذه الصحائف تحت العجلات، واحدة تحت كل عجلة، لتكون حاجزا بينها وبين التراب الذي تغوص فيه، واخذت منه العملية جهدا ووقتا، وخرج من تحت السيارة بوجه وملابس معفرة بالتراب والعرق ينز من جيبنه، ورفض منذ البداية ان يتلقى اية مساعدة مني، وما ان دخل سيارته واشعل محركها وتقدم بها قليلا، حتى قفزت سيارتي من مكانها قفزا، وانطلقت مسحوبة بالكوابل الحديدية، خلف سيارته، التي لم يوقفها الا بعد ان اجتاز المنطقة المتربة ، وصولا الى الطريق المعبد، وانتظر حتى وصلت اليه ليتمنى لي رحلة ممتعة، الا انني هذه المرة اوقفته، رافضا ان اتركه يذهب قبل ان نجلس معا خمس دقائق ويكون بيننا عيش وملح، واخرجت من صندوق سيارتي طاولة سفاري ومقعدين من قماش شم، واعدعيت لنا زوجتي شايا من ترمس الشاي وطبقا من الكعك وسلة من الفاكهة وساندوتشات بالتونة، وضعتها امامنا وعادت الى السيارة، ودعوته الى زيارتي في قرية ابو قرين القريبة، وحضور وليمة العشاء التي نقيمها لضيوف المأتم، فقال بان ليس اعز عليه من ان يفعل ذلك، ولكن البلدة ليست تحت سيطرة جماعة الدولة الاسلامية، وانها مركز لثكنة عسكرية كبيرة تتبع حرس المنشآت النفطية، لانه يحب جدا حضور المآتم، ولكنه لا يأمن سلامته في مثل هذا المأثم، ولا يريد ان يكون سببا لحرب تهدر فيها الارواح وتسفك الدماء، واثارني قوله بانه يحب المآثم، فسالته عن سبب هذا الحب، فقال ان الناس في المآثم يكونون اقرب الى الله، وابعد عن متاع الدنيا ومظاهرها الكاذبة الخادعة، وانه في مثل هذه المآثم يتم تجنيد الشباب ودعوتهم للالتحاق بالعمل الجهادي، في صفوف الدولة الاسلامية، وتجرأت وسألته عن اهداف هذه الدولة التي تدافع عن الاسلام في ارض الاسلام، وليس في ارض سواها، فهل هي اعادة فتح لبلاد تم فتحها منذ زمن رسول الله عليه السلام، فلم يغضب وانما قال بان ما حركه شخصيا لدخول التنظيم هو المهانة والمذلة التي تتلقاها شعوبنا على يد الغرب الصليبي، لان الحروب الصليبية كما قال لم تنته وانما هي مازالت مستمرة، وهدفه وهدف رفاقه في الدولة الاسلامية هو حسم الحرب لصالح الملة المحمدية، وهذا ما كان سيقوله للشباب اذا جاء الى مأثم والدتي، واثقا ان كثيرين سينخرطون في هذه المهمة الشريفة، التي يتولاها اناس تجردوا من حب الدنيا، وسألني ان كنت اعرف اثمن ما يملكه عضو التنظيم، الذي يتهمونه بانه يتاجر بدماء الناس، ويأخذ الفدية مقابل احتجاز الرهائن، ويتعاون مع المهربين، ويشارك في التجارة بالبشر الذي يركبون قوارب الموت، فسالته عن اهم ما يملكه انسان مثله، فقال، انهما متران من القماش الابيض، كفنه الذي يلحد به في قبره.
ودعني عندما حان موعد الفراق، وداعا حارا، وقد اخذني بين احضانه، واعطاني قبل انتهاء اللقاء، تذكارا قالب مسك، قال انه من السنن التي تحبب المسلم الى نبيه صلى الله عليه وسلم، وقال ان رسول الله اوصانا بالتطهر به وشبه حامل المسك بالجليس الصالح، ولاحظت ان للقالب لونا غريبا لا عهد لي بمثله هو اللون الازرق الاردوازي، وعندما رايته يضع فوق راسه غطاء من نفس اللون، وان الساعة مشدودة الى معصم يده برباط من نسيج ازرق، ادركت انه يحب هذا اللون، فابديت اعجابي بهذه الزرقة اللامعة المضيئة، فقال انه يشبه الخرز الازرق الذي يتفاءل به اهلنا، واظهر لي خرزة زرقاء يعلقها في عنقه قال انها اثر من امه رحمها الله، فعانقته شاكرا ومودعا وذهبت اقود سيارتي وانا مفعم بحب الرجل، اكلم زوجتي بانفعال عن هذا الرجل من اهل الله الذي بدا واضحا حبه لدينه واخلاصه لخالقه، وانه باع الدنيا الفانية ، واشترى مقاما كريما في الاخرة، وكانت زوجتي توافقني على انها بعد ان رات ما قدمه لنا الرجل من عون ومساعدة، غيرت رايها في هذا التنظيم والمنخرطين، وتحولت من كراهيتهم الى التعاطف معهم، وان الرجل بما ابداه من روح الحب والتعاون والتفاني في خدمة امثالنا من عابري الطريق يعطي فكرة مناقضة لما يقوله الناس، خاصة وانها لاحظت ان هناك نورا يطفح من وجهه دليل الطمأنينة والسماحة والشفافية التي في نفسه.

وكنت اثناء المأتم، اسمع كلاما قاسيا عن تنظيم داعش وعناصره، فاقول لهم انني لن ادافع عن سجل التوحش والاجرام الذي نسمعه عن هذا التنظيم في الاعلام، ولكنني اريد استثناء رجل واحد هو الشيخ سحنون، الذي قابلته في حاجز الجماعة ، قبل الوصول الى بوقرين ، وما ابداه نحوي من روح الود والتعاون، وما ظهر في سلوكه من صفات المسلم التقي النقي الورع، وهو كلام اسوقه لكي لا نقع في خطيئة التعميم.

اثناء عودتي من نفس الطريق بعد انتهاء ايام المأتم، حرصت على ان احمل عددا من قصاع الارز المطهي، ولحم الخروف المطبوخ، املأ بها صندوق السيارة، وجئت بها الى الحاجز ملفوفة بالسلفر، الذي يحفظ به الطعام، اسأل عن صديقي الشيخ سحنون، فاكتشفت ان ان هناك طاقما جديدا من اعضاء التنظيم يتولون الاشراف على الحاجز، وان هناك نظاما للتناوب يمنع استمرار نفس الطاقم لاكثر من فترة محدودة، فابلغتهم بما لاقيته من مساعدة من زميلهم رئيس الطاقم السابق، ولهذا احضرت له طعاما من الوليمة التي دعوته لحضورها وتعذر عليه ذلك، ورايتهم يتشاورون فيما بينهم حول قبولها او رفضها، ثم اخذوا القصاع يريدون فحصها وامروني بان اتناول ملعقة من كل قصعة منها وجزءا صغيرا من اللحم ليتأكدوا انها لا تحتوي سموما، وهو ما فعلته بناء على اوامرهم، و لكن رئيس الطاقم الذي خرج من الخيمة، يسأل في غضب عما يحدث، امر بوضع القصاع في مكان بعيد، فصفت واحدة بجوار الاخرى وكانت خمس قصاع، وجاء بمدفع رشاش واستخدمها هدفا يطلق عليه النار، وعندما لم يتفجر شيئا من القصاع ، تاكد انه لا وجود لمادة متفجرة بداخلها، ضاع الارز وضاع اللحم وضاعت الوليمة دون ان يستفيد بها احد، وحمدت الله انهم اطلقوا سراحي في الختام، وتأسفت في نفسي لغياب صديقي الشيخ سحنون، الذي اظهر جانبا آخر غير هذا الجانب الذي رايته اليوم وتجلي فيه شيئا من السلوك المتوحش للجماعة الدولة الاسلامية.

لم يمض غير اسبوع واحد بعد رجوعي الى طرابلس، عندما ظهر في الاخبار شريط مصور عن اجتياح عناصر من داعش لحي في مدينة سرت ، عاصمة المنطقة الوسطى التي تخضع بالولاء لهم، لان شيخا في احد الجوامع ينتمي الى جماعة سلفية جاهر، برأي مخالف لما يقوله شيوخ الدولة الاسلامية، فتعرض هو واتباعه لحملة انتقامية وتم جمع عشرة من هؤلاء الاتباع، ثم اعدامهم ذبحا، وتم تصوير الاجتياح وتصوير، مداهمة الضحايا وجرهم خارج بيوتهم، ثم عملية الذبح، وارعبني ان اجد ان قائد هذا الاجتياح، وقائد عملية الذبح الذي خرج يحمل سكينا ويتولى بنفسه ذبح اول الضحايا، ملوحا بيده للاخرين ان يتبعوه فيما يفعل، لم يكن غير صديقي قائد جماعة الحاجز الذي اجتزته عند دخول بوقرين، الشيخ سحنون، ورغم ان الكاميرا كانت تتجنب تصويرهم مواجهة وانما من زاية جانبية، لكي لا تظهر ملامحهم واضحة في الصورة، إلا ان شخصية الرجل بغطاء راسه الازرق، لم تكن خافية عني وكانت ساعته برباطها الذي يحمل نفس لون غطاء الرأس متفردا بين القتلة، والتي ظهرت واضحة جلية وهو يرفعها يده معطيا الاذن ببدء المذبحة . كانت صدمة بالنسبة لي ، واشفقت على زوجتي ان ترى هذه الصورة، وظلت فيما بعد على جهلها بان صديقنا الشيخ سحنون ليس الا قاتلا، مثل بقية القتلة في هذا التنظيم المتوحش.

ليبي في بنزرت
اثناء حضوري ندوة دعاني اليها اتحاد الادباء التونسيين، ، في العاصمة التونسية ، حصلت زيارة الى بنزرت نظمها الاتحاد لحضور ذكرى المعركة التي خاضها الشعب التونسي لاجلاء اخر القواعد العسكرية الفرنسية في البلاد، واثناء وجودي هناك، اصر احد ابناء المدينة ممن تعرفت عليهم حديثا ، ان يحصل بيننا عيش وملح، فاستضافني في بيته والتقي ببعض افراد اسرته ، واثار فضولي بعد تناول الغداء، ما سمعته من كلمات دارت على لسان ام الرجل ، تطلب من فتى اراد ان يرمي بقايا الطعام ، بان يترك هذه البقايا لكي تنقل الى الرجل الليبي. فسالت عن هذا الرجل من يكون، فاجابني مضيفي واسمه نجيب، بانه رجل على باب الله ، من اصل ليبي ، يعيش على الاحسان ، لا اهل له ،ولانني باق في بنزرت لبضعة ايام للسياحة والاستمتاع ببحرها وشمسها ورمل شواطئها، فقد رايت ان ازور هذا الرجل الذي يجمعني به النسب الى نفس الوطن، لارى كيف يعيش، ورتبت مع نجيب ان يأخذني اليه، ولم تستطع سيارة الاجرة التي اقلتنا ان تصل الى كوخه الموجود في اطراف القرية ، انني الطريق المعبد يتوقف دونه بضع مئات من الامتار، ولم يكن ليجازف صاحب السيارة بالخوض فيما كان موجودا من اوحال واحجار ، لان هناك عددا من اكواخ الصفيح تفصله بينه وبين هذا الطريق العام، فقطعنا تلك المسافة على الاقدام نتفادى الغوص في الاوحال التي تصنعها مسارب ماء من اثر الغسيل واستهلاك الماء من قبل اصحاب هذه العلب الحديدية، حتى وصلنا اليه حيث كان متكورا في ركن من كوخ من الصفيح ، لا يعطي انطباعا انه بني آدم الا بعد ان انتبه ورد السلام ، فاذا به كائن بشري لكنه اقرب الى ان يكون حلقة الوصل بين الانسان وبين بقية اعضاء المملكة الحيوانية، لم يظهر عليه اي اهتمام بمجيئنا ظل جالسا مستندا لظهره الى حديد الكوخ، يفترش خرقة بالية ، والكوخ مترب لا يضم اي اثاث غير زئر ماء ، وبعض الكراكيب التي لا استطيع تصنيفها ، قال له الرجل انني سائح من ليبيا يزور بنزرت واراد ان يتعرف عليه، فلم يسد عن ان قال بصوت كانه الخوار اهلا وسهلا، وحمدت الله ان لم يمد يده مصافحا، لانني لم اكن اثق بان مصافحته لن تنقل لي مجموعة من الجراثيم ، كان واضحا انه ما زال في مقتبل العمر ، لكنه شكله يعطيه عمرا اكبر من عمره الحقيقة ، وكان اكثر ما يميزه هو غزارة في جسمه من شعر ، فشعر راسه مهووش مخلوط بالقش، لا تلمسه المشط لاشهر وربما اعوام، وطويل في غير ترتيب ، يمضى في مختلف الاتجاهات ، وشعر وجهه بنفس الكثافة ، الى حد ان ملامحه اختفت خلف غابة الشعر، والاكثر من ذلك فان ذراعيه وكان يرتدي اسمالا لا تغطي الى جزءا من كثفيه ، يغطيها ويغطي ظاهر يديه شهر له كثافة شعر الغوريلا، ولو ان صحفيا اخذ له صورة ونشرها ليؤكد نظريات داروين لقدم اكثر الادلة اقناعا على صدق النظرية ، وكنت رغم الرائحة العفنة التي تتصاعد من الكوخ سارغم نفسي على البقاء لاعرف منه شيئا عن اصله الليبي، ولكنه عيي لا يتكلم الا نادرا ولا يخرج الكلام الا بصعوبة ، فقد قررت ان انهي الزيارة واعود متشجما تعب الذهاب عبر هذه الاودية من مياه الغسيل والقاذورات، الى الطريق العام ، في انتظار سيارة عامة . وفي طريق العودة الى الفندق اخبرني نجيب بان عائلة الرجل الليبي انقرضت فلم تبق معه الا امه التي كانت تسكن معه هذا الكوخ وعندما ماتت لم يعد يستطيع ان يتصل باحد ولا يعرف احدا من اهله ، فبقى في الكوخ لا يغادره،وسالته ان كان يعرف له اسما ولقبا فربما التقيت باحد من عائلته في ليبيا، فوجدته لا يعرف له اسما غير الليبي ، الذي يناديه به كل الناس ، بعد ان اهملوا مناداته باسمه الحقيقي ، وواصل كلامه عن حالة الاعتكاف في الكوخ التي داوم عليه الرجل الليبي ، وقد ظنه الناس في البداية اعتكاف الحزن على امه ، كما شرح السيد نجيب ، وظل بعضهم يبادره بالصدقة والاحسان، مؤازرة له في محنته ، بانتظار ان تنتهي فترة الحزن ويسعى لكسب الرزق ، لان امه كانت تعمل في البيوت تغسل للناس ملابسهم وتكسب ما يغطي نفقات معيشتها ومعيشة ابنها ، وعليه الان ان يعبأ بنفسه والتقاط رزقه، لكن الوقت مر ، شهر وراء الاخر ، ثم مر عام وتلاه عام اخر بعد وفاة امه، وهو على هذا الحال لا يتحرك من كوخه، ولا احد يعرف السبب لعله تخلف عقلي ولكنه يبدو طبيعيا لا جنون في سلوكه او كلامه، او ربما حالة من الكسل التي ساعده اهل الاحسان على ان يستمر فيها ، خاصة فقيه من معلمي القرآن في كتاب قريب ، اسمه الشيخ عاشور ، فهو الذي يباشره بالرعاية ويقضى له حوائجه . وهناك دائما المناسبات التي تكثر فيها الصدقات ويكثر فيها الاحسان مثل عيد الفطر وعيد الاضحى وعاشوراء وايام رمضان ، واكثر الرجل من كلمات الصدقة والاحسان ، احسست معه انه يقصدني ، او ينهرني ويعاتبني لانني لم اظهر شيئا من هذا الاحسان لابن بلدي، وفعلا كنت سافعل ولكنني اكتشفت وانا ازوره انني لم احمل نقودا معي غير تلك التي احتاجها لاجرة السيارة ، تاركا كل نقودي في خزانة الفندق، ولهذا فقد اتجهت لها ، واخذت مائة دولار، ولكنني قبل ان اعطيها للصديق نجيب يعطيها له فكرت في شيئين الاول انني اشك في ان الليبي يعرف قيمتها ، واثقا من انه لم ير مثل هذه العملة وقد يضحك عليه اي طفل ويستبدل هذه المائة دولار مقابل ورقة بعشرة قروش،ولهذا عزمت على تحويلها الى عملة تونسية وثانيا فانه مهما كانت ثقتى في الصديق التونسي فقد يجد المبلغ كبيرا ويبخل بتسليمه كاملا له ، ولهذا اتفقت مع نجيب على زيارة ثانية ، له ، متحملا ما تحملته من قطع جزء من الطريق على الاقدام، وفي الصباح بطبيعة الحال لانني لا اعرف كيف يمكن ان تكون حالة هذه الاكواخ عند حرارة الشمس ، وحالة ما تفرزه من روائح، ووجدت عند وصولنا اليه الفقي عاشور موجودا هناك، ووجدنا هذه المرة ترحيبا ، بل ان الفقيه استطاع استخراج كرسيين كانا مطووين ، اخرجهما من بين الكراكيب كما يخرج الحاوي الارانب من جرابه ، وقال ان اسم الرجل منصور وان والده الفقيه محمد منصور هو الذي حفظ علي يديه القرآن لانه كان فقيها ويعلم الاطفال ويكتب الاحجبة للمرضى، ولذلك فهو يريد ان يرد الجميل في ابنه منصور، وسوف لن يتركه حتى يجعله يحفظ القرآن باذن الله، فاخرجت المبلغ الذي صار الان سبعين دينارا، واعطيته امام الفقيه الى منصور، طالبا من الفقيه ان يرعاه والا يترك احدا ياخذها منه ، فضحك قائلا ان كثيرين يظنون منصور غبيا او متخلفا عقليا ولكنه رجل له ذكاء وله عقل الا ان تدليل امه هو الذي ابقاه في حالة كسل واورثه هذا الاهمال لنفسه وعدم ادراكه لمسئولياته ، فدعوت له بالتوفيق في هذه المهمة الصعبة التي تعهد بحملها على كتفيه ، يخامرني كثير شك في انها مهمة مصيرها الفشل .
لا ادري كم مرت من السنين على هذه الزيارة ومقابلة هذا الكائن البشري المسمى منصور الليبي، بما اكثر قليلا من عشرين عاما، عندما طفا على سطح الاخبار الخاصة باهل التطرف الاسلامي ، بعد ثورة 17 فبراير اسم ابو منصور الليبي باعتباره من زعماء القاعدة الليبيين ، الذين عادوا يؤسسون في ليبيا قاعدة للقاعدة، ويرفعون في سماء الوطن الراية البيضاء، ولم يخطر على بالي اطلاقا ان اقرن هذا المسمى ابو منصور الليبي بذلك المنصور الليبي المتخلف عقليا ، العيي في الكلام والتفكير، الذي رايته يمثل حلقة وصل بين الانسان وبقية اعضاء المملكة الحيوانية، الى ان ظهرت صورة لها بلباسه الافغاني، ممتشقا سلاحه الكلاشنكوف، بمحاذاة واحد من زعماء القاعدة في شعبة من شعاب افغانستان، ربما كانت

من تصوير وتوزير السلطات الامريكية ايام حربها مع بن لادن وطالبان في افغانستان ، الا انه الان وصل الا امن وامان الجبل الاخصر حيث يتولى تاسيس امارته الاسلامية فوق ارض اسلافه، وما ان رايت الصورة حتى قلت انني اعرف هذا الرجل، وصرت افتش في ذاكرتي عن متى واين رايت هذه الملامحة ، وكان الاسم هو مفتاحي الى تلك المنطقة من الذاكرة التي احتفظت بملف تلك الزيارة الى كوخه في بنزرت، فاذا بالمشهد كله يعود بوضوح ، واذا بالرجل يكاد لم يطرأ عليه اي تغيير، فقد بدا في تلك الاكوام من الشعر ، اكبر من عمره ، والان قد قام بتهديب وتشذيب هذا الشعر ظهر عمره الحقيقي ، فقد كان عمره عندما قابلته عشرين عاما يبدو وكان عمره اربعين ، وهاهو قد اوصله الزمن الى اربعين ، فظهر الان في عمره الحقيقى دون كثير تبدل في شكله وملامحه.

كان الفقي عاشور واثقا من انه سيصنع من منصور العيي المتخلف عقليا كما كان يراه الناس ، رجلا قادرا على حفظ القرآن، وكنت فعلا قد غادر الكوخ بانطباع انه يدخل في مهمة مستحيلة ، ولكنه بالتاكيد نجح فيما اراد تحقيقه ، ولكن هل نجح حقا ، هل قدم للمجتمع رجلا نافعا من وراء تلك الكومة من الشعور السوداء المليئة بالقش والقذارة، ام ان عشرات الضحايا لهذا الوحش البشري ، يتمنون لو انه بقى في حالته الوحشية البدائية يعسش على الاحسان والصداقات ، والا يتطور الى هذه الوحشية الكلاشنكوفية النارية التي تزهق الارواح وتفتك بالمدن الامنة . و سامح الله ايها الفقي عاشور .

ابولوجيا الثانية
دفاع طرابلس
كما جاء على لسان القائد الميليشياوي الناطق باسم تحالف العصابات المسلحة التي تحكم ليبيا وعاصمتها منذ انتهاء النظام الانقلابي السابق وحتي هذه الساعة
(كانت ابولوجيا الاولى)
“APOLOGYA”
هي تلك التي قدمها اديب وفيلسوف ومفكر من رواد الادب في فجر الحضارة الانسانية، من مواطني الامبراطورية الرومانية “لوكيوس ابوليوس 125-170م” امام قضاته في مدينة صبراته الليبية، وترجم المفكر الليبي على خشيم ، هذه المرافعة تحت اسم دفاع صبراته، اما هذه الابولوجيا الجديدة المعاصرة ، او المرافعة الميليشياوية، فهي التي نسميها دفاع طرابلس، كما جاءت على لسان احد قادة الحلف الميليشياوي الذي سيطر على المشهد السياسي في ليبيا وتولى حكم العاصمة منذ انهيار الحكم السابق تحت ضربات الثورة اواخر عام 2011)
كلفت نفسي وتوافق معي في ذلك زملائي قادة التحالف الميليشاوي الحاكم، ان اتكلم في القنوات الفضائية، بالانابة عن نفسي وعنهم، مقدما هذا الدفاع، ردا على اصوات كثيرة ، تصدر عن اناس من اهل القلم، وغيرهم ممن هم ليسوا كتابا ولا قراء، ولكنهم اهل تنطع وتطفل، تنتقد وجود امثالي في حكم البلاد، ولم اكن اهتم بما يكتبه الكاتبون، ولا بما يقوله المتنطعون في الاعلام وغير الاعلام، لانني عشت حياتي بعيدا عن عوالمهم، ولم يحدث اي اتصال بيني وبين امثالهم، الا انه كان لابد، وقد وصل الهجوم الى شخصي، والى اشخاص رفاقي قادة التحالف الميليشياوي، ان يتصدى احد بقول مثل هذا الدفاع، ورغم انني لست رئيسا لهذا التحالف، الذي يسمونه عصابة، وحتى وان كانت كذلك، فانه لا راس واحد لها، وانما رؤوس انا واحد منهم، ويكفي هذا الامر دليلا على رقي اسلوبنا في الحكم ، لمن يريد ان يعي ويفهم ويعترف بمناقب حكمنا، فهو قيادة جماعية، وتحالف ميليشيات وجماعات مسلحة، ولا اعتراض لمن يسمي تنظيمنا عصابة، خاصة وانه تعبير شائع على السنة الناس، ستخدمونه ضد حكامهم،في اوقات الشدة وسمعنا شعراء شعبيون وغير شعبيين يصفون به الحكم الملكي الذي كان يديره شيخ من اهل الصلاح والهدى، ولذلك فانها تسمية لا سبيل الى تفنيدها ولا حاجة الى اقرارها، تاركا للايام ان تصدر حكمها على حكمنا. نعم، لست رئيسا لهذه العصابة، حسب التسمية التي اردتموها، التي لا رئيس لها، ولكنني رئيس ميليشيا مسلحة، عضو في التحالف الميليشياوي، وجزء من قيادته، ويرى الزملاء ان فصاحتي تؤهلني لان اكون ناطقا باسمهم واسمي في بعض المناسبات، هذه احداها التي اقوم فيها بهذا الدفاع، متوخيا الصدق فيما اقول، وتحري الحقيقة كما عشتها، وكما رأيت زملائي في حكم ليبيا يعيشونها ويمارسونها، وما اعرف انه يحكم تصرفاتهم من من قواعد واسس واصول، تمكنوا بها وعبرها من البقاء في حكم البلاد، وهاهم يمضون عامهم الخامس دون وجود اي تهديد يواجهم او ينبيء بانتهاء حكمهم، هذا الحكم الذي لا يعجب اهل القلم، ومن يسير سيرهم من اهل الفضول والتقليد، فهم لا ينظرون الينا كما ينظر المواطن الى الراعي الذي يرعاه، والحاكم الذي توجب الاصول طاعته والامتثال لاوامره، ويروا فينا عصابة من اهل البلطجة ، وخريجي السجون، واصحاب السوابق، وعديمي الفهم والثقافة، ويعيروننا بخواء عقولنان وانعدام تعليمنا، وما جبلنا عليه من تخلف وجهل، ويعتبرون هذه النعوث، والصفات، تكفي لكي تنزع عنا كل اهلية للحكم وادارة البلاد، بينما نراها نحن امجادا ومفاخر تدعو للاعتزاز، وتجعلنا اجدر من غيرنا بان نتولى القيادة، والعبور بسفينة الوطن الى بر الامان، وساقدم في هذا الدفاع الدليل والحجة على صدق ما اقول، ونعم لقولهم ، ان بين اعضاء تحالفنا وقادته، خريجي سجون جنائية، انا واحد منهم، فقد كنت موجودا في سجون النظام السابق بسبب تهم جنائية، ولانني تعهدت ان اقول الصدق، فانني اضيف انني لم ادخل السجن مظلوما، كما تعود اغلب المساجين على القول، ولا بسب تهمة ملفقة تلفيقا، كما يحدث لاناس من اهل المعارضة السياسية، ممن يلفق لهم النظام تهما جنائية، لكي يسلبهم شرف النضال السياسي، فانا لست منهم، بل اقول صراحة انني كنت اكره السياسة، وما يأتي عن طريقها، ولا اقترب منها، ولا اعتني بمعرفة شيء عنها، وهمي دائما ان كسب رزقي بعيدا عن اهلها، واختبر مهاراتي في التحايل والخداع، في مجالات اخري غير مجالها، وافتكّ حقي افتكاكا على قاعدة ان لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب، وان لم تكن كلبا اكلتك الكلاب، وان لم تكن قطا اكلتك القطاطيس، ولذلك سرت في الحياة ارتدي لكل حالة لبوسها، واتلون بلون البيئة والمحيط كما تفعل الحربوات، بخبرة هذه الكائنات في التخفي والتمويه، الا انه ليس في كل مرة تسلم الجرة، او كما يولون لكل جواد كبوة، وهكذا جاءت الكبوة التي قادتني الى المحاكمة، والى صدور الحكم الذي دخلت بموجبه السجن، ومهما كان الجرم، الذي لن اشغلكم تفاصيله، فقد كنت مقتنعا بانني استحق الحكم الذي نلته، متهيئا نفسيا للقبول به، وقضاء المدة التي حكم بها القاضي، وهي عشرة اعوام، خاضعا لما اراده القدر، في رضا واستسلام.
الا ان هذا القدر نفسه، اراد ان يقضى بعكس ما حكم به القاضي، فبعد انقضاء عام واحد، جاء يوم 17 فبراير، الذي تحدد لقيام الثورة، والخروج في مسيرات تطالب باسقاط النظام، محاكاة لما حصل في تونس ومصر قبل ذلك، وتحول الحراك السلمي بعد ايام قليلة جدا الى نزاع مسلح بين النظام والثائرين عليه، وجاء لزيارتنا في سجن الجديدة، ابن من ابناء العقيد، يقول انه سيطلق سراحنا، ويعطينا سلاحا، ويطلب ان نتعهد له بالحرب معه، مقابل ذلك، ووافقناه وعاهدناه، والحقنا بكتائب النظام، لنكون جزءا ممن اسموه الدعم الشعبي، لهذه القوات التي تقاتل الثوار، ولم تكن هذه القوات تأمن لنا، لان وراء كل مجموعة من جماعتنا، جنودا نظاميين يحملون الرشاشات، مهمتهم مراقبة افعالنا، لقتل من يحاول الهروب، او التولي يوم الزحف كما يقولون، ولهذا بقينا معهم، نحارب الثوار، ونقتلهم بمثل ما يقتلون من يستطيعون اصطياده بسلاحهم من مجموعتنا، حتى انتهت المنازلة، بسقوط النظام، فرجعنا مسرعين الى اهلنا وبيوتنا، فرحين بنجاتنا من الموت، وخروجنا من السجن، وحصولنا على سلاح، كان في حالتي مدفع رشاش، احمي به نفسي.
كان معنى ما حصل، ان هناك دولة ستقام، ونظاما لاهل الانتفاضة سيحل مكان النظام القديم، وكان اخشى ما اخشاه ويخشاه زملائي ممن خرجوا من السجون، هو ان النظام الجديد، سيباشر عمله باعادتنا لاكمال الاحكام التي صدرت ضدنا، ولان هذا بالضبط ما فعلته الانظمة التي استلمت الحكم في مصر وتونس، مع الهاربين من السجون، وهو بالتاكيد ما ستفعله سلطات الثورة الجديدة في ليبيا، ولذلك تكتمت عل وجودي داخل بيتي، مرابطا فيه لا اغادره، كما فعل ذلك زملائي ممن لهم احكام تنتظر اكمال تنفيذها، الا انه لحسن طالعنا، ما توقعناه من ظهور نظام جديد يستلم ادارة البلاد لم يحدث، وانما تسيدت على المشهد السياسي والعسكري، جماعات مسلحة، بعض عناصرها كما تواترت الاخبار، لا تعرف شيئا على استعمال السلاح، لان من يسمونهم المؤدلجين ، تربصوا بالسلاح يقومون بالاستلاء عليه، وعندما يقوم الثائرون الذين نذروا انفسهم للثورة بتسليمه بعد انتهاء المعركة، يقومون بجلب عناصر تنتمي اليهم، يضعون تحت يدها السلاح، ويزحمون بها المعسكرات لتبقى رهن اشارتهم، وتاسست بين هؤلاء الهواة الذين لا سوابق لهم في العمل العسكري ولا الحرب ، جماعات تصول وتجول، وتشتبك احيانا مع بعضها البعض، وافسد هؤلاء المؤدلجون، مشروع الثورة، وعرقلوا قيام الدولة، ورغم دخول البلاد في انتخابات وظهور اجساد مخولة من اهل البلاد باستلام السلطة، الا ان اهل السلاح رفضوا تسليمها، وادارت هذه الجماعات التي تحمل السلاح الحياة في ليبيا بكثير من الفوضى، لا يعرفون سلما ولا حربا ولا سياسة ولا ادارة ، ولا علاقة لهم حتى باستخدام السلاح، انما يحملونه تمويها وخداعا، لان اغلبهم، جاء بهم اؤلئك المؤدلجون للاستعراض، وخلق بعبع كاذب يخيفون به الاخرين، وجمعهم من بين الرعاة والعتالين والعاطلين المتسكعين في الطرقات، وارادوا بلا دراية ولا خبرة، ارضاء اسيادهم ، ولكن ادركوا ان الفشل سيكون سبيلهم، وضياع الحكم من بين ايديهم يتهددهم في اية لحظة، فكان لابد من الاستعانة باعوان من اهل الخبرة والدراية والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، وبدأ الاتصال بزملائنا الذين ارسلوا اخطارا لكل واحد منا ان يستعد للوثوب على الفرصة، وكان سهلا بعد ذلك ان يتنادي زملائي من اهل الخبرة والتجربة، ممن قضوا جزءا من اعمارهم في السجون، وقضوا قبل السجون مراحل من حياتهم في منازلة مع اهل الامن والقانون، ويباشرون عملية الاقتحام لمراكز السلطة، متظاهرين في البداية انهم يقدمون العون والمساعدة للمسلحين الصبيان من اهل السذاجة والجهل بالحياة ، والتعامل مع مصاعب العمل الميداني العسكري ، الا انهم في ايام قليلة كانوا هم اهل الامر والنهي والحل والربط، وصار الواحد او القائد من هؤلاء الفتيان البسطاء، هو من يتوسل اليهم ان يبقى مساعدا لهم بسبب المكاسب التي يحصلون عليها والمرتبات التي يتقاضونها، وهكذا خرجنا جميعا من مخابيء البيوت، التي اقمنا بها اقامة الخائف المرعوب من السجن، لنصبح اسياد هذه الميليشيات التي تحكم البلاد، ولم نكن نجهل التقنيات التي تتيح لنا هذه السيادة، فكنا نعرف ان كهنة السياسة ممن مهدوا لهذا المشهد الميليشياوي، ورتبوا لبقاء السلاح والمعسكرات، لابد من ارضائهم ببعض الكلمات، لكي يطمئنوا لنا ولا يستخدمون مهاراتهم في المكر والخداع ضدنا، فدخلنا هذه المعسكرات، حريصين على استخدام القدم اليمنى ، وافواهنا تلهج بنداء الله اكبر ، التي نقولها بصوت مرتفع، حتى تبلغ ادانهم في القصور التي استولوا عليها من ارث النظام القديم، مرددين اقوالهم التي سمعناها منهم في الاعلام، من انه لا حكم الا حكم الشريعة الغراء، ولا حل الا الاسلام، ولا دستور الا كتاب الله، فوجدنا المناصرة والترحيب والتاييد ، والاحضان المفتوحة لنا، رغم اننا لا نقول كلمة من هذه الكلمات من قلوبنان ولا يعرف اي واحد منا اين تقع القبلةن ولا نعرف قواعد الوضوء، ولا كم ركعة لصلاة الظهر او العصر، ولا اعتقد ان سيرة احد من زملائي تختلف عن سيرتي مع الاثام والمعاصي، فقبل ان اصل سن العاشرة من عمري، ارتكبت كل معصية موجودة في النواهي التي ينهى عنها الفقهاء، فقد بدأت صغيرا بشرب السجاير التي صارت بعد اشهر قليلة ملغومة باوراق الحشيش، ثم دخلت عالم المشروبات الكحولية ، ثم تطور الامر بعد اعوام قلية الى سهرات تختلط فيها الكحول بالحشيش بمعاشرة النساء المحترفات، اما السرقة فهي التي برعت فيها قبل اية معصية اخرى، ومثلت النساء المحترفات حلقة مهمة في حياتي، فقد تطورت العلاقة الى مكسب وربح لانني كنت اقدم لهن الحماية، والتخفي من ملاحقة شرطة الاداب، واقبض الثمن من اموالهن ومن اجسادهن، ولم يكن عالم النساء المنحرفات بعيدا عن عالم الانحراف والفساد الحكومي، الذي اتصلت به وكنت وسيطا بينهن وبين الفاسدين في الشرطة الذين يتقاضون ثمن سكوتهم على الدعارة، والفاسدين في القضاء، والفاسدين في الادارة، والدخول في عمليات اكبر من حلقات البغاء، تتصل بالتجارة البضائع التي تحرمها قوانين البلاد وعلى رأسها الخمور، والحشيش والافيون، والسجاير التي تخضع للضرائب، ثم تجارة اكثر ربحا هي تجارة البشر، بدءا من تهريبهم عبر الحدود، وتزييف الهويات الشخصية، وتزييف جوازات السفر، وبيع الجنسية الليبية لمطاريد الصحراء الهاربين من جرائم ارتكبوها في بلدانهم، فاي خبرة يريدها حكم البلاد اكثر من هذه الخبرة التي اكتسبتها واكتسبها زملائي في تحالف الميليشيات من خريجي السجون واصحاب السوابق، وندخل بهذه الخبرة سلاحا ضد كل من يهدد البلاد وامنها من اهل الاجرام، لاننا نعرف الاعيبهم ولا تخال علينا اساليبهم في التمويه والتخفي، وقد اصبح الصدام معهم واعلان الحرب ضدهم امرا حتميا، فطالما صرنا العصابة التي تتولى الحكم، فلا مجال لان نسمح لعصابات اخرى تفسد علينا حكمنا للبلاد، او ثورتنا نقمة رعايانا، مع قدرتنا على هزيمتهم وقطع دابرهم، بمثل ما لا يمكن لاية حكومة اخرىن من اهل السياسة والثقافة والتعليم، ان تفعل، لاننا اهل تخصص واحتراف في هذا المجال الذي تعمل فيه العصابات، وهم ليسوا كذلكن ولا يملكون واحدا على مائة من الخبرة التي نملكها باعمالهم واجرامهم، ومهما درج عليه اصحاب الكتابة الصحفية واهل القلم، من تسميتنا عصابة، فاننا عصابة الحكم، والعصابة التي اصبحت دولة، والدولة في كل دساتير العالم وانظمته وشرائعه، هي التي تحتكر السلاح، وهي التي تحتكر العنف، وهي التي تصدر الاحكام وتقوم بتنفيذها، ولذلك فلا مجال ولا مساحة لاي عصابات اجرامية في البلاد غير عصابة الدولة، اما عن كونها عصابة حكم ودولة، فليسمح لي الجميع بسؤالهم، عن متى لم يكن اهل الحكم عصابة في اي مكان من العالم، وليتفضل اي واحد منهم، بان يضرب لي مثلا من التاريخ الليبي نفسه او من تاريخ دول اخرى، عن زمن لم يكن الحكم فيها يدار من قبل عصابة، ونحن جميعا نعرف ما كان يقوله الشيوخ من اهلنا ، ممن حضروا حكم الايطاليين، وسمعناه منهم، عن استتباب الامن والنظام في عهدهم الاستعماري، المحكوم بعصابة ادانها العالم كله، فيما بعد، ولكن هذه العصابة بكل من تولى امرها من كبار عناصر المافيا، وقد حفظنا اسماءهم لفرط ترددها على السنة شيوخنا واعلامنا، مثل كانيفا ودي بونو وغرسياني وصولا الى السيد بالبو، النازي الشهير، كانوا يحفظون الامن ويحرصون على استتباب النظام، نعم هم يصادرون الارض لحساب اقوامهم ، ويطبقون قانونهم على من يحاربهم، ولكنهم في نفس الوقت لا يسمحون باهل اجرام ولا سطو ولا خطف يعملون في البلاد، تحت سلطتهم، ونترك اهل الاستعمار الايطالي، وناتي الى الدولة التي شاركت في دحرهم، وساعدت على طردهم من ليبيا واستلمت الحكم بدلا منهم، فيما يسمى دولة الانتداب البريطاني، لانها كانت تستخدم عناصر من اهل البلاد، وهؤلاء العناصر لم يكونوا بالتعاون مع الوالي البريطاني الا عصابة، تحكم لصالح دولة الانتداب، ضد اهل البلاد، وكانت تفلح في فرض النظام والقانون، حتى لو كان قانونا مجلوبا من خارج البلاد، ادى الى قتل الناس، المعارضين للدولة الاجنبية التي يخدمونها، ولا زال اهل ليبيا يذكرون مجازر ارتكبت في حق المتظاهرين الليبيين، ويذكرون معها اسم الضابط الليبي الذي امر بها، هل كان اسمه عبد السلام الكتاف، نعم، لقد طالت المدة منذ ان سمعته لاخر مرة، ولكنه لم يكن مذنبا، كان يمضي مع سياق حكم العصابات الذي كان قبله واستمر بعده، اذ جاء بعده العهد الملكي، وتولى الحكم فيه شيخ من اهل الطريقة وزعيم روحي ديني، اسمه ادريس السنوسي، ومع ذلك فقد بدأ هذا الشيخ الثقي عهده، بازالة منافسيه في السلطة، رئيس اكبر احزاب الاستقلال الزعيم بشير السعداوي، وزعماء اكبر تنظيم مهد للاستقلال في بنغازي جمعية عمر المختار، ولم يعبأ بالشعبية الطاغية لهؤلاء الزعماء ولا للناس الذين كانوا يتغنون بالسعداوي في اعراسهم ويقولون
منين قالوا السعداوي جي
دخت وبخوني بالمـــــــــي
تصويرا بالغناء الشعبي للمكانة التي بلغها ذلك الرجل في قلوب الناس، لكن للسلطة احكامها التي جعلت الملك ينزع الهوية الليبية عنه ويأمر بارساله الى المنفى مكبلا بالاغلال، واذا كان هذا عمل شيخ الطريقة الدينية الصوفية فلن نحتاج لان نصف بقية اهل الحكم الذين كانوا سببا في ان اطلق شاعر الوطن رفيق المهدوي بيت الشعر الذي وصل الى الناس كبارا وصغارا وحفظه ابناء المدارس كما حفظه ابناء الشارع امثالي وكنا نكرره في العابنا ونحن اطفال وهو ذلك الذي يقول “اناخت على حكم البلاد عصابة، تصول على اهوائها وتجول”، وهو معنى تكرر في اقوال الشعراء الشعبيين، وقصائدهم التي يصعب حصرها، ونعلم جميعا ان هذا الملك الثقي الورع كان هناك من يراه شريرا مجرما، ويكفي ان شعارا خرج في عهده يقول”ابليس ولا ادريس” ، كما لا نجده غريبا ولا عجيبا وفق هذا التقييم ان الحاكم الذي اطاح به، واستلم الحكم بعده، اقام له محكمة واصدر عليه حكما بالاعدام، مرفقا بلائحة اتهام طويلة عريضة.
المهم ان هذا الحاكم الجديد،الذي عاصرناه واكتوينا جميعا، اشرارا وطيبين، صغارا وكبارا، نساء ورجالا، بنيران شراسته وجبروته، كان قد جاء فارضا نفسه بقوة السلاح، كما يفعل جماعتنا وكما فعلت الجماعات التي استولت على المشهد السياسي الليبي قبلنا، فلا حاجة لان يلوم احد احدا، اذا ما استخدم السلاح وسيلة للحكم، وجعله سبيلا لتصفية حساباته مع الخصوم والمعارضين.
لا الوم الكاتب الذي يشكو من ان الحكم في بلاده آل الى عصابة من اهل البلطجة، ولا اتوجه اليه باي احتجاج اواعتراض، ولا اكتب هذا الدفاع لتفنيد ما يقول، لانه لم يقل الا الحقيقة، ولكنني اكتبه لانكر عليه وعلى اي انسان غيره ان يستغرب لوجودي ووجود زملائي ورفاقي في سجون ابو سليم الجديدة وبورتا بينيتو ، في السلطة، وانتقالهم من زنازين السجن الى كراسي الحكم، فهل يرونه معقولا او مقبولا او محتملا او جائزا، لمثلي وامثال هؤلاء الرفاق ان يتركوا مقاعد وقصور السلطة ويعود الواحد منهم طائعا مختارا الى الزنزانة، وهل في تصورهم ان هناك انسانا عاقلا يفعل ذلك، واذا فعله حقا، ماذا تراهم سيقولونه عنه، وكيف سينظرون اليه، الن يعتبرونه مجنونا، فاقد العقل، واقول شاكرا الله سبحانه وتعالى ، انني اتمتع مثلي مثل زملائي بكامل قواي العقلية، وقادر واياهم على تقدير المواقف، واتخاذ الصحيح منها، واصدار الاحكام على الحوادث بحكمة وثبات عقل، واعرف انني لا املك ذرة من الجنون تجعلني اترك كرسى الحكم لأعود باختياري وارادتي الحرة الى السجن، فهل هناك حقا ارادة حرة تحب الزنازين وتسعى الى دخولها، انها اذا ستكون اكبر مفارقات الحياة.
يقول السيد الكاتب، ويقول آخرون، على شاكلته، من اهل الثقافة والسياسة، ويحملون نفس افكاره، ان عصابة الحكم، ستحول دون ممارسة الشعب لارادته، وسيمنعون حصول انتخابات يصل بها ممثلو الشعب الى المؤسسات النيابية والدستورية التي تستلم السلطة، وما قالوه، هو عين الصواب، وهو عين الحقيقة، ولا ينافسه في صوابه وحقيقته، الا ما نفعله نحن من حيلولة دون وصول هؤلاء المفوضين شعبيا الى السلطة، وازاحتنا نحن منها، ونحن عندما نحافظ على سلطة اخذناها بالمغالبة، لا ناتي شيئا غريبا ولا عجيبا، انما نتبع تقليدا ثابتا موجودا في اساليب الحكم منذ فجر التاريخ، الى هذا العصر وهذا الزمان، ويكفي ان ننظر الى النظام الانقلابي السابق، وكيف انه وبعد اكثر من اربعين عاما من اغتصاب الحكم، لم يرد تسليمه، وخاض حربا شنيعة وشرسة ضد من ارادوه ان يرحل ويترك السلطة، ولعل هناك من يقول لي انك تضرب المثل بحكم ثار عليه الشعب، وكان ناقما عليه، فكيف تجعله قدوة، وردي هو انني لم اثر عليه، وانما خرجت من السجن بقرار منه لكي اعينه على البقاء، وثانيا انني لا اضرب به مثلا لانه سيء او جيد، مكروه من الشعب او محبوب منه، وانما اضرب به المثل باعتباره سلطة لم تكن نابعة عن اي انتخابات او اختيار شعبي، ومع ذلك فرضت نفسها، واعترف بها العالم وتعامل معها، وعندما كان يواجهها اي تهديد كانت تدافع عن وجودها، كما سوف تفعل اي سلطة سواها، ونقطة اخيرة، هي ان هناك فترة انتقالية تفصل بين وصولنا، نحن اعضاء العصابة كما يحب الكاتب ان يسميها، وبين انطلاق الثورة ونجاحها، جرت فيها انتخابات نيابية لمرتين، وجرى اختيار اجساد اخرى مخولة شعبيا، فماذا افرزت هذه الانتخابات، وماذا جلبت من اهل الجدارة والكفاءة الى الحكم، لم ار شخصيا، مع كامل الاحترام لعدد قليل منهم، ظل صامتا متواريا على الانظار، الا من طفا على السطح من اهل البلطجة والخداع واخلاقيات السوق والمساومة والبيع والشراء، بل انهم هم من جلبوا امثالي الى السلطة لانهم ارادوا استخدامنا في الصراع مع منافسيهم، واقصاء الآخرين، لتحقيق الاجندات السوداء التي يرسمونها للاستفراد بالسلطة، الا انني وزملائي من اهل الخبرة والتجربة في مسائل الخداع والغش والتمويه، افقنا سريعا بخداعهم، وكنا اكثر قدرة على الايقاع بهم، والنجاح في اقصائهم واستفردنا نحن بالسلطة.
وبعد ان شرحت ما يشاركني فيه زملائي من مسئولية ، انتقل في هذا الجزء من المرافعة ، الى تقديم جانب شخصي، واكرسه للحديث عن نفسي، تعطي الحديث لمسة حميمية، ربما اصل بها الى قلوب المناوئين لي، والكارهين لوجودي ووجود زملائي على راس السلطة في البلاد، تؤكد لهم انه رغم حقيقة ان السلوك العصابي الاجرامي، هو الذي يميز ما مضى من حياتي، الا ان اللمسة الانسانية اصيلة في نفسي، والتوق الى حياة اكثر نظافة وشرفا لا يغادر خاطري، كما ان هذا هو حال زملائي، من اعضاء التحالف العصابي الميليشياوي، وربما تتيح لنا الحياة الرغيدة، التي تاتي في ركاب السلطة، فرصة ابراز هذا الجانب الانساني الذي رافقني منذ الطفولة، والذي جعلني لا اتمنى شيئا في حياتي عندما كنت طفلا الا ان اكون كلبا. امنية غريبة، فانا اعرف ان الاطفال في مثل سني يتطلعون للكبار يريدون الاقتداء بهم، ضابطا او فقيها او سائق سيارة، ولكنني بعكسهم كنت اريد ان أكون كلبا، وكنت ادعو الله قبل النوم الا اصحو الا وقد احالني الى كلب، واستيقط ابحث عن مرآة، اتامل فيها وجهي راجيا ان يكون الله قد استجاب الى دعائي، وتحول وجهي الى وجه كلب، واحزن واتاسف وانا ارى وجهي لم يتحول الى وجه ذلك الحيوان الاليف اللطيف الذي احبه، ولم اصبح امشى على اربعة اقدام مثله ، ولا انبح مثل نباحه، ولا استطيع ان اتبادل الحوار مع بقية الكلاب بلغة النباح مثله، وسبب هذا الحب انني انتمي الى عائلة بدوية نزحت الى المدينة، ونصبت خيمة في احدى ضواحيها قرب منطقة الغابات، جالبة معها بعض الشياه التي وجدت مرتعا في الغابة، وكلبا للحراسة، كانت العائلة تعهد به لي، لاعتني باكله وشربه وغسله، وكان كلبا كبيرا استيطع ان اركبه واتجول به في اركان الغابة، وكان هو يستطيع حتى لو توغلت به بعيدا عن الخيمة، ان يعيدني اليها لانه يخبر الطرقات، ويهتدي الى مكان خيمتنا دون صعوبة، واذا راى احدا يقترب مني ، حتى لو كان خنفسة او صرصارا، او اية حشرة او حيوان او انسان، فهو ينتبه اليه ويستعد لحمايتي منه، الا اذا وجد مني قبولا لهذا الكائن شخصا او حيوانا او حشرة، وهكذا نشات علاقة صداقة ومحبة قوية بيني وبينه، ووصل من حبه لي انه اذا راني غاضبا حتى من احد اعضاء الاسرة ، ياتي معلنا عن غضبه من اجل غضبي، مكشرا عن انيابه في وجه هذا الذي اساء لي، حتى لو كان ابي او امي، ومن اجل ذلك صرت ابادله نفس المحبة الى حد ان تمنيت ان اكون كلبا مثله ، استطيع ان اسرد له احزاني بلغة الكلاب، وافهم نباحه كما يفهم الكلب كلبا مثله، الى ان حدث ذات يوم، ان تعرض فيه كلبي العزيز، الذي كنت اسميه “ديكو”، بسبب ان له شعرا فوق راسه منفوشا مثل عرف الديك، الى حادث، تركه اياما ينزف، وحاولت انقاذه بكل ما استطيع، وكنت ابكي متوسلا لابي ان يفعل من اجله شيئا، فاستجاب واخذه تحت الحاحي الى عيادة لكلاب الايطاليين في المدينة، وفعلا ارقدوه في العيادة ثلاثة ايام، مات بعدها، وفشلوا رغم الجهد الذي بذلوه في انقاذه، وكان المتسبب في الحادث جارا لنا يسكن كوخا من الصفيح، يملك عربة يجرها حصان، كان يركض به وهو يجر العربة امام خيمتنا، ولم ينتبه الى كلبنا النائم ، فسار فوقه بعجلات العربة التي حطمت عظامه، وكان اول ما فعلته بعد موت “ديكو”، ان ذهبت ، وكنت قد بلغت السابعة من عمري، الى كوخ الرجل الذي قتل صديقي الكلب، احمل علبة ثقاب واشعل النار في الكوخ، من كل الجهات، وفعلا احترق الكوخ وتحول الى كوم من الرماد، الا ان احدا لم يتضرر، ولم ينتبه احد الى انني الفاعل، واحسست، نتيجة هذا الانتقام، بسعادة بالغة ازالت بعض حزني على الكلب، وكانت تلك بداية اجترائي على القانون، استهتاري به، لانني استطعت ان انفذ جريمتي، دون ان يطالني، وبدأ منذ ذلك الوقت تاريخي مع انتهاك القانون والنفاذ من عقابه.
أوردت هذه القصة لاقول، انني مازلت احمل في نفسي بعض مشاعر الكلاب وسلوكياتها ونوازعها، وربما شيئا من الخصال الحميدة التي تميزت بها من وفاء وامانة وحفظ للصداقة، ونحن جميعا نعرف، من خلال التجارب والخبرات والمرجعيات الشعبية والدينية، وعبر تعاملنا مع مختلف اصناف البشر، اشرارا وطيبين، فساقا وصالحين، انه لا وجود لانسان كامل كله خير، ولا لانسان كله شر، وان الكائن البشري بمثل ما فيه من نوازع الشر، فيه ايضا قدر من نوازع الخير، وان في تكوين كل واحد منا تركيبة الطين والتراب، اي كل المعادن الموجودة في الارض،النفيس منها والخسيس، والذهب والحديد، وصاحب الشر الذي ندينه، لانه ارتكب جرما، لا يكون شرا كله، ولا شرا في كل الوقت، فما اكثر ما تظهر فيه ومضات الخير، وصاحب الصلاح والتقوى الذي اعتمدناه اماما ومصلحا، لا يكون خيرا كله ، وفي كل الوقت، ولذلك فانني لا اريد لاصحاب هذه الاعتراضات على وجودنا في السلطة، ان يفقدوا الامل ، في خير يجنونه عن طريقنا، وصلاح يمكن ان ياتي من اصحاب السوابق والجرائم الجنائية، وبمثل ما سبق لهم ان توسموا خيرا ياتي من اهل الصلاح فجنوا فسقا وشرا، يمكن هذه المرة ان يحدث العكس وياتي الخير من اهل الفجور والفسق.
احدى نقاط الهجوم على اصحاب السلطة الميليشياوية من امثالي، هو اننا اميون لا نعرف القراءة والكتابة، واننا لا نحمل شهادات التعليم العالي، وكان هذه الشهادة ضمان للجدارة والكفاءة والامانة والنزاهة، بينما يعرف اهل هذا الهجوم ان كل من استلموا السلطة في البلاد، منذ انتهاء عهد الولاة الايطاليين، كانوا من المتخرجين من المدارس، وبينهم ان لم يكن اغلبهم اثبتوا اثناء توليهم المناصب والسلطة انهم من عتاة اهل السطو واللصوصية والعمالة للاجنبي، وبالمقابل فانني اذكر هؤلاء بزمن لم تكن السلطة فيه تحمل المزايا ولا ترتبط بتكديس الثروة ، ولا باستغلال المنصب، وانما كانت السلطة تضحية وبذلا وعطاء، هو زمن الجهاد ضد الايطاليين، وهو زمن استمر لعدة عقود، واستطيع ان اذكر اسماء مائة قائد من قادة الجهاد، ومائة بطل من ابطال البلاد، ممن لا يعرفون القراءة والكتابة ، ولايحملون شهادات الدراسة العالية، وقادوا، مع ذلك، مسيرة النضال بكفاءة، وجدارة ونزاهة وامانة واقتدار، ويملكون من الملكات القيادية ما يجعل الناس يطيعونهم عندما يصدرون لهم امرا بالتضحية بانفسهم ، فيهرعون الى بذلها عن كامل الرضا والقبول.
ولابد وانا اتصدي الى مهمة توضيح موقفي وموقف زملائي من اهل الحراك الميليشياوي الحاكم، واقول مرافعتي ارتجالا في الاعلام التابع لنا والقناة التي تأتمر بامرنا، ان اقول انني اظهر امامكم ، لا احمل القابا رنانة، ولا اتكلم من موقع التفاخر والاستكبار والتعالي، الذي يظهر بها عادة اهل السلطة مهما تدنى المستوى الذي جاءوا منه، بل انني لا احمل اسما، ولا اقول ما كان يقوله حكام انقلابي، استولى على السلطة بالسلاح مثلي، وجاء من ادنى رتبة عسكرية في الجيش، ليتشبه امامكم بالالهة، ويبدو كانه بتنازل ويتكرم بالحديث معكم من موقعه في قبة سماء المجد الذي يدعيه، وحاشا ان نكون انا وزملائي مثله، فهو كان يمن عليكم ويراه جميلا ومعروفا، انه جاءكم واستولى على كرسي الحكم، لا من اجل نفسه وانما من اجلكم، كما كان يقول، وانه يحمل رسالة ليعلمكم ويرشدكم، ويرغمكم على الخروج اليه صاغرين مهانين اذلاء، لتقولوا له “علم يا قائد علمنا”، فنحن لا نحيل جهلنا الى علم كاذب كما كان يفعل، ولا نحيل رسالتنا نحو ارتفاع بمستوى معيشتنا الى اكذوبة اننا جئنا من اجلكم، بالعكس، اننا نعترف بجهلنا، واننا اميون جاهلون، لانملك الا خبرة السجون وخبرة الحياة الضنكة التي عشناها، ربنا نجنبها لانفسنا ونجنبها لكم، ولا نقول اننا نجركم الى الجنة بالسلاسل كما كان يفعل هو ومن معه من الانقلابيين الفاتحين.
انني لا اقول ذلك ولا يقوله احد من زملائي قادة التحالف الميليشياوي، فنحن هنا لا ندعي ان لنا رسالة نحوكم، ولا خدمة نقدمها لكم، ولا رسالة نحملها الا رسالتنا نحو انفسنا وهي نجاتنا من السجن الذي كان يتهددنا، والوصول الى رغد العيش اذا اتيح لنا، دون ان نحرم احدا من ان يسعى للحصول على رغد العيش لنفسه، ولم نقل ما قاله الحكام السابقون انهم يريدون مصادرة اموالكم والسطو على ممتلكاتكم وتأميم عقاراتكم واحتكار القصور لانفسهم، لن نقوله ولن نفعله، ولا نريده، اذ لا مانع ان يكون الناس مثلنا، يريدون الخير لانفسهم، ويتمتعون بمباهج الحياة اذا وجدوا اليها سبيلا، دون اجبارهم على اتباع طريقنا ولا الاهتداء باسلوبنا في الحياة، ولن نلجأ الى ما لجا اليه ذلك الحاكم الذي قال انه جاء من عائلة فقيرة لم تكن تاكل اللحم ولا التفاح ولا تغتسل بالصابون، ولا تستخدم مناديل الورق، ففرض معاناته ومعاناة اسرته عندما كان طفلا، على كل الشعب، ومنعهم منا أكل اللحم او لمس التفاح او الاغتسال بالصابون او استخدام المناديل الورقية، أما تذوق الشيكلاته فقد جعله جرما يستحق صاحبه العقاب.
واذا كنت قد افصحت عن موقف هذه الميليشيات من الجماعة السياسية التي تصدرت المشهد وارادت استخدام الميليشيات ومهدت لوجودها وساعدتها على التواجد والتكاثر في المشهد السياسي، وكيف سعت الى ازاحتها من الطريق، فليس ذلك رغبة في الازاحة، ولكن رغبة في ازاحة الغش من الطريق، لانهم لم يعملوا على احضارنا الا لاستخدامنا واستغلالنا واللعب بنا، تمكينا لانفسهم من الحكم، وهذا نوع من الخداع لا نقبله ولا نريده لهم ولا لانفسنا، ولم يكن ممكنا ان نخاصمهم او نقترب من امتيازاتهم لو ارتضوا بقسمة عادلة، ان يتصدروا هم المشهد، باعتبارهم واجهة لنا، عندئد كنا سنرضى بوجودهم ولم يكن ممكنا على الاطلاق ان نصل الى فك الارتباط بهم، بل بالعكس كنا نرحب بهذا الدور، ولن نمانع فا ان يكتب الواحد منهم اسمه باضواء النيون، ويفرح بالسلطة الوهمية الصورية التي يريدها.
واقول لكل من كتب انتقادا لنا ، ها أنا اخرج واتكلم، واقارع الحجة بالحجة، وارد على الكلمة بالكلمة، ولا افعل او يفعل زملائي ما كان يفعله حكام سابقون لهذه البلاد، عندما كانوا يرسلون الى المعارضين مثلكم، شرطيا من اعضاء الخدمة السرية، يحمل مسدسا كاتما للصوت، يطلق رصاصاته على رؤوسكم، او متطوعا من اهل اللجان الحكومية، يقتل صديقه او زميله ثم يذهب الى مخزن السيارات المخصصة للقتلة، فيأخذ السيارة التي يسمونها “أم الحلق”، واعترف ان عددا ممن فازوا بسيارات ام الحلق، قد انضموا الينا، تائبين نادمين لانهم فعلوا ذلك تحت ضغط الحاجة، وباوامر صاحب الامر والنهي، الذي انتهى، كما انتهى نظامه، ولن يعودا الى الحياة.
والى الذين يسمون جماعتنا عصابة، فلتكن عصابة، واجهة صريحة، لا تخدعكم، ولا تقدم نفسها، على انها من اهل الصلاح والفلاح والايمان، ولابد انكم مثلي شاهدتم برنامجا على الشاشة الصغيرة، يتحدث عن وزراء ورؤسا وزارات في امريكا ودول اوروبا، في ازمنة مضت، اكتشفوا بعد سنوات من وفاتهم، انهم كانوا من اتباع ديانة الشيطان، التي اسس لها احد كبراء الغرب كنيسة لعبادة ابليس، وجمعية سرية لها فروع في العالم، تعين اعضاءها على الوصول الى اعلى المراكز والمناصب، وان هؤلاء الوزراء ورؤساء الوزارات كانوا ممن تحصلوا على الدعم والعون في الوصول الى مناصبهم الرفيعة من هذه الجماعة التي تؤمن بان الله سيد السماء، والشيطان هو سيد الارض، وهو الذي يقود جماعته لادارة شئون العالم الارضي، ومن تحصيل الحاصل القول بان هؤلاء الوزراء كانوا يظهرون امام الرأي العام في ثوب يخالف حقيقتهم، هو ثوب التقوى والصلاح وعبادة الله، ثم لماذا نذهب بعيدا، وقد كان لنا في ليبيا حكام من ايطاليا يتبعون الحزب الفاشي، وهو الحزب الذي كان كما يقول التلفاز الايطالي الآن، ذراعا من اذرع المافيا، الا انهم لا يقولون ذلك علنا ولا يعترفون به، وانما يقولون، وهم ياتون لاستعباد ليبيا، انهم رسل الحضارة الحديثة ودعاتها وحراسها، وهذا كلام اقوله لاثبت لهؤلاء المنتقدين ان كثيرا من اهل الحكم لم يكونوا الا عصابات اكثر شرا واجراما وفسقا وكفرا من العصابات التي لا تغطي نفسها باقنعة الزيف والاكاذيب.

وآخر قول اختم به هذه المرافعة هو هذه الكلمات التي اريدها ان تصل الى قلوبكم قبل عقولكم، لما فيها من قوة البوح وصدق المكاشفة، في حديث يصدر من القلب ليتجه مباشرة الى قلوبكم، ويسهم بالتالي في تمتين العقد الاجتماعي الذي يربط الحاكم بالحكوم، وهو قولي الاكيد بانني اراكم قد اصبتم كبد الحقيقة عندما كتبم تصفون حال المجتمع في بلادنا، باوصاف صريحة جارحة، اتفق دون تحفظ معكم، في جرأتكم وصراحتكم وانتم تقولونها، بانه مجتمع تدنت فيه مراتب الصدق والامانة ، وانهارت فيه القيم، وانحدرت فيه اخلاق الناس الى اسفل سافلين، ووصل سوء التعامل بين الناس الى حد البذاءة والسقوط، بل وصل هذا السقوط في التعامل الى افراد الاسرة الواحدة، حيث عرف المجتمع جرائم لم يكن يعرفها من قبل عن الشاب الذي يترصد لوالده ليسطو على امواله، والذي يريد شراء الافيون بخنق امه ليستولى على مساغها، والذي يخطف طفلا، ويقتله لعجز اهله عن دفع الفدية، ثم يتضح ان الخاطف قريب الطفل المخطوف، وامثلة لا حصر لها عن هذا التردي الذي تحول فيه البشر الى غيلان، وصار شعارهم ان القوي يأكل الضعيف، بل لعلهم سيأكلونك حتى لو كنت قويا، اذا وجدوا حيلة ينفذون بها اليك، واريدهم ان يتاملوا معي ما قالوه، وما يصلح علاجا لما يشكون منه، ويطلقون النداء وراء النداء طلبا لاصلاحه، وليقولوا لي ان كان ينفع حقا لمثل هذا المجتمع الذي تحول الى غابة وتحول البشر فيه الى وحوش افتراس وفتك ببعضهم البعض، ان ياتي الزهاد واهل الصلاح والتقوى لتولي اصلاحه، وهل يمكن اليوم ان يتكرر ما حدث مع جيل الاستقلال، عندما جاء ملك زاهد صالح من اهل التصوف لحكمه، ام ان الامر اختلف حتى وصل الى عكس ما كان، وبدل الراجل الزاهد الصالح ، لم يعد ينفع مثل هذا المجتمع ، الا اصحاب قلوب قدت من الحجر الصوان، عرفت الشر، وعاشرت اهله، ووجدت نفسها اليوم في مقام الرئاسة منه، ونحن نعرف من حكايات امهاتنا وجداتنا، ان مجتمع الغابة لا يحكمه اوليا الله الصالحين، ولا يلجم الوحوش فيه الا وحش كاسر اكثر قوة وقدرة على الافتراس منهم، واكثر شراسة وعنفا، وان الاسد لم يصبح ملك الغابة من فراغ، وانما لان له سلاحا فتاكا، يتمثل في مخالبه وانيابه، واعاهدكم عبر هذه المكاشفة الاخوية ، ان يكون التحالف الميليشياي تحت قيادتي وقيادة زملائي، هو هذا الاسد الذي يتولى فرض النظام على اهل هذه الغابة ، ان يرغمهم على احترام سلطته، والحفاظ على هيبة الحاكم وهيبة الدولة، راجيا ان يتفهم اهل القلم، دفاع ومنطق رجل من اهل الجهالة والامية والسوابق الجنائية، لكنه صادق فيما يقول ويفعل، والله ولي التوفيق.

ديبلوماسية القتل
((جعلتها قاعدة التزم بها في مقاربتي للابداع القصصي، وهي الاستغناء عن اية استهلال اومقدمات لاية قصة اكتبها، فهي لكي تكون جديرة بانتسابها لهذا اللون الادبي، بجب ان تحمل بين عناصرها ومكوناتها ما يغني الكاتب عن مثل هذه المقدمات ، ولكنني ساقوم بخرق لهذه القاعدة، لحقيقة الجريمة البشعة التي حصلت امام اعين الناس وعلى مراى من الراي العام العربي والدولي، دون ان يعرف الناس ان وراءها مدبرا، عرفت انا حقيقة ارتكابه للجريمة، دون ان استطيع، ان اقدم دليلا يدين المجرم، ولا سبيل الا الابداع الادبي لكشف الجريمة، بما يمكن ان يقوله بلغة الفن عن بشاعتها، وقدرته على الكشف وهتك الاسرار ، واضاءة ما حدث خلف كواليس الرعب والاجرام، واعتمل في قلب عامر بالظلام، وهو وان كان لا يصلح دليلا في المحاكم وامام منصات القضاء، فانه بالتاكيد ستيقى شهادة لا تبلى ولا يسقط مفعولها بتقادم السنين، ماثلة على الدوام امام محكمة الضمير الانساني.
واقول بان ما اردت اثباته في هذه القصة ليس الواقعة التي حصلت، لانها بالتاكيد واحدة من عشرات الحوادث ذات الطبيعة الاجرامية التي تتشابه وتنسخ من بعضها البعض، وانما ما تعنيه الحادثة ، وما تحمله من رمزية، وما تمثله من روح الشر الذي يستهدف الابرياء في سبيل غرض دنيوي تافه، ان الدلالة تعنيني هنا قبل الواقعة، التي اظهر من خلالها ما يمكن ان يصل اليه الضعف البشري ورذيلة الطمع، من درك اسفل في السلوك ، وسقوط مروع، تنتج عنه ابشع الجرائم واكثرها قبحا وانحطاطا. وهي قصة اقتبستها من سنوات خدمتي في المجال الديبلوماسي، وهو مجال بقدر ما التقيت فيه باناس من اهل المعرفة والعلم والفضيلة ، قابلت فيه اهل خسة ودناءة وانحطاط، وهو مجال يتعامل اهله بلغة الاقنعة، ويكثر فيه الزيف، والمظاهر الكاذبة ، فالبشر في هذا المجال لا يتصرفون بطبيعتهم وبدافع من قناعاتهم ، وانما بما تفرضه عليهم طبيعة العمل، كونهم ممثلين( ربما بالمعني الحرفي والمجازي) لجهات اعلى ، ومبعوثين من اشخاص يتكلمون بالانابة عنهم وليس بالاصالة عن انفسهم، مما يجعلهم اصداء وابواقا لاصوات اسيادهم. من هنا ياتي هذا التعامل الذي تضيع فيه الصدق ويكثر فيه استخدام الاقنعة والوجوه المستعارة والحناجر المستعارة. وقد تضيق هذه الهوة بين الدبلوماسي ، وبين دولته، عندما يكون مبعوثا من دولة ديمقراطية، لانه غالبا ما يكون قادما من سياق اخر غير السياق الذي جاء عبره، اهل الدول التي تغيب فيها الديمقراطية ويحكمها طاغية او جماعة انقلاب عسكري، فعبر السياق الديمقراطي ياتي سفراء وياتي قائمون بالاعمال منسجمون مع انفسهم ويمثلون تيارا حاكما ينتمون اليه بقناعاتهم ويعبرون عنه بصدق لانه حزبهم اوتيارهم وعندما يتبني هذا الحزب او هذا التيار اتجاها او يتخذ قرارا فهو قرار يحمل راي الحزب الذي ينتمي اليه السفير فيتحدث عنه ويتبناه ويتصدى للرد على من يريد استفسارا او يتفوه بنقد ضده، عن قناعة وايمان في الاغلب الاعم، اما اهل انظمة القهر والاجرام والفساد، فمحنة الديبلوماسي الممثل لهم انه لابد ان يدافع عن اجرامهم وقبح افعالهم وتصدر اليه تعليمات تتعارض مع المنطق واللياقة عليه ان يتبناها ويقولها ويدافع عنها كانه حقا يؤمن بها، وصاحب هذه الواقعة التي تجسد فيها السلوك الاجرامي في اقصى حدوده، لم يكن دافعها تنفيذا لسياسة مجنونة ولا خنوعا وطاعة لتعليمات وصلت اليه ولكنه كان طمعا وتزيدا ورغبة في تقديم خدمة اجرامية لنظام فاسد مجرم لكي يزكي نفسه لديه ويفوز برضا صاحب النظام السيد العقيد المعروف باختلاله العقلي ))
كان السفير صاحب الجريمة، سفير ليبي اعرفه، والنظام الذي اراد خدمته بل خداعه هو النظام الليبي ، وما حدث ان هذا السفير الذي جاء يمثل بلاده في دولة عربية، كان وزيرا مع العقيد ، او كما يسميه القاموس الجماهيرى امينا لاحدى امانات السيادة، وكان هذا الامين يتمتع بحظوة لدى قائده لما كان يبديه من خنوع يصل الى لعق يدي العقيد تقبيلا رخيصا مخزيا، وتمجيده تمجيدا يصل الى حد المدائح النبوية او التسابيح الالهية نازعا عن العقيد صفته البشريه مانحا اياه ثوب اله من المؤلهين في العصور الوثنية، وكان على ثقة بان هذه الافعال التي تجاوزت السقف نفاقا لرئيسه واذلالا لنفسه سوف توصله الى منصب اعلى من منصب الامين ، فهدفه ومناه هو ان يكون رئيسا للوزراء، او امينا للجنة الشعبية العامة ، واعلى رتبة في جهازالدولة التنفيذي لان شراهته للسلطة والمنصب لا تعادلها الا شراهته لجمع الاموال وتكويمها في حسابات باسماء اشقائه وابنائه وبناته خوف ان يطاله في لحظة غضب العزل من منصبه ويليه بعد ذلك انتزاع امواله من بين ايديه ، فكان يحمي نفسه بالمبالغة في التزلف والتملق ، وكان يقول للدائرة القريبة منه انه لن ينتقل من منصب الامين الا الى منصب امين الامناء اي رئيس الوزراء، ولكن جاءت تعليمات العقيد بما يناقض امانيه ، فقد وجد في جلسة لما يسمى مؤتمر الشعب العام ، الثقة تطرح في الحكومة التي هو عضو فيها ، ويتقرر استبدالها بحكومة او لجنة شعبية جديدة، بعناصر جديدة، دون ان يكون هو في هذا التشكيل لا امينا لامانة سيادية ولا في غيرها من امانات اسفل السلم ، ورجع حزينا خوف ان يعني هذا العزل غضب العقيد الذي قد يتبعه انتقام وملاحقة وربما محاكمة وسجن، الا ان العقيد استدعاه ليقول له انه يدخرة لمهمة خاصة ، هي ان يكون سفيره في الدولة العربية الفلانية، وهي تحتاج الى سفير من نوع خاص ، يفهم مثله دخائل النظام الثوري الليبي واسراره، وباعتباره من اهل الثقة ورجال الخيمة كما يسميهم الراي العام، فانه يعرف ان هناك علاقات على السطج هادئة هانئة تعطي معنى الصداقة والصمود والتصدي والاصطفاف في خندق واحد ضد الاستعمار والامبريالية والرجعية ، ولكن في حقيقة الامر فانه لا وجود لصداقة ولا اصطفاف ولا اشتراك في اي شيء غير الحقد المتبادل والعمل على ان يطيح كل نظام بالاخر والتآمر عليه ما استطاع الى ذلك سبيلا ، وتقويضه باية وسيلة من الوسائل ، وعبر له العقيد عن ثقته في انه اختاره لهذه المهمة بسبب جدارته وكفاءته وثقته بانه رجل المهمات الصعبة ويقينه بمنتهى الولاء والاخلاص لثورة الفاتح وقائدها، طالبا منه الا يتوانى لحظة واحدة، على احداث ما يستطيع من مشاكل لحاكم ذلك القطر، وانزال اقصى ما يمكنه من عوامل الايذاء والتنكيل بنظامه، واشعال الفتن وزرع الفوضى والاضطراب، لكي يعرف ثمن جريمته عندما حاول زرع خلية سرية تتبع حزبه في ليبيا، بهدف تقويض النظام الجماهيري واستبداله بحزب فاشي يتبع قيادته، ويدرك مدى ما تستطيع ان تفعله الثورة الليبية بخصومها الذين يتظاهرون بالصداقة الكاذبة وهم يخبئون الخناجر خلف اظهرهم، وخر ج الرجل من خيمة العقيد معافي من المرض الذي الم به لحظة عزله من منصبه الوزاري، واتضح له ان العزل لم يكن يحمل الا مزيدا من الثقة ومزيدا من اعزاز القائد له واعتزازه به ، وانها مهمة ثورية ، نضالية تحتاج الدهاء وذكاء ولهذا عهد بها العقيد اليه ، ولاشك ان المكفاءة ستكون اعظم واكثر رقيا عندما ينتهي منها ويعود الى بلاده، ليستلم تلك الوظيفة التي ينتظرها والتي لم تخلق لسواه وهي امين اللجنة الشعبية العامة .
ولم تكن الدولة التي وصل اليها لادارة السفارة اللييية فيها، او مكتب الاخوة ، كما يسميها القاموس الجماهيري ، قاموس الخبل والجنون، اقل من ليبيا عسفا وقهرا واستبدادا وطغيانا، بل اكثر في كفاءة وانضباط وقوة الاجهزة الامنية، وباعتبار هذه الاجهزة على علم بقوة الصلة التي تجمع السفير الجديد برئيسه، وما يمكن ان يكون قد حمله من مخططات الرئيس الليبي الاجرامية، التي اوكل اليه تنفيذها باعتبارها اخد اخلص واقرب عناصر الدولة اليه، ولهذا فقد تمت محاصرته الى حد يصعب ان يتحرك من خلاله للقيام باي عمل تخريبي فانفاسه معدودة عليه ، وتحركاته مرصودة، وكان كل من يتصل به من اهل البلاد العاديين يجد نفسه مطلوبا للحضور الى احدى المقرات الامنية لتقديم تقرير عن سبب اتصاله بالسفير الليبي، الامر الذي جعل الناس مسئولين وغير مسئولين يتجنبون اي اتصال او صلة بالسفير والسفارة الليبية ، ووجد الرجل نفسه معزولا ، لا سبيل للاتصال باحد من اهل البلاد يستطيع ان يتعامل معه باي شيء يكون موضع تقرير يفرح رئيسه العقيد، ويريه انه يعمل بما يريده في تقويض النظام الحاكم واثارة الفتن ضده وتحريك الشارع للثورة عليه، وحدث اكثر من مرة ان سافر الى ليييا ووجد نفسه يتلقى اسئلة العقيد عما استطاع انجازه في المهمة التي اوفده من اجلها، فكان يطلب فقط وقتا ومهلة لان الامر ليس سهلا ويحتاج الى تخطيط وتدبير بروية وحكمة لكي ياتي العمل متكاملا ويحقق النتائج المرجوة منه في زعزعة نظام الحكم .
وتكررت هذه الرحلة وتكررت اسئلة العقيد التي لا يملك السفير، اية اجابة عليها غير اللعب على الوقت، وطلب المهلة لانجاز المهمة، وراي بعد فترة من الوقت انه لابد ان يعمل شيئا لا لكي يزعزع به امن هذا النظام الذي يكرهه العقيد، وانما لكي يرضي به رئيسه حتى لو كان كذبا وخداعا ويجلب به الطمانينة لنفسه، فقد راى العقيد في اخر زيارة له في خيمته في باب العزيزة، يتكلم معه بغضب، لم يعرف ان كان غاضبا منه، او كان غاضبا من نظيره في الدولة التي ارسله اليها، بسبب ما صار يتلقاه من صفعات وطعنات، تبدو كانها بريئة بينما هي قطرات سم يرسلها اليه، فقد اشار العقيد لرئيس فصيل فلسطيني انه عميل وخائن بعد ان شكك في اخلاص العقيد للقضية الفلسطينية ، فاذا برئيس الدولة الذي يدعي صداقتهن يستقبل قائد الفصيل الفلسطيني بحفاوة واحترام، ويفتعل له تكريما في العيد الوطني ، كانه جاء عفوا بينما هي طعنة يتوجه بها الى العقيد الذي كان يطعن في وطنية الرجل، فكيف لا يشمل غضبه هذا الرئيس كما لابد ان يشمل السفير الذي اعتمد عليه في القاء الرعب في قلب هذا الرئيس دون ان يفعل شيئا، مع انه افهمه ان خزينة الدولة الليبية ، جاهزة لتغطية تكاليف اية مؤامرة، يستطيع ان يحيكها ضد مؤسسة الرئاسة في ذلك البلد.
ووجد السفير نفسه مجبرا على تقديم شيء يرضي به سيده، ويبدد الغضب الاسود الذي يحيط به، وتفتقت عبقرية الاجرام لديه عن هذه الخطة التي اراد ان يستخدم فيها مواطنا ليبيا بريئا، ويرمي به الى التهلكة، ارضاء لطلب الرضا من رئيسه، فهو يعرف ان هناك ليببين كثر ينحدرون من هذه العائلات المجاهدة التي فرت من وجه الاستعمار الايطالي واستوطنت بلادا عربية كثيرة من بينها هذه البلاد، واختار مواطنا له صيت وحظوة في البلاد، فهو صاحب تجارة نشطة، وفاعل في التبادل التجاري بين بلاده ليبيا وهذه البلاد التي استوطن فيها اهله لعدد من العقود وشهدت مولده قبل عودة هؤلاء الاهل الي طرابس ولهم فيها نسب واهل، ووقع اختياره على ان يكون هذا الرجل ضحيته، ساعيا لاستغلال مكانته واتساع علاقاته ومحبة الناس له والثقة التي يملكها من سلطة البلاد بسبب العلاقة الطويلة مع تجارها التي تاكدت فيها امانته وحسن طويته واخلاصه في عمله وبعده عن استغلال هذا العمل في اية جوانب سياسية ، وكان اتصاله بالسفارة اتصالا تقنيا صرفا للمصادقة على شهادات واعتماد اوراق يتطلبها عمله التجاري، وكانت تحريات السفير قد اكدت له ان بين معارفه الكثر واصهاره عائلة لها ابن، صاحب رتبة كبيرة في الجيش ، وان الرجل يتردد على هؤلاء الاصهار بشكل دائم ويشاركهم وجبات الطعام، فاستدعاه السفير مرحبا به مظهرا له الود ورغبة السفارة في خدمة وتشجيع المواطنين الليبيين من اهل السمعة الطيبة في البلاد الذين كانوا احسن سفراء لبلادهم، واشار الى عائلة اصهاره والضابط الكبير الذي سمع عن خبرته وكفاءته وهو يريد ان يستاذن حكومة البلاد في ان تعيره الى ليبيا للمشاركة في تاسيس اكاديمية عسكرية جديدة، وهي مهمة قد تدوم بضعة اسابيع، ولكنه لا يريد ان يفعل قبل ان يستاذن منه ان كان راغبا في هذه المهمة التي ستعود عليه بفائدة مادية كبيرة، تذهب اليه هو باعتبار صلة المصاهرة التي تجمعه بالليبيين، افضل من ان تذهب لغيره، وكان قد اعد رسالة مقفولة، ساله ان يسلمها اليه، وابدى التاجر الليبي ترحيبه بان يقوم بهذه الوساطة ، وان يخدم بلده ويخدم عائلة اصهاره ، وانتهت المقابلة بكلمات المجاملة وسار السفير لوداع ضيفه حتى باب المكتب ، حيث كان ثلاثة من رجال امن السفارة جاهزين للذهاب خلف التاجر ورصد حركته الى ان يصل الى بيت ذلك الضابط، واخبار السفير بلحظة دخوله اليه ، والتقائه بالضابط ابن تلك العائلة، وما ان وصلته المعلومة حتى كان جاهزا للانتقال الى فندق قريب من السفارة بحجة زيارة ضيف هناك، ليستخدم هاتف الفندق، في مكالمة الى مكافحة الجوسسة ، ليقول انه فاعل خير وانه يريد منهم ضبط جلسة سرية بين عميل مخابرات ليبي وضابط من اهل البلاد ينسجان مؤامرة لتقويض النظام، واعطاهم العنوان والح على سرعة الضبط قبل فرار العميل الليبي وضياع السر.
ولم تكن اجهزة الامن المستنفرة لمثل هكذا اعمال، تنتظر الا مثل هذه المكالمة، لتتحرك في سرعة البرق ، تداهم المكان وتضبط الرجل والضابط جالسين على مائدة الطعام والرسالة التي كان التاجر قد اعطاها الى الضابط ولم يكن قد قام بفتحها مؤجلا فتحها حتى بعد الانتهاء من الطعام بعد ان اخذ علما بمحتواها من صهره التاجر ولكن المحتوى الذي ابلغه به صهره لم يكن متطابقا في كثير او قليل مع ما كان مكتوبا في الرسالة لان الرسالة كانت تتحدث عن ساعة الصفر للانقلاب الذي يتم التحضير له والعون الخارجي الذي سيكون جاهزا لدعمه لحظة انظلاق المحاولة الانقلابية ، ليجد التاجر نفسه متهما بخيانة البلد الذي فتح له ابوابه وعامله كابن من ابنائه والضابط الخائن، ولم تاخذ المحاكمه غير ثلاثة ايام لتتفجر القضية في اجهزة الاعلام في دوي كبير، عن نجاح الامن الوطني في ضبط مؤامرة طرفها الضابط الكبير والتاجر الليبي، وقد تم الحكم عليهما بالاعدام شنقا، وظهرت في الصحف والاذاعات المرئية صورة لكل منهما معلقا في المشنقة وصحيفة الاتهام فوق صدره، وكانت الاذاعات تصدح بالنشيط الوطني وتندد بالخيانة، وتبالغ في الثناء على رجال الامن ، حراس الوطن، والعيون الساهرة التي كانت تتبع خيوط الجريمة حتى استطاعت ضبط الخائنين في حالة تبلس، واصدرت السفارة الليبية، بيانا تنفي فيه عن نفسها صلتها بالمواطن الذي كان اداة للتامر من طرف جهة اجنبية لدق اسفين بين البلدين الشقيقين، ومحاولة افساد العلاقة القوية المتينة بينهما، وتمزيق اللحمة التي تجمعهما، والرابطة النضالية التي جعلتهما يلتقيان ويتحدان في خندق واحد ضد اعداء الامة .
كنت قد زرت في مهمة روتينية ، العاصمة التي يعمل بها السفير الليبي، واتصلت بسفارته لاني حضرت اجتماعا للجنة تتبع الجامعة العربية ، تنعقد بشكل دوري في احدى العواصم العربية، ولابد ان ابعث بتقارير عن اللجنة الى الوزارة عن طريق السفارة، وتصادف اثناء وجودي في تلك العاصمة ان التقيت بالرجل المخدوع والمغدور، لحظة ان كان جالسا مع اصدقاء لي في مقهى الفندق الذي اقيم فيه، وكان يلهج بالثناء على السفير، وروح المودة التي استقبله بها، وسالني باعتباري قادما من طرابلس، منذ ايام قليلة، عن الاكاديمية العسكرية الجديدة، التي سيتم افتتاحها في المستقبل القريب، لان السفير يريد ترشيح ضابط من اصهاره ، للمساهمة في وضع مناهجها، فاجبته بانني بعيد عن هذه الاجواء العسكرية، وربما كان عليه الاستيضاح من السفير نفسه، فقال بانه فاجاه بالسؤال عن صهره، وترشيحه لهذه المهمة، ولم يكن قد هيأ نفسه لمثل هذا الموضوع، بالاضافة الى انه لم يكن يريد ان ياخذ كثيرا من وقت السفير المزدحم بالارتباطات والمواعيد والمشاغل، فاهمل سؤاله عن اية تفاصيل، تاركا ذلك للضابط الصديق نفسه ان يسال السفير عندما يحين الوقت، اذا وافق على قبول المهمة.
كان هذا اللقاء العابر بالرجل الليبي المدموغ بالمشاركة في المؤامرة ، مناسبة لان اعرف صدق ما كان يردده الاصحاب الذين لقيته في صحبتهم وهم يتحدثون عن نقاء وطيبة الحاج كما يسمونه ويؤكدون ان في الامر خطأ مأساويا لانه لا يمكن اطلاقا ان تكون له علاقة بمثل هذا النوع من التامر ولا يعرفون له اتصالا بالاجهزة الامنية فالله اغناه عن مغبة ان يسترزق من هذا الطريق، ويبدون شديد الاستغراب والتعجب مما حصل.
لم يكن يشرفني ان اعرف السفير الذي ارتكب هذه الجريمة، بسبب ما يستقطبه سلوكه العام من مقت الناس واشمئزازهم، وكان يمكن لبشاعة الجريمة التي ارتكبها ان تجعلني انكر نكرانا كاملا معرفتي به، ولكنني للاسف الشديد كنت مرغما للالتقاء به ، لان مفترق طرق ، تفرضه المهنة ، والعمل في مجال واحد ، هو السبب، الذي جمعني معه في لجنة طالت مدة عملها، موكول اليها رسم هيكلية لامانة الخارجية كما يسميها القاموس الجماهيري، وكلما رسمت واحدة عادت اليها للتعديل واعادة الهيكلة، وهي لجنة التقيت به فيها قبل واثناء وبعد مهمته التي ارتكب فيها جريمته. وربما لم اكن اعرف عندما تعرفت عليه لاول مرة، انه كان يملك مثل هذا القلب المليء بالسواد ، ونفسية ذات ميول اجرامية يمكن حقا ان تدبر عملا اجراميا مثقلا بكل هذه الخسة، وكنت اظنه على اسوأ الفروض مجرد واحد من الانتهازيين الارزقيين الذين افرزتهم المرحلة فلا يبالون باذلال انفسهم واهانتها من اجل تحقيق كسب ومنفعة شخصية، وكانت الجريمة مفاجأة لي، اكدت لي ان السقوط غالبا ما يقود الى سقوط اكبر واكثر بشاعة الى الحد الذي تختفي فيه كل الروادع التي تمنع هذا الساقط من ارتكاب اي جريمة مهما كانت مهولة مرعبة كجريمة هذا الرجل، الذي لا ادري ان كنت اشكر الظروف او اشتمها لانها وضعتني في موضع استطيع ان اتاكد من انه هو فاعلها، بسبب انها منحتني احساسا بالاثم يصاحبه احساس بالعجز لانني لا استطيع ان افعل شيئا ازاء هذه القناعة بارتكابه الجريمة ولا املك دليلا ملموسا تعترف به المحاكم لاستخدامه ضده.
ولم يكن ثمة احد اكثر سعادة من السفير الوزير وهويتلقى بيانا من خارجية البلاد باعتباره شخصية غير مرغوب فيها، ويعطى مهلة اسبوع للمغادرة، ليذهب لاستقبال حافل يعده له العقيد ، فها قد اثبت انه حقق اختراقا، خارقا للعادة، لصفوف جيش الدولة، واعد لانقلاب ارعب الجالس فوق كرسي الحكم ، ومهما كان من امر اكتشاف الانقلاب قبل وقوعه، وكشف رئيسه الضابط الذي كان جاهزا للانقضاض على الحاكم ، فان ما يريده العقيد من سفيره، قد حصل، فقد ادرك رئيس تلك الدولة ان العقيد هو مشعل الحرائق، وهو صانع الملوك والمقوض لعروشهم ، واذا كانت قد سلمت الجره هذه المرة، فقد لا تسلم في المرة قادمة.
لقد تاكد لدى العقيد الليبي، ان حكمته في اختيار هذا الرجل، لهذه المهمة، كان اختيارا عبقريا، ولم يتردد في ان يعده بان ما بصبوا اليه من رئاسة اللجنة الشعبيةالعامة لن بتاخرعنه كثيرا، ففي اول اجتماع قادم لمؤتمر الشعب العام سوف تتم الاطاحة باللجنة الحالية وتكليفه هو برئاسة اللجنة الجديدة، وعاد هو سعيدا الى بيته، يبشر اهل البيت بانه سيصبح هو رئيس الجهاز التنفيذي بدعم كبير من العقيد، يجعله قادرا، ودون حرج ولا خوف، من ان يشرك العائلة واقارب العائلة في ادارةالبلاد وتسخير منافعها لصالحهم ، دون ان يهتز له جفن لمصير عائلتين انتكبتا ورجلين برئيين ارسلهما الى المشنقة ، من اجل اكذوبة تجلب له منصبا، لم يفز به في النهاية ، فقد بقى ينتظر اجتماع مؤتمر الشعب الا ان هذا المؤتمر الالعوبة، لم يجتمع، ولن يجتمع ابدا، فقد جاء سيل الثورة يجتاح ذلك العهد الانقلابي بكل هياكله ومؤتمراته ولجانه العامة والخاصة، كما اجتاح سيل الثورة رئيسه العقيد ، في ماسورة المجاري، حيث قبض عليه الثوار واسرعوا بارساله الى الحلقة السابعة من الجحيم ليستقر فيها بعقده النفسية وسجله الاجرامي وعقله المختل
بينما تسلل السفير هاربا الى بلد مجاور، ينتظر في رعب ان تقتحم شرطة ذلك البلد، باب البيت الذي يسكن فيه وتقوم بتسليمه الى سلطات القضاء الليبي استجابة لمذكرة قبض عليه ارسلها النائب العام في حكومة العهد جديد، لكي يمثل امام المحكمة التي سوف تحاسبه على جرائم جنائية ومالية قام بها ابان عمله وزيرا في حكومة الانقلاب.

فتي من فشلوم
اسمه سعد
قضى صديقي الصغير سعد، وهو في مقتبل العمر، لا يزيد عمره عند وفاته عن اثنين وعشرين عاما، وتبدأ محنة سعيد، التي تهون امامها محن اخرى، منذ التحاقه بمدرسة فشلوم الثانوية وهو في السادسة عشرة من عمره، فقد اجتاز بسلاسة وتفوق سنوات المرحلة الابتدائية الست ، وسنوات المرحلة الاعدادية الثلاث، ووصل دون تأخير الى دخول المرحلة الثانوية، وتوافق وصوله مع اشتداد القبضة الامنية والعسكرية على مراحل التعليم المختلفة ، بدءا بمدير مدرسة ، قوي الصلة بالسلطات الامنية في المنطقة، محتميا بها في ارتكاب جرائم ضد الطلاب تمر دون محاسبة، بسبب ما يمارسه من عنف يعبر عن شخصيته السادية السايكوباتية، ويفتخر بانه يعلق على جدار خلف مكتبه هراوة من تلك التي تستعملها شرطة مكافحة الشغب، وسوطا كذلك الذي يحمله الحوذي الذي يقود عربة تجرها الاحصنة، واخشاب الفلقة التي تستخدم عادة في المدارس القرآنية، ليعطي لنفسه حرية اختيار العقاب الذي ينزله بالطالب عندما يصل اليه لينال عقابا على مخالفة ارتكبها ، وهو يبدأ مع كل طالب بعقاب يتدرج من مراحل العقاب الاولية التي يراها بسيطة وسهلة الى تلك التي تكون اكثر الما وقسوة، فهو يبدأ مع عقاب الطالب اذا جاءه في مخالفة بسيطة ولاول مرة بعقاب المسطرة يضربه بها على يده وجها وظهرا، فاذا عاد اليه نفس التلميذ بنفس المخالفة تدرج في العقاب الى ايقافه في الشمس على قدم واحدة لمدة ساعة ، واذا كانت المخالف اكبر بدأ في استعمال ادوات الردع الكبرة التي تتدج من ضرب الهراوة الى السوط حتى يدمى ظهر التلميذ او الفلقة حتى تدمى قدماه. وهي عقوبات تفلح في منع التلاميذ من ارتكاب المخالفات، ولكنها اجبرتهم على ان يتآلفوا معها، ويهيئوا انفسهم على احتمالها، ظنا منهم ان هذا هو الاسلوب التربوي الصحيح ، لانه عقاب لا يجد معارضة من الاهل ، وهم غالبا اباء وامهات اميون واميات، مازالوا يتناقلون امثالا شعبية مثل عصا المعلم من الجنة ويعيدونها على مسامح ابنائهم ، وعندما ياتي التلميذ باكيا ساخطا دامي الظهر او القدم فانهم يلومونه هو ولا يلومون المدير المريض الذي قام بهذا الاجرام في حق ابنائهم ، ومناسبات قليلة هي تلك التي فر فيها تلاميذ من المدرسة هروبا نهائيا لا عودة بعده، وهو امر حصل مع عدد قليل من التلاميذ لان الهارب عادة ما يجد اسرة تتحد ضد هروبه وترغمه على العودة وتحمل المعاملة القاسية التي يلقاها في المدرسة . من سوء حظ سعد وزملائه ، انه في منتصف العام الاول من وجوده في هذه الثانوية ، صدر قرار تحويل المدارس الثانوية الى ثكنات عسكرية ، وصار الزي المعتمد لتلاميذ هذه المرحلة هو الزي العسكري الكاكي الموحد، وصارت حصص الدروس العسكرية هي اولى ما يتلقاه التلميذ من حصص في جدول الدراسة اليومي، بمعدل حصتين كل صباح، وجاء طاقم التدريب من عساكر وضباط صف وجاء المسئول العسكري لكل ثانوية برتبة ضابط ملازم فما فوق ، وهنا دخلت المعاملة القاسية التي يتلقاها التلاميذ في مدرسة فشلوم الثانوية، مرحلة جديدة، وربما يصدق القول ان المعاملة القاسية في كل ثانويات الجماهرية العظمى، كما كان رئيس النظام قد اطلق على دولته، هذه المرحلة ، وحملت كلها الاسم الجديد الثكنة بدل المدرسة الثانوية، وبدأ تطبيق العقوبات العسكرية واساليب التذنيب التي عادة ما تطبق على متدربي الجيش ومستجديه، الوقوف ساعات تحت شمس الظهيرة ، الزحف فوق الاسفلت على الركب، ان تمضى متدحرجا عبر الساحة، بل ان التدريب نفسه ليس الا تذنيبا وتعذيبا فهو يبدأ بطابور الصباح، والنشيد وتحية العلم ، وسماع تلعليمات الضابط عن الاوامر والضبط والربط وكيف انه العسكري اذا سمع رئيسه يقول عن شيء ابيض انهاسود ، فهو اذن اسود، ولو اشار الى شيء اسود باعتباره ابيض اللون فلابد ان يقتنع انه ابيض، ثم يبدأ التدريب على المشية العسكرية والتحية العسكرية ثم التمرينات السويدية للياقة البدنية، وتنتهي بساعة لتفكيك البندقية ومعرفة اجزاءها ، حينا وحينااخر التدريب على الرماية، الا ان اشق التدريبات هي التي تاتي في الظهيرة حيث الوقوف تحت اشعة شمس تهبط راسيا فوق الارض ويستقبلها المتدرب دون وقاء وعليه ان يهرول ويهرول ويهرول قل ان يبدأ تمارين الانبطاح لشد البطن والعضلات وتمتد الهرولة تحت الشمس الى ساعة او اكثر ويسقط بعض الطلاب اعياء ، او يحاول التخفي خلف حائط يتظل بظله، وهنا يظهر الرقبا المبثوثين في مناطق المدرسة التي يمكن ان يختيء فيهاالطالب يبدأ التذنب زحفا على الركب، وغالبا ما يكون الزحف السابق قد ادمى ركبته فياتي هذا الزحف ليجعل الركبة اكثر دما وجرحها اكثر عطبا ، وتكون النتيجة التي يصل اليها قسم كبير من الطلاب،هي الهروب، فهو هنا طالب وليس عسكريا تنطبق عليه القوانين التي تلاحقه بالقبض والمحاكمة العسكرية والسجن ، فهو حر خارج المدرسة، لا سلطة لاحد من عصابة التدريب في المدرسة او عصابة الادارة تصل اليه، وهكذا كان الفاقد كبيرا في تلك المدرسة ، ربما باكثر من غيرها للطبيعة الساديةالتي يمارس بها اهل الادراة والتدريب العسكري عملهم ،وكان سعد ضمن هؤلاء الطلاب الذين قالوا وداعا للدراسة ، ولم تنفع معه كل محاولات الاهل لاعادته اليها، وقد راى الاهل ما كان يحصل لقدميه وركبتيه من تورم ، فلم يكن ممكنا تجاهل الشكوى والظلم الذي يقول به ابنهم، كما انه لم يكن حالة متفردة بين ابناء فشلوم ، بلك كان فردا من عشرات الهاربين من المدرسة ، ولم يكن ترك المدرسة يعني الذهاب الى مدرسة اخرى فلا وجود لمدارس خاصة حتى لو دبر الاهل مالا لدفع مصاريفها ، كما لم تكن ثمة افاق مفتوحة للعمل امام ابناء هذه المرحلة العمرية ، فالبطالة تطال كبارا يعولو اسرا ، فمن سينتبه لصبي تحت سن البلوغ، ترك الدراسة ، ولا يملك مؤهلا ولا حرفة، ولهذا فقد كان الوقوف على راس الشارع من ابناء الشارع الهاربين مثله من المدرسة الثانوية، هو ما ينتظره كل يوم، وقد يحدث ان ياتي احدهم بكرة قدم يلعبونها ، الا ان الوقوع في براثن العاب اخرى اكثر خطرا كان ايضا واردأ ، مثل ان يحصل احدهم على بعض حبوب الهلوسة ، او اكثر من ذلك قطعة حشيش او بانجو، تكون وسيلة للحصول على لحظة هروب من حياة التوتر والتازم وضجر البطالة والفراغ، التي يمكن ان يعانيها امثالهم من الصبيان، ولم يكن غريبا ان تاتي شرطة المنطقة تضع مجموعة منهم في صندوق البوكس، للتحقيق ومعرفة مصدر مثل هذه الاصناف من الكيف ، ويذهب الاهل يبحثون عن الوساطات ، ويستعطفون افراد الشرطة وضباطها حتى يتحقق لهم اطلاق سراح الصبي ، احيانا بضمان احد كبار العائلة انه لن يعود لتناول المذهبات للعقل، ثم حصل في سنوات تالية ان تغير اسلوب المعاملة ، ودخلت السياسة العليا للدولة لتضع خطة، للتعامل مع امثال هؤلاء الشباب، وشاع في طرابلس الحديث عن نوع من السجن او المعتقل ، خارج اطار كل ما تعرفه البلاد من معتقلات وسجون، اقيم على عجل، فيما سمى هناجر تاجوراء او كما يقول التعبير الشعبي مستعيرا كلمة ايطالية “كابالوني تاجوراء” واكتسبت هذه الهناجر سمعة سيئة باعتبارها مكانا لممارسة الاهانة ضد البشرن وارتكاب جرائم التعذيب لاناس لم تتبع ادنى الاساليب القانونية في حجزهم وعقابهم ، ولا نجاة لاحد كبيرا كان اوصغيرا ، كريما او ضيعا ، صاحب ثراء او جاه ، اوصاحب فقر مرض، من اخذ حصته من المهانة والعذاب في هذه الهناجر، المهم ان يصدر ضده الامر ، من صاحب الامر، وهو فيما يبدي يختفي وراء طبقة من الضباب مثل رؤساء المافيا الذين لا احد يعرفهم، ولكن الجميع لا يتحركون الا باوامرهم، لانه لا وجود لاية قاعدة او مسطرة او اثم من الاثام في الوصول الى هذه الهناجر، ويبدو ان جزءا من سياسة هذه الهناجر، هي خلط الاوراق، فالبريء يمكن ان يمضي بجريرة المذنب، والشيخ الذي يمكن ان يستقطب العطف ، يمكن ان تختفي جريمة القبض عليه وتعذيبه تحت غطاء اهل الصحة والشباب، حتى الحدث الصغير الذي يحميه القانون في كل العالم من السجن ، يمكن ان يجد صاحب هناجر تاجوراء بابا يدخله منه ، دون اثارة مشاكل من الجمعيات التي تعتني بالاطفال والاحداث، المهم ان فتانا الصغير، ولم يصل بعد سن العشرين، كان جاء سوء طالعه ان سيارة البوكس التي عادة ما تنتهي به في سجن احتياطي من سجن مراكز الشرطة مثل سجن الاوسط بغرف سجنه الكثيرة ، اتجهت به هذه المرة الى كاباللوني تاجوراء، ليكون واحدا من ذلك الخليط الذي يضم تجارا كبارا ، وسياسيين من اهل المعارضة ، وربما ضباط متمردين من قيادات الجيش ، غير اعضاء العصابات واصحاب الجرائم الجنائية . كانت ام سعد وهي قريبة من قريباتي ، تستعين بي احيانا عند القبض على ابنها في تلك الحملات من حملات التحري ، فاسعى مع اخرين تكون هم ايضا قد ذهبت تستنجد بهم وتنجح التظاهرة التي نقوم بها في اطلاق سراحه ، هذه المرة كنت كنت خارج البلاد عندما تم القبض على سعد، وغبت بضعة اشهر ، لاعرف ان مساعي امها مع الجميع ذهبت هباء، لان كاباللوني تاجوراء يخصع ايضا لاساليب في القبض على الناس والافراج عليهم غير تلك المعروفة في مراكز الشرطة ، اوتلك التي تعتمدها المحاكم بما لديها من وكلاء نيابة ومحاكم وقضاة واهل محاماة واحكام تخض للنقض والاستئناف ، فهنا لا قضاة جئولا محاكم ولا نقض ولا استئناف، وانما ارادة خفية مجهولة ، اشبه بالقضاء والقدر، هي التي تقبض وهي التي تقتل او تطلق سراح المتهم او تبقيه خلف الشمس بلا نهاية .

المهم ان سعد لم يبق في كابوللوني تاجوراء غير سبعة اشهر، وخرج ضمن من خرجوا ، عائدا الى بيته، ولكن احدا لم يسمع الزعاريد تتصاعد من فم امه كلما اطل عليها ابنها ، ولم تخرج على الجيران توزع المشروب وقطع المرطبات كالعادة ، وانما بقيت في بيتها تستقبل ابنها بالبكاء ، لانها رات هذه المرة شيئا في ابنها اصابها بالاسى والالم، وحدث بعد ايام من خروجه ان التقيت في احدى المناسبات العائلية بسعد، وكانت مفاجاة كبيرة لي ، ان ارى هذا الفتي الصغير ، الذي راقبته وهو ينمو منذ ان كان طفلا، وقد بلغ هذه السن ، اي العشرن من عمره ، وكنت ايضا رايته قبل ايام من اخذه الى كابوللوني تاجوراء، كان طبيعيا، كماكان داءما ، له شعر فاحم السواد ، يحب ان بتركه كعادة الشباب في تلك الفترة ، كاسكو ، كما يقول ، كثير النتوءات والتجاعيد، وفوجئت بهذا الشعر، ومازال على حالته الكاسكو ، كثير النتوءات والتجاعيد ، ولكن سواده الفاحم تحول الى بياض الثلج، هذا ما كان امرا غريبا جدا، كيف يمكن لانسان ان يحدث لشعره هذا التحول ، من السواد الى البياض، وان يشتعل شيبا في مدة لم تكن تزيد على سبعة اشهر، نعرف ان الشيب صيرورة ، تقتضى ستين وسبعين وتمانين عاما ، ينتقل فيها الشعر من حالته الداكنة السواد ، الى حالة البياض الذي يشمل كل شعرة من شعرات الراس، نعم امر عجيب ، ولكن وراءه بالتاكيد قصة اكثر عجبا ، لم اكن احمل اذني درجة من الشك ان الفتي راى خلال هذه الاشهر السبعة اهوالا والاما فوق طاقة البشر، من ذلك النوع الذي تصفها اقوال العرب القدماء، بانه يشيب لهولها الولدان، وهو تعبير كنت اظنه تعبيرا رمزيا مجازيا، الا انه الان يتجسد حقيقة عينية ماثلة امامي بلا رمز ولا مجاز، لقد شاب الفتي فعلا لهول ما رآه ، وكان لابد ان آخذه على جنب لاساله ان نلتقى على انفراد لقاء بوح ومكاشفة، فهو بعرف انه ليس هناك بيني وبين النظام اي ود، ولابد ان في قلبه من الالام ما يحب ان يسردها امامي واثقا انني ان لم اكن استطيع عونه ومساعدته فلن اضيف عبئا الى اعبائه، ولابد ان سعدا كان ينتظر مثل هذه الدعوة او ينتظر فرصة يبوح لي بمكنون قلبه ، فافرحه هذا العرض الذي تلقاه مني ، ووجد ان اكثر الاماكن امانا لمثل هذا الحديث ان يزورني في بيتي ، حيث يمكن ان يتحدث على راحته معي دون خوف من امكانية ان تكون ثمة عين ترقب او عدسة ترصد او جهاز تسجيل يلتقط ، لانه كما قال لي على عجل ان التحذيرات التي ودعوهم بها لحظة الخروج انه لا يريدون لنا ان نتفوه في الخارج بنامة عما يحدث داخل الكابوللوني ، والا فان الجزاء هذه المرة سيكون الاعدام.

قاتل اسمه
النقيب فوزي
كنت قد وصلت الى نيامي عاصمة النيجر، لاستلم وظيفة قائم باعمال السفارة الليبية ، بسبب انتهاء خدمة رئيس البعثة السابق، وكانت البعثة هناك بعثة صغيرة لا يزيد عدد الديبلوماسيين فيها عن خمسة اشخاص، غيررئيس البعثة، وفعلا جرى بيني وبينه استلام وتسلم، وتوقيع على قوائم الجرد التي قام بها المسئول الاداري، وحان وقت ان اتعرف على اعضاء البعثة، ولم اكن قد التقيت بغير اثنين منهم، هما المسئول الاداري والمسئول المالي ، وجاء بقية مسئولي الاقسام وهم القنصلي والسياسي وثالث خاص بالتجارة والتعاون الثنائي، ليتولى القائم بالاعمال تقديمهم لي، ولا ادري لماذا سرت في جسمي رجفة لحظة ان قدم لي المسئول القنصلي ، قائلا ان اسمه الحاج فوزي ، ولم يقل لي انه ينتمي الى جهاز الامن الخارجي ، فقد صار هذا الامر معروفا ضمنيا بالنسبة لاي مسئول قنصلي، ولم تنفع الابتسامة العريضة التي رسمها الرجل على وجهه ، ولا حرارة المصافحة في ان تبعد عني هذه الارتجافة، التي اقلقتني وجعلتني، اعاود النظر اليه اكثر من مرة، لارى ان كان قد عنى لي شيئا في سالف الايام، كان في منتصف الخمسينيات من عمره ، اشتعل شعر رأسه شيبا، وله شارب كثيف بدا اكثر بياضا من شعر الرأس، ومع ذلك فقد احسست ان هذا القناع الفضي، الذي اعطاه له الشيب، يخفي شخصية انسان اعرفه في زمن مضى، وصار همي حتى بعد ان انتهي الاجتماع، وعدت الى اقامتي الفندقية، ان افتش في ذاكرتي عن حقيقة هذا الرجل، وكان امامي ثلاث نقاط انطلق منهما في عملية الاستقصاء والبحث عنه بين اضابير الذاكرة، لاعرف من يكون، ومتى واين وكيف عرفته، واولى هذه النقاط التي اهتدي بها اليه، هي الارتجافة التي احسست بها لحظة ان تمت المصافحة بيني وبينه، فثمة منطقة تحت طبقات الوعي ، منطقة في العقل الباطن كانت تعرفه وصنعت هذه الارتجافة، كرد فعل لتجدد اللقاء معه، وهو ما يعني ايضا انها لاقت شيئا من الاذى منه، ومع ان تفسيري المبدئي لتلك الارتجافة لحظة وقوعها، انها جاءت بسبب الارتيكيريا التي احملها لكل شيء بوليسي، الا انها كانت، كما استطيع توصيفها الان، اكثر قليلا، من مجرد ذلك الشعور الفطري التلقائي الذي يثيره في نفسي، وربما في نفوس كل امثالي من عامة الناس، ذلك التماس مع اي عضو من اعضاء الشرطة السرية ، بسبب ما صار مقرونا بهم من انتهاكات وانحرافات وقمع وتعذيب، وهذا الشيء الذي اقول عنه انه” اكثر قليلا” ، هو الذي يشير الى ان ثمة تعاملا مخبوءا في مخازن اللاوعي. اما النقطة الثانية، على طريق الاستدلال والتحري عن شخصية الرجل، فهي مهنته، اي كونه شرطيا، ولان علاقاتي باهل هذا المجال ، كانت دائما ضيقة محدودة، واحرص دائما على الابتعاد عن طريقهم ما وسعني ذلك ، فكان سهلا ان اباشر في حصر الوجوه التي التقيت بها، والاماكن التي التقيت فيها بهذه الكائنات البوليسة، علنية كانت او سرية، اما النقطة الثالثة فهي اسمه فوزي، وطبعا لم يكن يعني ان اعرف اواحفظ لقبه ، لاننا غالبا ما نعرف مثل هؤلاء النكرات باسمائهم الاولى ، كذلك لم اكن لاتوقف عن صفة الحاج فهي صفة ربما اكتسبها حديثا، لكي يغطي بها على صفات يمنحها الناس عادة لامثاله في اقسام الشرطة، اوفي السجون، مثل الكلب فوزي ، او المجرم فوزي، او الحقير فوزي، وهكذا لم يكن صعبا بعد ليلة تفكير، ان يظهر امامي الوجه الحقيقي للحاج فوزي، رئيس القسم القنصلي بالانابة، وصاحب الغطاء الفضي من وقار الشيب، وبهاء السمت الذي يعطيه له، فهو يظهر امامي الان بدون صفة الحاج ، لان الصفة التي كانت تسبق اسمه عندما عرفته هي نقيب شرف فوزي، وكان في ذلك الوقت ربما قبل عشرين عاما، اي في مطلع السبعينيات، وبالذات عام الموجة الشهيرة من رعب القبض والاعتقال على مثقفي البلاد، اثر خطبة العقيد في يوم المولد النبوي الشريف، التي اشتهرت باسم النقاط الخمس، واولها، كما قال في خطاب الهلوسات الجنونية الاجرامية ذاك، تعطيل القوانين، حيث كنت واحدا ممن طرق زوار الفجر بابهم، وشاء سوء حظي، ان يأخذونني مع زمرة قليلة من المساجين، الى مركز قريب من بيتي، وهو المركز الاوسط، حيث كان نقيب شرف فوزي، هو المسئول عن التعذيب في هذا المركز. وهو سجن احتياطي ، تمهيدا لترحيلنا الى المعتقل الذي تم فيه تجميع ثلاثمائة سجين من سجناء الراي، هو سجن بورتا بينيتو، او الحصان الاسود ، كما كانوا يسمونه، وليس المهم الان اسباب هذا القبض الذي لم يكن له اي سبب الا وجود حاكم يريد استعراض عضلاته، واختبار سلطاته، وانه قادر على ان يحبس من يشاء، ويطلق سراحه، متى يشاء، وكان هناك امر بالا يتحفظ اهل الشرطة في اهانة هؤلاء الناس، فهم طبقة يحقد عليها رئيس الانقلاب ، فقد كانوا ينشرون كتبهم، وتتلألا فوق الصحف اسماؤهم، في حين كان هو يعاني الالم والاسى، لانه لا يجد من ينشر له كتابا، دار به بين دور النشر حتى اذاب حذاءه العسكري، دون ان يجد، ناشرا، واجهد ذلك الملازم نفسه ، قبل ان يقوم بانقلابه ، بكتابة المقالات وارسالها الى صحف لا تنشرها ، فوصل الى السلطة، وعبر عن حقده المدفون ضد هؤلاء الكتاب بحبسهم ، والحاق الاهانة بهم ، فلم يكن القصد حقا تعذيبا ، وانما صفعة على وجه مبدع كبيرشهير، مثل الشاعر الفلاني او الناقد العلاني او رئيس التحرير المعروف بصولاته وجدولاته، تكفي لتحقيق الغرض، وهو ما حصل لاغلب المعتقلين ، منذ وصولهم الى السجون الاحتياطية في مراكز الشرطة، واستمر بعد نقلهم وحشرهم في زنازين الحصان الاسود، ومجموعة صغيرة ، ربما لان مساكنهم كانت قريبة من ذلك المركز ، لا تزيد عن ستة اوسبعة مساجين في تلك الحملة، هم من وصل الى المركز الاوسط، وطبعا لم يكد النقيب شرف فوزي ، يعرف ان هؤلاء سجناء القيادة ، كما كان يطلق على تلك الدفعة ، وان هناك تعليمات بسوء المعاملة ، حتى وجدها رخصة لاستخدام براعته في التنكيل بالسجناء ، ويبدو انه اعتبر هذه المجموعة المقبوض عليها بامر رئيس مجلس قيادة الثورة شخصيا، صيدا ثمينا يستحق، تكريما لهم، ان يتولى امرهم بنفسه، والا يشرك احدا من زملائه ومرؤوسيه في التعامل معهم،.

فكان يضعنا في صالة واسعة صفا امامه ، وياتي وهو يرتدي ما يشبه الملابس الميدانية، الصيفية ، لان الوقت كان صيفا، وفي يده سوط ، فيبدأ بالاهانات اللفظية، عن كيف نريد ان نضع رأسنا، براس سيدنا وتاج راسنا، رئيس الثورة نفسه ، فمن يكون الواحد منا غير قطعة زبالة ، وكان يقول ذلك بالفاظ سوقية، مبتذلة ، ثم يلسع الواحد منا بالسوط على وجهه، مباشرة ، ولم يكن مهما ان احدنا كان في عمر والده، وصاحب اسم كبير في المجال الادبي، شعرا وترجمة وكتابة نقدية، ولم يكن هناك تحقيق او اسئلة يريد انتزاعها، وانما اهانه وتعذيب لوجه الاهانة والتعذيب، لانه بعد استخدام السوط، يستعمل كفه صفعا، وقبضة يده لكما، ويسقط الواحد منا فوق الارض فيباشر اقسى انواع الضرب ركلا بالحذاء العسكري ، وكان برنامج الاهانة يقتضى ان نتعرى من كل ملا بسنا، لا لشيء الا ليرانا، وقد كشفنا محاشمنا امام جميع زملائنا ، ثم يبدأ جلسة الضرب باستعمال السوط، ثم صفعا ولكما وركلا وشتما وبصقا، ولم تطل الاقامة في المركز الاوسط ، لانه خلال ثلاثة ايام تم القبض على كل اللوائح المطلوبة، وتم جمعنا من شتى انحاء لييبا لنلتقي جميعا في الحصان الاسود ، حيث عرفنا ان هذا النوع من التعذيب الذي مارسه ضدنا نقيب شرف فوزي، لم يحدث لاحد من من المعتقلين غيرنا، وان الجميع تم التعامل معهم بشيء من الرفق، مقارنة بما حدث معنا ، وكانت الاهانة اليومية التي كنا نشترك جميعا في استلامها كل صباح، هي الفلقة، وخلال سبعة اشهر هي مدة سجننا ، ظلت الفلقة وجبة يومية للجميع ، وبعدها خرج كل من تم سجنهم في تلك الحملة، وعادوا الى وظائفهم واستلام ما تعطل من رواتبهم ، لان الامر لم يكن عقابا على اثم اوذنب في حق النظام او رئيس النظام، ارتكبه اي واحد منا ، كان سجنا ومهانة لمجرد التشفي من كون هؤلاء السجناء جميعا، كتابا، وقد اراد الكاتب الفاشل الذي قام بالانقلاب ان يدفع كل واحد منا ضريبة كونه كاتبا ومثقفا، وعليه ان يعرف ، منذ اليوم، ان هناك سيدا للمشهد الثقافي والسياسي والامني والعسكري ، واحد احد ، لااحد من البشر فوقه ولا احد من البشر قبله ، ولا احد من البشر يساويه مكانة او مقاما، هو السيد رئيس مجلس قيادة الثورة.

هذه حدود التجربة التي عشتها ، والمعاناة التي عانيتها على يد الحاج فوزي كما صاريسمي نفسه ، ولعلي في تلك الايام الاولي من السجن، قد اهتممت بالسؤال عنه، لانه حز في نفسي ان القى وزملائي السبعة، معاملة تختلف عن المعاملة التي لاقاها اكثر من ثلاثمائة زميل، توزعوا بين اكثر من مائة مركز شرطة ، فلم ينلهم عذابا كالذي حصل لنا ، وعندما سالت زملاء له داخل السجن ، قالوا انه مشهور بشراسته وعنفه، ولهذا تم تعيينه في مركز شرطة الاوسط ،لانه اكثر مراكز الشرطة التي يتم حجز اهل المعارضة والسياسة فيه، خلال مرحلة السجن الاحتياطي.

اعرف الان انه لا مجال لان يبقى معي في سفارة واحدة ، الا انني لم اصل الى قرار قبل ان اجمع بعض التحريات، ولان هناك تقليدا يسمح للدبلوماسي عند اول تعيينه في الخارج ،ان يعود الى بلاده بعد استلام عمله، والنظر في سكن لاهله والنظر في ترتيب اموره قبل غيابه الطويل خارج البلاد، المهم فقد رايت تاجيل اي قرار في حق الحاج فوزي ، الا بعد العودة والاستقرار في وظيفتي، واستطعت في طرابلس ان اكشف عن مزيد من مخازي هذا الرجل ، فهو صاحب اكثر حالات موت للمعارضين علي يديه، بسبب شراسته في تعذيبهم ، ولعل بعض هؤلاء المساجين ياتيه لكي يتولى تصفيته تعذيبا، فيقوم بالتنفيذ والقتل، ولكن حالات كثيرة اخرى يتولى هو قتلها تطوعا وانتقاما ورغبة في الايذاء ، فهو وباعتراف ضابط كبير في قيادة الشرطة من ابناء بلدتي ، ذهبت اليه في بيته هناك ، وقد احيل الى المعاش فكشف لي ، ان لا احد في اجهزة الشرطة لا يعرف الطبيعة الشريرة والميول الاجرامية المتأصلة في هذا الذي اقول ان اسمه الان الحاج فوزي، وعرفت ايضا انه لم يترك المركز الاوسط الا بعد ان تواترت اساليب التعذيب التي تؤدي للقتل في هذا المركز، وتحت ضغط الجمعيات الحقوقية العالمية ، واستجابة لنداءات من رؤسا دول اوروبية، راوا ان هذه التقاير تحرجهم وتمنعم من تطوير علاقتهم بالعقيد الليبي ، وافق على ان تاتي منظمة العفو الدولية للتحقيق ، وطبعا كان النقيب شرف الذي نال رتبا اعلى فيما بعد، وظل اسم النقيب شرف فوزي ، ملتصقا به ، لا يعترف له احد بسواه، على راس قائمة المتهمين بارتكاب هذا التعذيب ، وصارت حكومة الانقلاب مطالبة بمحاكمته ، حيث اجريت له محاكمة صورية ، نالها من التمديد والتمطيط ، ما جعلها تتوارى في الظل ، واصدروا ضده حكما باحالته الى وظيفة مدنية في جهاز امني سري ، ثم الحقوه بالعمل الديبلوسي في الخارج في الشئون القنصلية، وفي دول افريقية نائية ومنسية، لكي لايذكره احد، فذهب الى مالي وجاء اخيرا الى النيجر .ومسلحا بهذه المعلومات عدت لاستقر في وظيفتي ، في عاصمة النيجر، ولم يكن لرئيس البعثة كثير احتكاك بالعمل القنصلي، فتجنبت تجنبا كاملا ان التقي به او اتعامل معه ، واذا تم هذا التعامل فهو عن طريق الورق ، ويبدو انه هو ايضا تذكر ما فعله معي فلم اره اطلاقا، يسعى الى لقائي، بل تجنب اية مناسبة يمكن ان تجمع بيننا ، وكنت اثناء عودتي الى طرابلس ، اعطيت فكرة لاحد مسئولي الوزراة بانني يمكن ان اجد صعوبة في التعامل مع احد العالمين ، راجيا ان يساعدني في نقله، فوعد ان ينظر جديا في الموضوع عندما يصله خطابا رسميا مني بذلك، لكن هل هذا حقا عقاب رادع، اطلب نقله من هذه السفارة، ليذهب الى سفارة اخرى ربما تكون في دولة اكثر تقدما، وبجد فيها هناءه وراحته، ان عقوبة القتل نفسها لن تكون عادلة في حقه، لانه سيقتل مرة واحدة، بينما ضحاياه كما يقول العارفون بتاريخه عشرات الضحايا، ربما القتل ، هذا ما يجب ان اسخر منصبي في هذه البلاد لانزاله به، كعقوبة واحدة، لا توجد عقوبة سواها، تضمن قصاصا للابرياء الذين قتلهم ، واعرف انني استطيع ان اتدبر ذلك، ودون ان يشعر احد باني وراء الموضوع ، فالسفارة تتعامل مع قبائل حدودية من هذه الاثنيات ذات الجنسية المشتركة بن ليبيا والنيجر، ولدى هذه القبائل ميليشيات ممولة من ليبيا ، تساهم في تغطية النقص الليبي في حرس الحدود، وحماية البلاد من تسلل المهربين، ويمكن باعتباره مسئولا عن الشان القنصلي ،وانه عنصر امني، تدبير مهمة له في تلك المناطق الحدودية، وتكفي اشارة مني ، لزعيم هذه الميلشيا ، لتصفيته تصفية مدفوعة الثمن من خزانة السفارة. قد يكون ثمة شيء من المجازفة ، ولكنها قضية انصاف وعدل وقصاص، تستحق ان اتحمل فيها مثل هذه المجازفة. انه قرار صعب ، وصعوبته ليست في تنفيذه، ولكن في شيء اخر ،وهو اعتبار نفسي امام نفسي قاتلا، وبرغم كل ما ملك من مبررات هذا القتل، الذي سيكون مكرمة تحسب في سجل حسناتي ، فانني مع ذلك لن استطيع اعفاء نفسي من حقيقة انني قاتل . وانه ليس مهمتي اصدار حكم عليه بالاعدام، فهو شغل القاضي ، وخاضع لمصادقة المفتي ، ومن بعده رئيس الدولة، الذي يمكنه انزال العقوبة الى السجن المؤبد، ثم انها ليست مهمتى ان اقوم بالاشراف على التنفيذ، فهي مهمة مدير السجن، ومن معه من جلادين ووشرطة، وربما رجل من رجال الفقه يحضر لتلقينه الشهادتين، فكيف ، اعهد لنفسي بكل هذه المهمات، واتولى الغاء كل هذه المراجعات، وصور النقض والاستثناء في الحكم، واتحمل بمفردي اصدار كل هذه القرارات والقيام بكل عمليات التنفيذ.

نعم النقل وحده لا يجب ان يكون عقابا ، فليبق في النيجر وتحت سيطرتي، افضل من ان يذهب الى مكان اخر، واناس لا يعرفون تاريخه، قد يرتكب كارثة بسبب جهلهم بهذا التاريخ، مع احتمال انتقاله لعاصمة اكثر تقدما وراحة من نيامي ، والاكثر صوابا بدلا من هذا النقل العشوائي ، هو نقل اخر ليس عشوائيا ، وانما يتم بترتيب مع احد مسئولي الوزارة، وبينهم امين مساعد اثق في وطنيته ونقاء ضميره ، واشرح له السجل الاجرامي لهذا القاتل ، وافلاته من العقاب فيما مضى، لانه كان واحدا من كلاب الحكومة، المنفذين لجرائمها ، ولكننا طالما لا نستطيع ان ننزل به العقاب الذي يستحق ، فلا يجب ان نجعل جرائم القتل التي قام بها تتحول الى تقدير وجني للفوائد، وانني عندما اطلب نقله، ينقل باعتباره رجلا امنيا ، الى اكثر الاماكن خطورة وصعوبة ، ولتكن الصومال ، او اوغندا ، او داهومي ، وكانت هذه البلدان الافريقية الثلاثة تمر بما يشبه الحرب الاهلية في ذلك الوقت، و لليبيا بعثاث فيها، اغلب عناصرها من العسكريين، فليكن واحدا منهم الحاج فوزي، وهذا ما عقدت العزم على ترتيبه ، عند اول زيارة لي الى العاصمة الليبية.
وعندما تحققت هذه الزيارة، وجدت من هذا المسئول استجابة كريمة ، وتعاطفا حقيقيا ، متأسفا مثلي لهذا المصير الذي وصلت ليه بلادنا، بحيث يكافا القتلة بالتعيين ديلوماسيين في امانة الخارجية ، وراى انه يمكن بسهولة ان يطلب من الامين، سحبه للبقاء بالداخل، ويمكنه استخدام منظمة العفو الدولية التي شملته تحقيقاتها، وكان ضمن دائرة المتهمين بالقتل في هذه التحقيقات، ذريعة لطرده من العمل الديبلوماسي، لان الانسب عدم تلطيخ سمعة العمل الديلوماسي الليبي بمثل هذه الشخصيات المفضوحة امام المنظمات الحقوقية الدولية، فعارضته في فكرته، وافهمته بان وجوده خارج البلاد، سوف يمنعه من تحقيق ميوله الاجرامية في القتل ، لانه لن يجد الحماية التي يجدها لو عاد للعمل في واحدة من الاجهزة الامنية ، ويستطيع ان يتولى التحقيقات مع من يوقعه سوء حظهم في طريقه، ويمارس قتلهم بدم بارد، عارفا انه لن يطاله اي عقاب، ولهذا فقد تم الاتفاق ان يتم نقله الى ماقاديشيو في الصومال ، املين ان يتلقى في صدره او في راسه رصاصة طائشة، تقضي عليه ، كما حدث لاكثر من ديبلوماسي من العاملين هناك ، وهو نقل سوف يتم فور عودتي الى نيامي وارسال كتاب بطلب نقله منها الى اي مكان اخر.

وصممت بيني وبين نفسي الا ينتهي الامر بالنسبة لي عند استكمال اجراءات نقله الى البعثة الليبية في مقاديشيو، بل ساتصل برئيس تلك البعثة، وسانقل له بالتفصيل الممل، كل ما ارتكبه النقيب شرف فوزي من جرائم ، لكي ينشر عنه هذه السمعة السيئة بين زملائه ، بل يمكنه ان يسمم الابار امامه حتى لدى اوساط اخرى يمكن ان يختلط بها ، فلا امان له ، او لما يمكن ان يقوم به من اعمال اجرامية ، وليأخذ كل واحد حذره منه .

وكنت مازلت في طرابلس ، جالسا في بيتي اتابع اخر جلسات ما يسمى مؤتمر الشعب العام ، وربما اهم جلساته التي يتم فيها تسمية من يامر العقيد بتعيينهم في المناصب الكبيرة، بدءا من الامناء، وجاء دور وزير العدل والداخلية يتلو تقريره، ويقول انه تقرر تنظيم العمل بين الادارات الامنية التابعة للوزارة والمكلفة بالامن السري والعلني، الداخلي والخارجي ، وراى لضمان كفاءة العمل استحداث هيئة جماهيرية للامن الداخلي، اسوة بما سبق تاسيسه من هيئة جماهيرية للامن الخارجي ، وتابعت الجلسة حتى الجزء الاخير منها، الذي ترد فيه التعيينات، وتم تثبيت المدير السابق للهيئة الجماهيرية للامن الخارجي، والدعوة لترشيح عنصر من اهل الخبرة الامنية لتولي مدير عام الهيئة الجديدة للامن الداخلي ، وفوجئت ، بل صدمت ، وانا اسمع ذاهلا ، اسم النقيب فوزي ، الذي ظهر ان رتبته الان العقيد فوزي، ولم يقرنها احد هذه المرة بعبارة شرف، لانها تعني انه رجل بلا مؤهلات ، بدأ عمله في الشرطة بلا رتبة ، كاي نفر امي او شبه امي ، ووصل الى هذه الرتبة الكبيرة بمؤهلات اخرى غير العلوم الامنية والعسكرية، هي البلطجة والقتل والاجرام ، ليقف اليوم مرشحا لادارة اكبر جهاز للشرطة في داخل البلاد، وكانت الصدمة الاكبر هي ان يتم اختياره من بين جميع الاسماء الاخرى ، ولم اكن اعلم انه قد ترك عمله في نيامي، ووصل الى طرابلس، لانه فيما يبدو قد تم الاتصال به ، لكي يظهر جالسا على المنصة مع بقية المصعدين، وعندما قابلت الامين المساعد في الخارجية ، وكان يتابع جلسات المؤتمر ويحضر طرفا منها ، قال لي انه كان مصدوما اكثر مني ، فقد ذهب هباء ما رتباه ، لان لهؤلاء القتلة من يرعاهم ويحدب عليه في قمة جبل السلطة، وفاجاني عندما ذكرني بالسبب الذي اراد استعماله لابعاده عن العمل الديبلوماسي وهو سوء سمعته لدى منظمة العفو الدولية، فسالته عن علاقة هذا الموضوع بالمستجدات التي حصلت ، فقال ان سوء سجله مع منظمة العفو الدولية هو سبب وصول النقيب فوزي الى اعلى منصب في جهاز السلطة البوليسية، لان هناك تقريرا صدر عن المنظمة اغضب الجالس فوق هرم هذه السلطة ، وانتقاما من هذه المنظمة، واغاظة لها، وتحديا لما تكتبه عنه، وعن جماهيريته العظمى من تقارير، قرر ان يضع لها على راس هذه السلطة، رجلا خصته بالادانة، واتهمته بارتكاب جرائم القتل، لكي يقول لها، ولكل من دار في فلكها من اهل الحقوق والمبادرات الانسانية ، موتوا بغيظكم. وفي الحقيقة ، قلت للسيد الامين المساعد، بان الموت، لا يحدث بالغيظ فقط وانما ايضا بالقتل الممنهج، الذي يقع خارج العدل والقانون.

صفحة من
كتاب الجنون
(اعرف ان هذه القصة اقرب الى القصة الصحفية منها الى القصة الادبية، ورغم انها تنقل وقائع حصلت امام عين الكاتب الا انها اقرب الى قصة تنتمي الى ادب العبث والسريالية، ولعل قراء اليوم يستغربون حدوثها ولكن اكثر من ثلاثين الف مواطن ليبي حضروا هذا المشهد وكانوا في قلب الحدث، بل كانوا هم ضحاياه عندما حدث في طرابلس الملعب البلدي يوم 12/4/19830 ويمكن اعتبار طابعها العبثي السريالي غير المعوقل، سببا من اسباب انتمائها للمجال الادبي، والسبب الثاني انها تحكي ما كان مسكوتا عنه، ممنوعا من الوصول الى الراي العام ، مع ان شعبا كاملا كان ضحية ما يحدث ويعرف ويعاني ما يحدث، وقد حان لهذه الصفحة من كتاب الجنون ان يقرأها الناس، وان تبقى ماثلة في اذهانهم، وان تحظى بفرص البقاء ، مثل الاعمال الادبية، وهذا مبرر آخر لوجودها في هذا الكتاب)
من مكاني في شرفة الضيوف، في الملعب البلدي، التي يخصصون ركنا منها للصحفيين، كنت استطيع ان ارى ما يجري، خارج سور الملعب، فالمباراة تجري بين اهم اثنين من اندية الرياضة في العاصمة، هما فريق الاهلي الطرابلسي، وفريق الاتحاد، يلعبان في اطار مباريات الدوري العام، وكانت شرفات الملعب التي تتسع لثلاثين الف مترفج، مليئة الى حوافها، بجمهور الكرة، وكنت مستغرقا في متابعة التمريرات الجميلة التي يقوم بها بطل هجوم الاتحاد الذي يسمونه السهمي الاسمر، ابو منجل، يتصدي له بطل دفاع الاهلي الكابتن حميدو، يصنعان مشهدا كرويا يتجلى فيه الدهاء والمكر والمراوة، ولم انتبه الا بعد فترة من الوقت، الى حشود السيارات العسكرية ، التي تتجمع حول الملعب، بشكل يلفت النظر، وسمعت اكثر من صوت يصدر عن الجالسين في ذات الشرفة العالية ، التي تبدو منها الفضاءات المحيطة بالملعب واضحة من الجهات الاربع، يتساءل عن هذه الحشود الكثيرة من السيارات المصفحة، والشاحنات العسكرية التي تحمل الجنود، وهي تواصل قدومها، وتقف صفا وراء الآخر، متحلقة حول سور الملعب البلدي، وتضاعف عدد هذه السيارت، فالمائة الاولى صارت مائتين، ثم صارت اربعمائة ، وخمسمائة، وربما وصلت الفا، بمعني ان تنهال الى حد صار يصعب معه احصاءها، وتملأ المساحات الخالية والشوارع المحيطة بالملعب، وكنت بين فين واخرى ادس راسي في راس زميل من الجلسين في الشرفة ، اسأل عن تفسير ، فلا اجد الا نفس الحيرة والتساؤل والاندهاش الذي جعل اغلبنا يترك متابعة المباراة يتابع هذه الارتال التي تتكاثر، وصار عدد الجنود الذين يركبون هذه المصفحات والشاحنات العسكرية، يوشك ان يوازى عدد المتفرجين الذين يزحمون المدارج، فهل هي مباراة اخرى سنراها تجري بين العسكريين والمدنيين؟ هل هناك تكهنات امنية، بوجود شغب تعجز الشرطة على ان تسيطر عليه، في تصور الحكومة، فاحضرت الجيش بمعدل عسكري لكل مشاهد، اليس هذا اقرب الى سيناريو العبث منه الى عمل واقعي عقلاني، انه جيش يصلح لدخول حرب مع جيش دولةغازية وليس مع جمهور في ملعب الكرة.
الا ان ما كنا نسخر من كونه سيناريو العبث والجنون، ثم تطبيقه بحذافيره، فما ان انطلقت صفارة الحكم، تعلن نهاية المباراة، حتى انهمر هؤلاء الجنود، باعداهم المهولة، على المدرجات يتولون القبض على جمهور المباراة، ويمسك كل جندي احد المتفرجين ويقوده تحت تهديد السلاح الى ركوب احدى السيارات العسكرية، ولم يحمني ويحمي زملائي الا وجودنا في شرفة الضيوف التي تضم رسميين لهم حصانتهم وحمايتهم، ولم افهم او يفهم احد من زملائي الصحفيين شيئا عما يحدث، عدا معرفتنا جميع بان للسيد رئيس النظام افكارا معادية لانواع من الرياضات بينها كرة القدم، وتعتبر الفرجة عليها عملا معاديا للنواميس الطبيعية وغير اخلاقي ويناقض السلوك الثوري والوطني، ويعتبره اهدارا للوقت والمال والطاقة، فلعله اصدر قرارا بعقاب المتفرجين، وحملهم جميعا الى السجون، لانه لا تفسير الا هذا التفسير الجنوني ، لعمل رايناه اكثر جنونا وعبثية، يحدث امام اعيننا.
واجتاحت الملعب البلدي في طرابلس، حالة من الرعب، لانه مهما كان الهدف جنونيا عبثيا، فلم يتم التمهيد له،واعطاء الناس فكرة عنه،وشرحه في الاذاعة قبل حدوثه، ليستطيع الناس استيعابه وفهمه، حتى لو كانوا يستنكرونه ويستغربون حدوثه كما حصل مع اعمال اخرى مجنونة ارغمهم النظام على قبولها، ولذلك فقد كان شعورهم بالمفاجأة، واحساسهم بالصدمة واضحا، يعبرون عنه بالمقاومة للقبض عليهم ، والدفاع عن انفسهم ، والدخول في الاشتباك ضربا مع الجنود، واغلبهم فروا هاربين يقفزون عبر السور الى خارج الملعب، ويسقط البعض منهم مهشم العظام، وانطلقت صفارات سيارات الاسعاف وسيارات النجدة، ولعلع صوت الرصاص ، وغطت سماء الملعب سحب الدخان والغبار، التي تميز دائما ميادين المعارك والاشتباكات المسلحة، وبدات السيارات العسكرية تاخذ حمولتها من الناس وتغادر المكان، وتدريجيا صار الحصار حول الملعب يتراجع، ومع ذلك لم نستطع نحن المتواجدين في شرفة الضيافة ، الا البقاء بها، حماية لانفسنا من هذه الفوضى، فلم نغادرها خوف ان نقع ضحايا القبض علينا او نتضرر من هذه الاشتباكات والمعارك الدائرة ، والرصاص الذي ينطلق في الهواء، واقتضى الامر البقاء ساعة وساعتين وربما اكثر قليلا، حتى صار ممكنا ان نغادر المكان في أمان، لانه لم يبق الا بعض الهاربين من افراد الجمهوري، ممن وقعوا في قبضة الجنود، وجار الان سحبهم الى السيارات وارغامهم على ركوبها، بعضهم في مرحلةعمرية صغيرة، مازالوا اطفالا يبكون ويتصارخون ، والجنود ينهالون عليهم ضربا باخماص البنادق، لارغامهم على الاستسلام والاستجاب للقبض عليهم دون صراخ ولا ضجيج.
واتخذت مكاني خلف رجل عريض المنكبين، مملوء الجسم، يرتدي طاقم البذلة كاملا بقطعه الثلاث، وربطة العنق، ويعمل وكيل وزارة للشباب والرياضة، احتماء وضمانا للسلامة، وارضاء للفضول للصحفي ، لكي يقول هو سؤالي لاحد الضباط عن سبب الهجم، وعرفت من اقوال الضابط وحسب تعبيره، ان ما يقوم به جنوده هو اداء لمهمة وطنية مقدسة، فقد اتضح للقيادة ان نسبة الهاربين من التجنيد وخدمة العلم، نسبة مخجلة مؤسفة ، لا تليق بشعب ضرب المثل لشعوب العالم في الجهاد والمقاومة ، ولازالة هذا العار ، صدرت تعليمات القائد الاعلى للقوات المسلحة، بملاحقة الهربين من التجيد اينما كانوا، ولان الملعب البلدى اثناء مباراة مثل هذه، مكان مناسب لتجمع الهاربين العاطلين، فقد تقرر القيام بعملية مداهمة للملعب والقبض على المتفرجين، والتحفظ عليهم، للقيام بعد ذلك بعملية الفرز، حيث يتم الاحتفاظ بالمطلوبين للتجنيد واطلاق سراح الاخرين.
وكنت اقف صامتا، اتوارى خلف االسيد الوكيل واتابع ما يقوله الضابط ، متباهيا بما فعل هو وجنوده، ورايت الوكيل يصافح ضابط الحملة بحماس ويشكره على تفانيه وتتفاني جنوده في اداء الواجب الوطني بكل شجاعة واقدام، ورايت يد الضابط ممدودة لي، بعد ان انتهي من مصافحة الرجل، فلم اجد بدا من مصافحته، اتمتم ايضا بكلمات الشكر والثناء، لما قام به من عملية اراها مثالا للخسة والنذالة واحتقار البشر وممارسة القمع العسكري في اكثر صوره بشاعة واجراما.
عدت الى الصحيفة، باعتباري مكلفا بالمتابعة الصحفية للمباراة، فوجدت ان التعليمات التي وصلت الصحيفة ، تقضى بعد الاشارة من بعيد او قريب، الى ما حدث على جمهور المباراة من هجوم ومداهمة، والاقتصار على وصف المباراة فقط، وكنت قد اتصلت اثناء وجودي في الصحيفة ، بمستشفى الحوادت لاعرف عدد ضحايا هذا الهجوم، فقد سمعت ان هناك اكثر من قتيل ، ومئات الجرحي، فوجدت انهم يمتنعون على الحديث للصحافة او الرد على اي استفسار، وقلت لرئيس التحرر انن ساكتب التقرير من وجهة نظر الضابط الذي اعتبر ان ما قام به هو وجنوده وزملاؤه الضباط من هجوم ، كان لاداء واجب وطني مقدس ، يتصل بخدمة العلم ، واكمال رسالة الثورة في انجاز الشعب المسلح الذي لا يعرف الهزيمة، فادرك انني اتخابث عيه، وان الهدف فضح هذه الممارسة التي تحمل كل معاني الاهانة للمواطنين ، فلم يزد على ان قال:
ــ انس الموضوع اذا اردت لنفسك السلامة .

لا تعليقات

اترك رد