صدى الصدى


 

لم نعتد نحن الغارقون في انكساراتنا واحباطاتنا ان نرسم صورة للنجاح، انما تعودنا الرهان والمقامرة، ابتداءا من حياتنا الزوجية الى اعمالنا ومشاريعنا التجارية، وحتى سنوات وفصول مدارسنا وجامعاتنا، لاشيء في محيطنا الملغوم بالفشل والهزائم والويلات وبالحركات المفاجئة التي تعقب الزلازل والهزات الاجتماعية يوحي بامكانية التخطيط والتكهن بالنجاح، نترك الحبل على الغارب، فاما غالب واما هارب، وفي حياتنا العامة، اصبح للاشياء مجانية لاتضاهى، في العراق مثلا وربما الامر ينسحب على بعض دول العرب، اصبح الكل يشتغل في السياسة، عدد الاحزاب والكيانات والتيارات كعدد الدكاكين في الاسواق الشعبية، عدد الفضائيات اضحى يزاحم حتى الهواء نفسه، فتزايد عدد المحللين السياسيين، ومن ثم الباحثين ومن ثم الفضائيين ادباء وكتاب واعلاميين، كل شيء بالمجان، وكل شيء يجعلك تندهش حين تختلس لحظة صدق في عالم ضاعت فيه المقاييس واختلفت فيه الموازين، لم تعد ثمة بهجة ترتسم على وجوهنا حين نرى مقالا لنا كان قد اخذ منا جهدا ووقتا، منشورا في صحيفة ما أو موقع الكتروني من تلك التي ملأت فضاءات الشبكة العنكبوتية، فالى جانب اسمك وربما اعلى منه بسطر، هناك كاتب اخر يكتب أنت( انتي) و لكن( لاكن)وحين يشار له، هناك عدة كلمات تسبق اسمه، فتشعر بعد كل تلك المعاناة باللاجدوى وبالعبثية التي تتساوق فيها مفاصل كانت عتية على الجميع، صوامع ومحارب لايدخلها الا الذين مسهم جنون الابداع وليس اوهامه..

في خضم هذا الصراع ( صارت هوايتي المفضلة جني القبور-وكتابة شاهداتها المرمرية المصقولة جيدا-)* فــــ (الموت العراقي، يهطل من الاسفل الى الاعلى)* و( يصيح بي درب قديم: اسمع الموت لتراه، لتقلبه على مهل وتتعرف على معناه المنزه)* ..
كان هذا صوت خيرية المنصور، الفنانة المبدعة والاخت والصديقة، في مطلع العام الماضي وهي تطلب مني كتابة مقال ليظهر في الاصدار الاول لموقع الصدى..
تجربتي الشخصية مع المبدعة خيرية المنصور تمتد الى عام 2009، وما قبل ذلك كان حالي حال الكثير من الكتاب والمثقفين والمبدعين العراقيين الذين يعرفونها عن بعد كلؤلؤة في عالم السينما العراقية، فهي المرأة العراقية الوحيدة التي اعتلت كرسي الاخراج السينمائي لتحرك عوالم السكون والصمت بابتسامة امرأة شقت طريقها بفأس العناد وصرامة الارادة، فكانت نموذجا للمرأة العراقية التي لم يحتوي كل عالم الذكور شغفها وعشقها فظلت مثل طائر يغرد في سماوات بغداد المحترقة..

في ذلك العام، جمعتني مع ام سوزان قناة البغدادية الفضائية التي شكلت ظاهرة متفردة في مجال الاعلام الملتزم، لتصبح فيما بعد تيارا اصلاحيا جماهيرية كاد ان يحقق الثورة المنشودة في العراق لولا ان قوى الظلام تجمعت وتوحدت لتقتل هذا الصرح وتهده وتسكت صوت الضمير العراقي النابض بالخير والسلام والاخاء والتقدم، كانت ام سوزان تحرك كواليس البغدادية بعين المخرج المبدع الخالق للفضاءات، تراقب كل شيء، تصحح الخطأ وتقدم الجديد، كان الجميع يتحرك مع حركات اصابعها وتنويعات صوتها وايماءات وجهها، حتى فارقتنا عوالمنا المشوشة كل الى وجهة، حينها قالت:

سيكون لي دربا لن ارى فيه سواي..
درب الجنوح الى البعيد مُحوَّلا عن مجراه
ومسكوبا بالعبارة والمنارة وفن الجمال المؤبد..
عما قريب
ساكون قطبا في كون وليد،
أو نجما لايُرى إلّا بعينٍ واحدة)*

لم أتوقع ان موقعا الكترونيا سيكون مختلفا عن تلك المتناثرة في جنبات الفضاء والعالم المفترض، مئات المواقع مليئة بالحصى، فما الجديد الذي ستاتي به هذه المرعبة بتساؤلاتها، وبتكرارها للرغبة وللجنوح وبشغفها في ان تحول جنونها الى مرآة صقيلة يرى الاخرون فيها ذواتهم مقلوبين مقلَّبين يحاورون انفسهم كثيرا قبل أن يحاوروا الاخرين..

ولم اتوقع أيضا، ان هذه السيدة الحالمة، ستجعل من حلمها خيمة يجثم عند حواشيها وحول اوتادها( اطفال الكتابة)** ولكن الصدى كان قد انطلق، حين كان التردد والشعور باللاجدوى مسيطرا على القلم، ويوما بعد آخر، راحت تردد الريح صدى الصدى وترجعه الفيافي، ونمت ازاهيره لتصبح اعشاشا آمنة لاقلام كان قد بح صوتها، وجف حبرها، وترهل فكرها، وتآكل مدادها، حتى عادت اليها الحياة، وعاد الامل، ونما شيء جديد الى جانب الصدى، ازاهير من الامل، ومزامير من اعماق ارواح ملعونة بالتيه ومعجونة بالرمل، نجوم حائرة في مداراتها الكوكبية، معزوفة موسيقية تكتب نغماتها عبر الفضاءات، لحن جماعي عبر اثير هاديء ، تلك هي حوارات الصدى تتفق وتختلف وتتسابق برهان المحبة والقلوب المؤمنة بغد ربما لن يأتي غدا، لكنه آت لاريب..

حولت سيدة الصدى خيرية المنصور عالمنا الافتراضي الى وجود حي وقائم، تمتد اصابعه الى غرف نومنا، وتتكتك قطرات مطره على زجاج نوافذنا، وتجلس اقلامه صباحا الى موائدنا، فهاهو فائز السعدون يحتسي القهوة معي ويدمدم كعادته مهاجما الليبراليين والعلمانيين، وهاهو عبد الله العبادي يلح كثيرا وكثيرا في مفهوم الدولة المدنية حتى قبل ان يحتسي الشاي، وهاهو عبد الحميد الصائح يلقي بسحره المخبوء فوق فاكهة الصباح، هاهي صالحة وسناء ابنة سوريا وصنو محنتها، وها هو الوزان والعرجوني والفقيه واشعاب والقناعي والموسوي والساعدي والسعيدي ومنى شابو ونرمين وعواد واشرف ورياض وعادل ونور الدين مدني وآخرون احبهم وأحييهم و لا اراهم اللحظة، يتوزعون موائد الصدى، يتحاورون بهمس لم يصمد امام مشاكسات منى وغرور القناعي ، وفي زاوية جانبية يرتكن عبد الحسين شعبان يقلب اوراقه ليرسم خارطة الكتلة التاريخية، غير ان زهرة مبتسمة تجلس لوحدها واضعة راسها على كفها، تتامل هذا الجنون الذي
ساندها في محنتها، وتود ان تقبل الجميع ليس لابداء الشكر ، بل لاعلان الحب، تلك هي زهرة الصدى- افراح شوقي-
افراح..
هل ينحني الخراب لزنبقة
هل تدق العصافير مناقيرها في السماء وتنسى..
هل يأكل الوجود مرعاه ويسهو عن البقاء منتظرا وحزينا..
فالدخان لايجيد كتابة الاحرف الاولى
ولاتصلح الغيمة دفترا)*

قبل ان نطفيء الشمعة الاولى لموقع الصدى، كنا قد اضئنا شمعة في عالم زميلتنا افراح شوقي، وفي عامنا المقبل، اتمنى ان نضيء شمعات في قلوبنا جميعا، تدفعنا الى مزيد من الحب، ومزيد من الامل بامة واحدة يسودها العدل ويناغمها السلام والاخاء والرخاء.. فتحية مني الى مبدعتي خيرية المنصور والى الايادي الخفية التي ساندتها، ووقفت الى جانبها ، والى قراء ومتابعي ومعجبي الصدى، والى اقلامكم المبدعة كتاب الصدى، والى عقولكم النيرة، والى حواراتكم المشجعة، والى اطلالاتكم البهية الرائعة، وكل عام والصدى وانتم نجومه بالف خير..

1 تعليقك

  1. أشاطراك
    على الاطراء للصدى وراعيتها نموذج الامرأة المكافحة القادمة من شمس الجنوب ..واللحن المشاع غزا واقع صحونا عليه من أن أحد من المسؤولين الكبار في الدولة يهمش على طلب قدم اليه يأتي {غدن } والشكرا { شكرن }أما الضاد فتلك مصيبة .
    وأختلف
    معاك في الزواج ماهو الا مشروع فاشل وتجارة بين اثنين خاسرة !!ونتحمل نتائجها طول العمر ..التغيير منح الفرصة المخنوقة للجميع أن تعمل بالسياسة وفسح المجال واسعا لحرية الرأي والرأي الآخر ..فكان النظام الهالك يصدر ثلاث جرائد واخرى للكرد وفضائيتان تسبح بحمد النظام ..واليوم ننعم بمئات الصحف والمجلات وعشرات المئات من الفضاءيات والمواقع تدخل البيوت بلا استئذان لا تجمل كتابها بوجود مصحح لغوي .
    الناس هي من تحكم بصحة الرأي وليس الرأي المتفرد لقناة اشرت اليها ..لم نسمع ونرى منها غير التهريج والصعود على أكتاف الفقراء ..وأخيرا لماذا تطلب بالحجر على المواطن أن يعمل بالسياسة وان لا ينشر رأيه .

اترك رد