نزيف الذات بين الإيقاع والصّورة في قصيدة الشاعر العراقي عواد الشقاقي

 

حين ينزف القلب لظى تنشأ من صهده دفقات شعورية تتناسل من رحم ذات مضمخة بالمآسي ..فتنعكس لهفة في إخراج طاقة كلامية تكون اللغة سبيلها والواسطة للتعبير عن أغوار الذات واكتساح عوالم الخيال لتشكيل أكوان على أنقاضها ..فتغدو همزة وصل بين الواقع والمتخيل الذي هو بالأساس ذلك الفيض الشعوري والتداعي الانسيابي لحركة النفس ،فيستبطن الأعماق استبطانا صادقا وعفويّا حينئذ يكون الشعر القوة الحافظة لأخلاقية المبدع والكفيل بنقل الصورة الشعورية من خصوصية التجربة إلى مطلق الفن والوجود .. و هذه القصيدة العمودية ” في قلبه وقر” للشاعر عواد الشقاقي ..وعاء أفرغ فيه أشجانه ليتشكل نغما يسكبه من آهاته ..من عشق متبدد وانفعالات عاشق أبى إلا أن يستعيد الإيقاع القديم ويسترفد معاني الغزل العذري وما ينطوي عليه من تفجع ووله ..ليكون الخطاب نغما في اللغة وباللغة ..مخاض عشق بين البوح والكتمان .. بين الماضي والحاضر ، السعادة والشقاء فيتلمظ لحظة الحاضر ببقايا عشق يرتله بنسق احتفالي تارة وجنائزي طورا صوتا كصدى غيب يلذعه الألم يظهره من خلال إيقاع بحر الطويل بحركات طويلة كالاحتضار .. مطلوقة كالآهات .. ونسق مأتمي حزين فيه من الشجن ما يقرب التلاشي ، كالأبد يعاضده في ذلك “راء” القافية المكرر كالعويل تؤجج لظاها الضمة في آخرها ..نغمتان تتهادى بهما ألحانه ..كقلقلة المحتضر ،إنه إيقاع بين الصمت والزفير موقعه ..إيقاع بوح يتنفّس تحت آهات مكتومة بالأنين..ينطلق نغما مدويّا صارخا ولكنها صامتة صمت الجمود حين ينبجس الحاضر ويكشر عن بؤس نبض شفه الوجد وأضناه الجوى .. يعاتب عين الموت في حنينه ويودع سحر الأحلام في جهنم .. ولكنه سرعان ما يتلمظ لحظة الحاضر ببقايا عشق لأن الذاكرة لا تخون لكن الحاضر يخذله ..فيعيش اللذة في الألم ويستعذب الألم لحظة الشعور باللذة فتنبعث من بتوله رائحة جروحه النازفة بالانكسار ،ليغدو بقايا ظل تنفتح على عتباته سلالات الفجيعة ..إنه يراوغ الحاضر بالماضي ويستعير الماضي ليخاتل الحاضر ..هي لعبته لينشئ خطابه على مخاضات الواقع ويغلق دونه مغاليق الهوى فيغدو مدا وجزرا ..حبا وانكسارا يتأمّل تارة ويتألّم طورا ..هنا تتشكل شعرية الصورة التي عبرت عن هذا الصراع وهذه الهندسة التي أقامها على أساس التناظر ..إنه يرتحل بنا بين الجنائزي والاحتفالي ..بل يتجاوزها إلى الرحيل والسفر في أصول البلاغة فيعرج ويتسامى عن مألوف التصوير حين تفقد الصورة علاقاتها الطبيعية وهو ما ندركه في هذه المخاتلة الطريفة التي تحول رموز الخصب والنماء إلى مناسبة للموت والفناء .. وهذا ندرك ملامحه من خلال هذه التورية اللطيفة فيتحول معنى الخصوبة من سبب للفرح والتبشير بالانبعاث إلى مؤشر للتعبير عن الهجر والبين فيجود الغمام باليأس والدمع عوض أن يفتح على حياة جديدة ..ومعه تتحول الخصوبة والارتواء في معانيها فيشرب المرارة والدموع عوض الماء ..ويسيل الصبر مع ماء العين ، والسيل في أصله حثيث متمهّل وكأنّه بفقدانه الصبر تنسلّ منه الحياة رويدا رويدا كالاحتضار .. إنه نغم مثقل بالآهات على أطلال ذاكرة طائرُها جريح ينزف بالأمنيات .. لتكون اللحظة الشعرية لحظة ساخنة مؤججة بالفقد ، مدججة بالتفجع حين يدرك الرحيل ويغزوه الوجع .. إنه خلق مخلوق من نسل أنشأه من وقود المدافئ ..يلفظها شاعر يترنم وقلبه يتألم تمر به ليالي الوصل كلمى هزيمة ..تصرّح بدمع القلب ..صورة حزينة يستعير لها صورة الليل الذي أنشأه على أساس التقابل حين احتفال النجم والبدر هام في عطرها الزهر ليحدّث النسرين ما سكب البشر وأنزل القطر ..هي صورة الخصوبة والحياة والانبعاث وكأنه يبعث منها عشتاره حياة أبدية في لحظة صفاء ..لكن سرعان ما يستعيض عنها بصورة مخالفة تمامها هي صورة كظيمة لليل موحش فتتحول بذلك صورة الليل من زمن ميقاتي إلى زمن ذاتي يلتبس ويتلون بأحوال النفس الشاعرة ، هذا الليل الذي يتجاوز معنى الأرق والمعاناة والليل الطويل الذي ارخى سدوله ..ليل امرئ القيس وشعراء الغزل ..ينتظر نجد الصبّ كي يشرق البدر ويتحوّل الخصب إلى فناء ..فتكرّر صورة الليل ويجعلنا نحيا بها معه ونشقى ..نأسى ونأسف على أوتار زمن مهزوم ..وكأنّنا بهذا اللقاء يتحوّل ويصبح حاجة وجوديّة بتحققه يمتلك العاشق سلطة الكون وبفقدانه تفقد الموجودات علّة وجودها ، فتتغيّر نواميس الكون ..كل ذلك يصلنا بذات مرهفة مشتّتة حدّ التّلاشي ..ترصد التناقضات وتلتقطها ، تقصيها الأمواج وتذروها ريح الحنين ..يغرقها الذّهول في سرمديّة الليل ..ولكن من هذه الغائبة التي تُلجم عاشقها بصدّ وشوق ..بالميلاد الهزيل والانبعاث المرّ الذي تلتقطه العبرات ويتوه في سديميّته …؟ هل هي الحبيبة وأيّ حبيبة تلك الرصينة الرّهينة الابتهالات المكبوتة ..كالأجراس من رحم الحنين ؟ أم الأخرى التي لم تولد بعد وإنما في لوح اللغة المحفوظ ..امرأة من خيالات هي بالأساس ضرب من ضروب الذهول عن الواقع ؟ أم هي صورة مغايرة للحرية يلتقطها زفرات من واقع مأزوم .. في حضورها غياب وفي غيابها حضور ..كرّ وفرّ بين مطلق الإرادة وحدود الإمكان.. إمكان مترهل لزمن مترهل وواقع مترهل ..

النص :
في قلبـه وقـرُ
تنهَّد بي قلبي وقد هدَّهُ الصبرُ
وكان بحرِّ الدَّمع من هاجري ذِكْرُ
وقد مرَّ ليلُ الوصلِ حتى كأنّهُ
يُعاتِبُني إذ مرَّ من دونهِ عُمر
على بُعدِ مَن بالقلبِ سارٍ خيالُها
تنادى بدمعِ القلبِ في قلبيَ العُذر
تمرُّ ليالي الوصلِ ، والبعدُ بيننا
حياءً ، وما قد حالَ مابيننا كفر

********
غداةَ التقينا في القلوب بليلةٍ
ورقَّ بنا نجمٌ وذابَ بنا بدر
وقد نالَ منها القلبُ في لاهفِ المنى
بميعاد لُقيا هامَ في عطرِها الزهر
وكانَ حديثُ الروحِ غيرَ الذي جرى
هُياماً إلى قربٍ ينازعُهُ حِذر
تحفُّ فراشاتُ الغرامِ بهمسهِ
وقد حدّثَ النسرينُ ما سكبَ البِشر
وكانَ لروحينا على كلِّ ليلةٍ
من الوصلِ ، إمّا قامَ ، أنْ ينزِلَ القَطر
وقد أبقتِ الأحلامُ منها بخاطري
بأنَّ مُناءَ الروحِ من هاجري خُبْر

********
نأى البُعدُ بي منها إلى حيثُ أنني
تذكّرتُ عقلي كلّما هزّني الذِّكر
وقدَّ لهيباً في الفؤادِ صبابةً
ملامِحُهُ مما بهِ زفرَتْ سَقر
أهيمُ طَوالَ الليلِ والليلُ موحِشٌ
لعلَّ لها وصلاً بهِ علِقَ الفكر
لعلَّ بأنسامي تمرُّ حبيبةً
وكانتْ إذا مرَّتْ فمِن فاتني عِطْر
وباتَ يضجُّ الصبرُ في خافقِ المُنى
وأنَّ شؤونَ الصبرِ في مُنيَتي جَمْر
وكنتُ أُريضُ القلبَ في كلِّ شهقةٍ
من الشوقِ أنَّ الليلَ أنْ يُشرِقَ البدر
تنظّرْتُ عُمري يوقِدُ الليلُ لوعتي
وأفسحُ آمالي بأنْ عاقَها أمر
وقد مرَّتِ الأحلامُ وهْيَ جديبةٌ
غمائمُها يأسٌ ويانِعُها هَجر
بها شرِبَتْ منّي الدُّموعُ مرارةً
من الحُزنِ إذ سالتْ ومن مائها الصبر
وأدركتُ حينَ القلبُ ذابَ بحلمهِ
بأنَّ حبيبَ القلبِ في قلبهِ وَقر

لا تعليقات

اترك رد