خميرة الجيش


 

لم ينازع نائب ضابط خليل أحد على موقعه كأبرز ضابط صف في ساحة عرضات كلية الضباط الإحتياط التي كانت تكتظ بالآلاف من خريجي مختلف الجامعات العراقية المكلفين بخدمة الإحتياط في ثمانينات القرن الماضي . كان إسم خليل كافيا لبث الرعب في صفوف فصيله مثلما كان محل فخر و اعتزاز الضباط القادة و الأعوان من منتسبي الكلية حتى اذا ما زار الكلية ضيف عربي أو أجنبي اسطحبه اللواء آمر الكلية إلى فصيل خليل متباهياً بخبرته ومنتشياً بطريقة تقديمه فصيله ، يأتي مهرولاً و على مسافة محددة من الآمر يقفز في الهواء ويهبط على قدم و يستعد بالأخرى ويضع عصى التبختر تحت إبطه الأيسر، يؤدي التحية و بحاجبين مقطبين وعينين نصف مغمضتين ليقدم نفسه و فصيله بأعلى صوته :

إني الرقم خمسة وعشرين ألف و خمسمئة و ستة و عشرين النائب ضابط مشاة خليل ابراهيم اسماعيل مصطفى المنسوب الى الفوج الثالث السرية الثانية الفصيل الأول الفصيل جاهز للتفتيش سيدي !

كان خليل يترك فصيله في وضعية الاستعداد أمام قاعة منامهم كل يوم قبل الضياء الأول حيث يفترض أنهم قد حلقوا أذقانهم و كووا ملابسهم و لمّعوا أحذيتهم حال استيقاظهم ليفتش أسرتهم و دواليبهم و يحاسب على كل شيء ابتداء من طريقة ترتيب السرير و نظافة الارضية و انتهاء بترتيب الدولاب الشخصي للتلميذ و كان عثوره على علبة دخان يعتبر حدثاً استثنائياً يقتضي تقديم التلميذ مذنباً أمام الملازم آمر الفصيل بعد تجريده من نطاقه و بيريته وعادة ما يوكل الآمر عقوبته لخليل الذي يصر بدوره على أن يشهد العقوبة طائفة من التلاميذ ليصبح عبرة لمن يعتبر وتتراوح العقوبة بين زحف القط و القطيط على إسفلت الأرضية الملتهب بحرارة الشمس و الهرولة حول ساحة العرضات و بين الحرمان من الإجازة الإسبوعية و هي عقوبة تعدل يوما كاملاً من الزحف المتواصل أما التأكد من أن الحلاقة اليومية قد تمت بالفعل بتمرير قصاصة ورقة برفق فوق أذقانهم واحداً واحداً و التأكد من كسرة البنطلون و الكتافية تحت مكواة ساخنة و دقة تلميع الحذاء فتجري في ساحة العرضات :

لازم حذاءك يلمع بحيث تستطيع رؤية صورتك به .. لا تنسوا يوم الخميس نفتش آباطكم !

يس.. يم على إيقاع المسير اليومي هي موسيقى خليل الصباحية المفضلة ، لكنه كان يتلاعب بها ليكسبها طابعاً خليلياً خاصا به مع بعض العبارات و الأوامر التي ينفرد بها دون غيره من ضباط الصف ..( أيس أوم ) بدلاً من يس يم يصل صداها إلى بوابة الكلية و يميزها حتى سواق سيارات الأجرة خارج أسوارها ..إيس أووم.. إرفع إيدك بمستوى كتف الذي أمامك .. أنفخ صدرك و ادفعه للإمام ..أضرب الأرض بقوة بقدمك أريدك تطلع نفط من تحت الأرض ..إرفع راسك فوق ..فوق ..إنت عراقي ..ارفع راسك راح تصير ضابط راسك فوق النجوم .. تعبانين ؟

– حديد !
– أيس أوم !
خليل لم يحمل ضغينة لأحد أبدا و له قلب سمكة ، لم تحل قسوته دون حب تلاميذه له وكلما تخرجت دورة من ” معيته ” و استعدت للرحيل الى جبهات القتال كان أول ما تفعلة زيارته و السلام عليه متناسين قسوته و عقوباته ممتنين للسياقات الصحيحة للضبط و الانضباط التي تعلموها منه فيرد بأداء التحية العسكرية لهم بعد أن لمعت النجمة الذهبية على أكتافهم و أضحوا ضباطاً

خليل و عباس و جلوب و مئات الألوف من ضباط الصف بين جندي أول و عريف و رئيس عرفاء و نائب ضابط كان يطلق عليهم إسم ( خميرة الجيش ) فمثلما كانت ربات البيوت في السابق تقتطع جزء صغيراً من عجينة الخبز لتضيفها لعجينة اليوم التالي كان هؤلاء ينقلون الخبرة الضرورية لاستمرار الجيش محافظاً على سياقات التدريب و استخدام السلاح في صنوف الجيش المختلفة منذ 6 كانون الثاني 1921 حتى حله بعد الإحتلال . هؤلاء لا يعرفون شيئاً عن السياسة . هؤلاء لا يعرفون أو على الأقل لم يكونوا يعرفون شيئاً عن الطائفية حتى الاحتلال . هؤلاء و ضباط و جنود الجيش العراقي لو كانوا في الخدمة لما تجرأ داعش و لا غير داعش على مجرد التفكير بالتحرش بحدود العراق و لا بسوريا و لا حتى بليبيا . لذلك قرر الحاكم الامريكي للعراق حل الجيش و وافق النظام . في هذه الايام في ذكرى تأسيسه و نحن نتابع بعجب و اندهاش أشكالاً عجيبة و غريبة من ضباط ملتحين و بأزياء غريبة لم يمروا من بين يدي نائب الضابط خليل نعرف أن الخميرة اذا انقطعت سنحرم لبقية عمرنا من خبزة طيبة و ستكون عجينتنا ” فطيرة ” لا مذاق لها و نعرف أي جريمة ارتكبناها بقبولنا بحل الجيش

شارك
المقال السابقصدى الصدى
المقال التالىلاتنتظروا خيراً من المعتوه ترامب
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. بوركت استاد عماد نعم كان مدربينا في الجيش هكذا وافخر باني تربيت على يد هؤلاء المدربين. ذات يوم قبل سنين مضت عملت كمتطوع في مركز للاجئين في بلجيكا فسئلني مدير المركز مرة بعد ان توطدت علاقتنا :
    رياض هل خدمت في الجيش سابقا؟
    فقلت له نعم
    فابتسم باحترام وهو ينظر الى عيني صامتا.
    فسالته: سيد باتريك هل ممكن ان اعرف مقصد السؤال ؟
    فقال لي: من اول لحظة انتبهت على ضبطك سواء درجة احترامك للاكبر منك وظيفيا او الاصغر منك ويحتاج مساعدة ومطاولتك في العمل وايضا مشيتك وتصرفاتك داخل المركز بل حتى خارجه.
    فابتسمت فقلت له لكني اعتبر نفسي تركت الجيش منذ سنين طويلة ولم اعد احمل تلك المواصفات فقال: لايمكن لك وان حاولت ان تنساها فلن تستطيع وانا اراها في تصرفاتك ثم تابع بالقول ” اني اردد دائما بان التربية العسكرية هي من تصنع الاجيال والرجال لا غيرها انظر الى شبابنا كيف هم بلا شخصيات و لامطاولة ”
    فسالته طيب كيف عرفت ان التربية العسكرية هي مصدر ذلك ؟
    فاجاب: لقد كنت انا ضابطا في الجيش يوما.

    موضوع جميل كالعادة استاد عباس
    تحيتي

اترك رد