العنف … المفهوم والدلالات “ج2”


 

فكلما تجدد السؤال عن شؤون المجتمع وطبيعته ومؤسساته وعن استمرار العنف داخله يتجدد الإصرار على ضرورة التوصل إلى فهم منطلقات هذه الظاهرة وتفكيك أسرارها ضمن رؤية شاملة لصيرورة المجتمع وخلفياته وبنياته الفكرية والثقافية.
فالعنف ليس مفهوم خارج الزمان والمكان أو واقعة منفصلة عن محددات نشأتها وتحققها، بل لها أبعادها ومنطلقاتها إنها طاهرة قديمة جديدة في مجتمع يتحرك باستمرار. فالعنف في حد ذاته أداة وليس غاية، إنه وسيلة القوي لاستمرار هيمنته وسيطرته وهو أيضا وسيلة الضعيف للدفاع المشروع وضمان حقه العادل.

فالعنف ترسخ وتأصل في المجتمع مع بروز الضرورات الداعية لذلك من منطلقات اجتماعية واقتصادية وثقافية، كما أن انتقال العنف من المجتمع إلى الجماعات السياسية تحول إلى عنف ممنهج من أفراد وجماعات إلى دول وتحالفات كأبشع صور للعولمة والرأسمالية المتوحشة.

فالحاجة إذن مولدة الوسيلة وهي أداة يجب تغيير مضمونها بتجدد الحاجيات إليها، لقد تعددت دلالات وتطبيقات العنف مع تطور الإنسان ونموه ولم يكن يوما أداة لنفسه ولا مؤسسة قائمة بذاتها إنه لصيق الحاجة ويتجدد كلما تكاثر الطلب على الحاجة.
فالعنف إذن مرتبط بالحاجة وهي نفسها معطى موضوعي على علاقة وطيدة ببنية المجتمع ومكوناته السياسية والإجتماعية ومدى تطوره الحضاري، وليس هناك مجتمعات أكثر تأهيلا للعنف من مجتمعات أخرى فطريا أو غريزيا. جميع التيارات الفكرية نادت بنقد العنف والحد منه إلا أنها لم تستطع ذلك سواء داخليا أو خارجيا، وذلك راجع للتوترات التي يعيشها المجتمع المعاصر.

تحديد مفهوم العنف من زاوية واقعنا العربي ضرورة ملحة ومن أكثر الإشكالات التي يجب تفسيرها للوقوف في وجه التفسيرات والتأويلات التي يقدمها الفكر الغربي حين يتحدث عن العالم العربي وقضاياه.
كما أن أي سجال حول العنف في المجتمع العربي أو أي نقاش حول الماضي هو استحضار لنقاش الحاضر، وأي فرضية تدعي القول بأن بنية المجتمع العربي الإجتماعية والثقافية والنفسية … تولد العنف أو ترعاه يجب أن تكون مرفوقة بنماذج ودلائل تؤكد هته الفرضية.

كما لا يخفى على أحد تاريخ المجتمع الغربي حيث التاريخ الحربي بامتياز وأوروبا البربرية، فقد وصل حد إحراق قرطاجة على يد الرومان وصب الملح على الأرض حتى لا تصلح للزراعة. فأصبح العنف والتظاهر به آنذاك قيمة اجتماعية وسلوكية في البنية والوعي الجماعي الأوروبي، حتى عصر الإستعمار ومرحلة ما بعد الإستعمار لا زال العنف حاضرا في الثقافة السياسة الغربية ليس بنفس الشكل والمفعول لكن يمارس العنف بطرق أخرى تتكيف مع طبيعة المرحلة .
لقد تحول العنف في الغرب من شكل إلى آخر لكنه ظل ثابتا في بنية تفكيره وذلك راجع للإحساس بالتفوق والعلو ويجب تصحيح كل ما من شأنه المس بقيمه وحضارته، فتحول الاضطهاد والتعسف كسلوكات فردية وجماعية عنيفة إلى عدوانية متطرفة في التجارة والتنافسية المتوحشة مثلا.

نهاية واندحار الحضارة العربية الإسلامية سمح للمجتمع الغربي باستكمال بناء المشروع الحضاري حيث تم تكوين مجمل المفاهيم والقيم والقوانين، وأصبح الغرب ليس فقط مركز العالم وإنما العالم كله. فتحكم المجتمع الغربي بزمام الأمور ومستقبل الأمم الأخرى وصاغ القرارات التاريخية، التي سمحت بميلاد النظام العالمي القديم – الجديد.

أدى هذا النظام الإمبريالي إلى تقنين العنف وتحوله من قوة وإكراه إلى حق مشروع مقنن، وهو انعكاس لمجمل الممارسات والأعراف والقوانين لما يسمى بالقانون الدولي الذي أصبح أداة سيطرة أكثر من وسيلة للتعايش وحفظ السلم. فالقانون وضع في ظل نمو مؤسسات رأسمالية متوحشة ساهم في بلورة أفكار وقوانين تخدم شعوبهم بالدرجة الأولى وترك الشعوب الأخرى على الهامش.

كما أن الرأسمالية بقدر ما كانت متوحشة وأنتجت الإستعمار والإضطهاد فقد قدمت للإنسانية الفكر الحر والعقلانية والحرية، دون أن ننسى التحول الكبير مع بداية القرن العشرين وظهور الإشتراكية وبداية تشكل منظومتها الفكرية والسياسية والتي لم تخلو من مظاهر العنف كذلك.

2 تعليقات

  1. نمو مؤسسات رأسمالية متوحشة ساهم في بلورة أفكار وقوانين تخدم شعوبهم بالدرجة الأولى وترك الشعوب الأخرى على الهامش. ان قوانين الكون كلها لن تزيل عنف ممنهج فرض علي واقعنا سوي بتغير هذا الواقع . وكما فرض يغير جبريا لن اخفيك حديثا لتجربة شخصية . كانت مديرة مدرسة أبني بريطانية اعتقد انهم متعصبون إتجاهنا أليس كذلك كلما شاهدت ابني في فناء المدرسة أحتجزته وذهبت إليها غاضبة أسألها السبب قالت نظرته عدوانية . ابتسمت وأنا أقول لها فلتغيريها . علميه بدل أن تحتجزيه . إبتسامتي في وجهها غيرت ماكانت تعتقدة . وظلت إبتسامة أبني قانون بين البشر . والغريب أن الأسلام وضع الإبتسامة الصادقة بثمن صدقة . إذا العنف قد يكون جزء منه قصور في طريقة التواصل بين البشر هل وضعت هذه الجزئية في الحساب . قد يكون كل منهما صاحب وجهة نظر واحدة ولأن القصور اللغوي أو قصور العواطف سبب . هل تعرف أن من أسباب العداء جهلهم بلغتنا العربية والعكس وقد تقوم حروب وتقطع آواصر بسبب قصور في طريقة التواصل ونسميها الإدراك اللغوي

  2. شكرا الرائع الباحث في عمق الوجع . نحن هنا نجمع ونجتمع لنجد مخرج موحد جامع شامل . محبتي ايها الراقي

اترك رد