مسيرون أم مخيرون…؟


 

ثمة تساؤلات جديدة صار من الضروري طرحها على عقولنا المثخنة بطعنات الوقت، وخلاياها التي أصابها التلف لكثرة ما تتلقاه من معلومات وأفكار وأخبار وشائعات وتناقضات.

السؤال الأول: هل المتلقي العربي مخيّر أم مسير؟
سابقاً كان الجدال حول الإنسان بشكل مطلق ما إذا كان مسيراً أم مخيراً، وطبعاً اختلفت الآراء والتحليلات سواء الدينية أو الفلسفية وما يزال الجدال قائماً ولم ينته؛ لأن الجدال حوال الإنسان بالمطلق معقداً بعض الشيء؛ بينما الجدال حول المتلقي العربي من السهل أن ينتهي الجدال حوله لأن الدلائل التي تشير على أنه مسير وليس مخيّر كثيرة. فلو تأملنا ملياً في حالة المتلقي العربي ابتداءاً من البيت سوف نجد بأن الإنسان العربي منذ طفولته الأولي يتلقى معلوماته من الأهل ويتلقى تعالميه منهم دون أن يكون له أي خيار فهم يختارون له دينه بشكل عام ومن ثم يلقنونه تعاليم المذهب الخاص بهم وهكذا تتكّون قناعاته من خلال دوره كمتلقي لا حول له ولا قوة .. ومن ثم يأتي دور المدرسة الملقن الثاني لتملأ عقله بما ترغب الدولة لعقله أن يمتلأ، فيصبح المتلقي لإديولوجية الدولة وهو بهذا التلقي مسيّراً وليس مخيّراً.. قوتان هما المكونان في ترسيخ الأفكار والعقيدة وهما الأهل والدولة.
ينضج عقل المتلقي العربي وتبدأ التساؤلات الخاصة تضج في عقله الممتلئ مسبقاً بمعلومات وأفكار فلا يجد حيزاً يتسع لميوله الشخصي ورغباته الخاصة حينها يحدث الصراع الداخلي ما بين ما تلقاه وما بين قناعاته الذاتية التي أصبحت تتعارض مع المعلومات المحشوة في عقله.. فلا يجد أمامه سوى خيارين إما أن يقنع عقله بأنه مسير ولا يحق له الخروج عن النص الاجتماعي العام، وإما أنه يتمرد ويخرج عن النص وعليه أن يتحمل ملاحقة الأهل واتهامهم له بالنشاز وكذلك ملاحقة السلطة له واعتباره خارجاً عن القانون السلطوي. وبما أن المتلقي العربي عقله مهيئاً للخنوع وتقبله غريزة القطيع فإنه ينشأ مسيراً لا مخيراً في كل شيء حتى أنه لا يملك حرية اختيار شكل رغباته الخاصة وبما فيها التخصص العلمي الذي يرغب به.
وبعد مرور أكثر من قرن على ولادة المتلقي العربي، تم اكتشاف وسائل حديثة وطرق ذكية لتلقينه المعلومات والأفكار دون أن يشعر بالتذمر ولا حتى التساؤلات التي كانت تضج في عقله ما قبل قرون مضت، فلم يعد الأهل ولا الدولة هما المصدر الوحيد للتلقين بل تدخلت أطراف اجنبية في عملية التلقين وحقن عقله بما يرغبون وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتكون الضربة القاضية التي يتلقاها المتلقي العربي ويتحول إلى متلق منصاع ومسير لكل ما يملون عليه من أخبار وأفكار وشائعات وأحاديث مدسوسة وتاريخ محرف هو ليس عليه إلا أن يتلقى كل هذا بالتسيير ولا التخيير لكنهم استطاعوا أن يوهموه بأنه مخيراً من خلال الخيارات الكثيرة التي وضعوها أمامه إلى أن اعتقد بأنه حقاً هو مخير لا مسير..!

والسؤال الثاني: هل مواقع التواصل هي مصدر تثقيف أم تسخيف لعقل المتلقي؟
في العصور القديمة ما قبل اختراع مواقع التواصل الاجتماعي، كان الكتاب هو المصدر الوحيد لتلقي المعلومة، وكانت المعلومة لا تُطرح إلا من بعد مراجعات فكرية واجتماعية وأخلاقية ودينية ليتم نشرها وجعلها ما بين يدي المتلقي. وجميع الأفكار التي يتم طرحها هي بنّاءة ولها غايات سامية حتى وإن تعارضت مع النص العام. لم يكن بها تسفيف ولا تسخيف ولم تكن قائمة على الشائعة؛ إذ أنها كانت قائمة على البرهان والدليل والأهم من كل هذا لم يكن من المسموح لأي شخص أن ينشر أفكاره مالم يكن من أهل العلم والاختصاص. وتمر على لجان وجهات ثقافية كثيرة للموافقة على نشرها.
بينما اليوم وفي العصر الذي يتوهم به الكثير أنه عصر التطور والتكنولوجيا، لم تعد هناك أية رقابة ثقافية على ما يتم نشره وترويجه وبما أن المتلقي اعتاد على مص المعلومات كالاسفنجة فهو لن يتردد في أن يتلقى هذا الكم الهائل من المعلومات والشائعات والتحريفات والخرافات المغلفة بالغلاف الأدبي والثقافي.
المتلقي العربي المعاصر يمضي معظم وقته وهو يتلقى ويستهلك جميع طاقاته الفكرية والبدنية في التلقي، من الشاشة الصغيرة ومن خلال البرامج التجارية لترويج منتجها الفارغ من كل قيمة إنسانية أو فكرية والمتلقي يشعر بالامتنان للقائمين على تلك البرامج؛ إذ انه لم يعد هناك متسع من الوقت ليشعر بالضجر والملل، وهو يتنقل من قناة إلى أخرى ومن وسيلة تواصل إلى أخرى، وهكذا باتَ يستهلك نفسه في تلقي المعلومات، دون أن يكون له دور أو رأي، لأنه مسمّر أمام تلك الوسائل التي تلقنه المعلومة وهو ما عليه سوى أن يجترها اجترارا.. الدراسات التي يتم طرحها حول الفوائد والمضار، وكثرة المعلومات واختلاف مصادرها أفرغت علقه من أي يقين أو عقيدة وبات من السهل عليهم أن يملؤوا عقله بما يشاؤون من أفكار خاطئة ومزيفة فهو بالنسبة لهم متلقي مسير لما يريدون هم وليس هو.. إذن، فالجواب على السؤال هو: بأن نسبة تسخيف المتلقي العربي تصل إلى 95% ونسبة التثقيف فقط 5%

السؤال الثالث: هل الإدراك والوعيّ لدى المتلقي العربي هما من نتاج ذاتي داخلي، أم أنهما مكتسبة من العالم الخارجي؟
في الحقيقة حتى الوعي والإدارك هما أشياء تم حقنها في مخ المتلقي العربي فكل إداركاته ووعيه والذي من المفترض أنهما حالات خاصة وفردية، هي مكتسبة من محيطه. إداركه الديني مكتسب وهو مسير إلى قبول هذا الإدراك ووعيه الاجتماعي كذلك مكتسب من أسرته وما تم املاؤه عليه. وكأنه آله قد تم برمجتها من خلال ذاكرة مخزنة، تعمل وفق إشارات خارجية، ويتحرك من خلال تلك الإشارات المبرمجة له مسبقاً، لذلك تجده لا يستجيب للأفكار الجديدة ولا يعرف كيف يتعامل مع المستجدات وإن أراد أن يتعامل فهو يتعامل بشكل فوضوي كما حدث حين تعامل مع الشبكة العنكبوتية فراح يمضي طيلة الوقت بمشاهدة الأشياء السطحية مثل المواقع الإباحية والتعارف وإضاعة الوقت في الدردشات الفارغة ولم يفهم الغاية الحقيقية للشبكة العنكبوتية ومن خلال الدراسات والمراقبة التي وضعت على المتلقي العربي استطاعوا أن يفهموا مدى وعيّه وإداركه فأدخلوه في متاهة أكبر واخترعوا له مواقع جذّابة للنفس إلى أن فقد صلته بعالمه الداخلي واتصل مع العالم الخارجي. إن المتلقي العربي هو مستهلك أكثر مما هو منتج، وهو مسيّر بنسبة كبيرة. والعالم الخارجي المسيطر على وعيّه وإداركه يتلاعب بأفكاره ومعتقداته فتراه متقلباً ومتناقضاً أحيانا يزيدون له في حقنة الإيمان إلى درجة التعصب وأحياناً يجرونه من عقله ليتحول إلى إنسان كاره لعقيدته وعاداته فيرتفع صوت انتقاده لعادات مجتمعه والاستهزاء بها. صار مثل حجر الشطرنج يحركونه على مزاجهم وعلى حسب المصلحة العليا واهواء القوى العظمة التي تتحكم بوعي وإدارك المتلقي العربي. فالقوى الكبرى هي حركت الشارع العربي من خلال الثورات الفوضوية ومن ثم انسحبت بعد أن عمت الفوضى وتأكدت من أن المتلقي العربي لا يملك الوعي ولا الإدراك الكافي لفهم خيوط اللعبة وبأنها قادرة على تسييره وحرف مساراته الفكرية متى شاءت.

السؤال الرابع والأخير: هل هناك أمل في أن يتحول المتلقي العربي من مسير إلى مخير؟
حتماً من يراقب المشهد العربي وما يحدث في الوقت الراهن سوف يدرك الجواب وبأنه من الصعب أن يصل المتلفي العربي إلى مرحلة التحول من مسير إلى مخير، لأنه محاصر من كل الجهات. فهو محاصر من العادات والموروث الاجتماعي وكذلك هو محاصر ومحاط بكثبان التخلف والجهل وكذلك فإن الدولة تحاصره وتفرض على عقله حظر التجول ومنع عقله من الخروج خارج حدودها التي فرضتها عليه. ناهيك عن الشتات النفسي الذي يعيش به المتلقي العربي فهو لا يملك من خيار سوى أن يبقى بدور المتلقي والمسير فلم يعد يعنيه إن كان مخيراً أو مسيراً؛ فكل الذي يعنيه هو أن يعيش لحظته الراهنة وأن يعيش بمتعة الوهم واشباع رغبة الفراغ بالفارغ؛ لذلك لا أمل يرتجى من المتلقي العربي مالم يعترف أنه في مشكلة نفسية خطيرة، ومالم يعترف أنه مسحوب من خلايا عقله وحين يشعر بأنه قد أصبح عبئاً ثقيلاً على الحياة.. وبأنه يأخذ حيزاً من الأرض ثمة أناس هم أولى منه بهذا الحيز…!!

2 تعليقات

  1. احسنتم اخي لؤي …..لا أمل يرتجى من المتلقي العربي مالم يعترف أنه في مشكلة نفسية خطيرة، ومالم يعترف أنه مسحوب من خلايا عقله وحين يشعر بأنه قد أصبح عبئاً ثقيلاً على الحياة.. وبأنه يأخذ حيزاً من الأرض ثمة أناس هم أولى منه بهذا الحيز…!!

    وسيظل الحال متدحرجا نحو الاسوئ لان الانسان العربي تأخذه العزة بالخطأ والجهل مثلما اخذته بالاثم … لا ولن يعترف . ولن يشعر ولن يرتدع .

  2. وبما أن المتلقي العربي عقله مهيئاً للخنوع وتقبله غريزة القطيع فإنه ينشأ مسيراً لا مخيراً في كل شيء حتى أنه لا يملك حرية اختيار شكل رغباته الخاصة وبما فيها التخصص العلمي الذي يرغب به.
    أسئلة في غاية الأهمية . في أرقى الدول التعليم في اليابان مسيس بإتجاه الامبراطور حتى العبادة فهو لا خيار ولكن ما نحن نمر به في العقل العربي القدرة علي الإنتقاء والتميز . وهذه القدرة تأتي من الإدراك أن العقل العربي يغيب فيه الإدراك بسبب إستهلاك الحواس في الجزء السمعيات والمرئيات كمتلقي ودون أن يدري يتحول . هكذا تبدأ من دور التعليم الذي يعتمتد علي الحفظ وثقل الحفظ فقط ولو جمعنا كم المهارات التي أكتسبها الطفل ستساوي صفر . أنه نمطية التعليم في دولنا . مهما تطورت تبقى مجرد حفظ . طفل اليابان يصنع هاتف وتلفزيون قيس هذا بطفلك العربي طفل اليابان يحيك ملابس ويبيعها . التعليم مهاره وممارسه حتي في العواطف . قيس هذا كنمط في ألمانيا هناك ساعة للقراءة مهما بلغ الشخص عمرة تعود ان يمارسها في نفس التوقيت التي يمضيها أولادنا بين النت ومواقع التواصل والألعاب هل فكر أحدهم ان يقرأ في مصطلحات السياسة شيء لا يهم هل فكر أحدهم توسيع معلوماتة الدراسية في موضوع الدرس لاشيء مهم المهم كم الحفظ . أرق تحية للباحث الرائع في الهوية الضائعة بين حلم الكمال في وطن اللا كيان

اترك رد