الفنان التشكيلي ريبوار سعيد: الحرص على مقاربة مسارات جمالية تحمل أبعاداً تاريخية


 

من الواضح جداً و من قراءتنا الأولى لتجربة الفنان ريبوار سعيد بأنه صاحب مشروع تشكيلي , لا على الصعيد الكردي فحسب بل على صعيد أبعد من ذلك بكثير , فهو حالم جداً بعالم يفنى فيه إستغلال الإنسان للإنسان , ولهذا كان الإنسان همه الأوحد , و أي تصدع فيه يعني تصدع في مشروعه الجميل , ولهذا أيضاً يزنر الكرة الأرضية ويحملها في قلبه أولاً وعلى كاهله ثانياً , وهذا ما يجعل ثقته بإمكانياته تفوق المعقول , تلك الإمكانيات التي يسخرها بعبقرية فذة في إنجاز أعمال ستكون إرثاً للأكراد حيث ينتمي إليهم بعشق جنوني , و للإنسانية جمعاء حيث يفرغ مشروعه الفني , فريبوار يملك أدواته بإحتراف عال وهذا ما يجعله قادراً أن يخوض المحيطات من أجل ـن يخلق الجميل , وحتى نقدم صورة أوضح و أكثر دقة سنقف ولو بإيجاز عند عمله الذي شارك به في ملتقى كردستان التشكيلي الدولي الذي أقيم مؤخراً في مدينة آمد , وريبوار لا يحتاج إلى تعريف فله بصمة في التشكيل الغربي وخاصة البريطاني حيث كان يقيم , كما أن عمله لا يحتاج إلى توقيعه حتى تعرف بأن هذا العمل له , فله أسلوب بات هوية فنية له , وبه يستطيع أن يجتاز السموات التسع ,

فمن يقرأ عمله هذا والذي نحن بصدده , يدرك ودون جهد يذكر , بأن ريبوار يحمل هماً عالياً , هماً يشغله كثيراً , وبه يواجه الآخر , مواجهة فيها إلى حد كبير تحقيق تلك السعادة المفقودة , وذلك حين يوصل صوته إلى متلق دون أن يحتاج إلى صياغات تبسيطية , بل إنه يلجأ إلى تنوع في عملية النظم بوضع كل خصوصية ونثرها على الجهات الأربعة للعمل المنجز , خصوصية هي في غاية الأهمية , سواءً أكان ذلك في إشارة إلى ذكائه الحاد في التعامل مع البياض المفروش أمامه , أو من واجب قومي المغموس بالإنساني في مواكبة أوجاع المكان , وهو هنا عندما يؤرخ المكان / كوباني , شنكال / إنما يؤرخ قضية باتت تفرض نفسها في الفرز والحضور , ضمن مجموعة من إعتبارات تقتضي من ريبوار الإشارة إليها , ويفعل ذلك وبروح المسؤول المحترف الذي لا يهادن أبداً , فهو قادر أن ينظم و برغبة مرموقة , و بأن البلاد مهما حوصرت حتى من كل الجهات بما في ذلك جهة الرب الجهة الخامسة , ومهما تكالب الآخرون عليها , فإن كل عواءهم ستندثر أمام هديل الحمام , فسكاكينهم وخناجرهم لن تستطيع كسر الحق والإنسان , فكل ما يحيط بالوطن من أسلاك ومخاطر وتهديد ستذهب في الريح أمام إنسان يؤمن بأن العراك عراك وجود فإما أن يكون أو لا يكون , وبإختصار شديد , عمل ريبوار يحتاج إلى وقفة مستفيضة قد نعود إليها في وقت لاحق .

فريبوار يولي عمله وضمن شروط ملائمة جداً الكثير من الفعل الكامن في البنفسج والصاعد عبر نمنمات تنتمي بدورها إلى زمن ما كظاهرة قد توحي بالإنتماء , الذي به سيكمل اللوحة وبنضج باهر , فما يحمله ريبوار قد يجعله لاحقاً بيرقاً يرفرف في التشكيل الكردي أولاً , والعالمي ثانياً , فهو ينفذ عمله وفق إيقاع خاص جداً و مميز جداً , و بتأثير تكويني مخيال مرهون بالعثور على خصوصية تتفادى بالفعل أثر أقدام الآخرين , فريبوار يشق الطريق لنفسه منذ الشهقة الأولى , و هو تحويل أساسي في الإقتراب من قوائم مميزة تثير كثيراً من نتائج بالغة الجمال , فهو يضع يده على مجموعة عناصر ستكون كنزاً تدر عليه في كل حين , وبه يتوجه إلى متلق غير عادي , متلق ليس متلقيه حصراً , أي أنه عابر للحدود دون جواز سفر , فهو يطرح مقولة تثيت بأن العمل الفني على نحو عام , وعمله هو على نحو خاص صالح للنطق في كل الأزمنة , وفي كل الأمكنة , عبر حرصه على مقاربة مسارات تحمل أبعاداً تاريخية , ضمن أدواء منفتحة على عناوين يمكن أن تضاف إلى رصيده الفني , الذي يذهب به إلى نتائج ذات شأن , فيها كل مقومات التقاطع ضمن تأسيس علاقة حميمية ما بين اللون والخط , اللون الذي يهادن كثيراً لصالح الخط الذي يفرض نفسه بضرورة رؤيوية , وهذا ما يخلق لديه منهج عمل يتراوح ما بين عدة خيارات جميعها تحمله إلى فضاءات أخرى ليست له , لكنها ستكتب بإسمه ,

و لعل أجملها سماع إهتزازات الذات المتداخلة بالبعد الفلسفي , ضمن إطلالة أسطورية تحمله ( بتشديد الميم ) أسئلة مشدودة إلى الغياب , بنسج صراع لم يعد يحتمل التأجيل , صراع يلهث عبر السياق اللامحدود , وبتلاحق إنصهار سطوة الطبيعة بأشيائها , عبر معانقة الملامح بأبعادها الإنسانية , المتسمة بتصنيفات غائمة ذات طابع شمولي يتصدى لصوغ بوح خاص جداً غير مسبوق , وقد , أقول وقد يكون إمتداداً لطموحات تطفو في بعض منحدرات الذات , وهذا ما يدفع ريبوار لإبتداع لغة تشكيلية هي سعة الحياة , تخترق الأفق , و تفتح كوة في ذاكرة لن تغلق أبداً بفعل القدرة الفائقة على الخلق عبر علائق هي قلقة فيما بينها ( كالريح ) عميقة كعشق الكردي للجبل , فهو يحاكي , و بإهتمام كبير في السعي للوصول إلى صيغة قد تكون موازية للإيقاع في الموسيقا , يحاكي حالة متفجرة إبداعياً حتى كادت أن تكون الأبرز جمالياً , و الأبدع بموجب رؤية بصرية تكشف كل الوقائع غير المرئية .


و أخيراً العمل الفني لريبوار سماء مفتوحة على كل الجهات , فهو يرفض أن يتقيد بمدرسة معينة , و إن كانت أعماله تنتمي إلى التعبيرية بإمتياز , إلا أن الفن هو بيته الذي يملكه ولهذا يترك باب بيته مفتوحاً لكل اللغات , فالأفق مفتوح إلى اللانهاية .

لا تعليقات

اترك رد