قراءة تحليلية في خطاب للرئيس الامريكي دونالد ترامب ج٢


 

الاقتصاد الامريكي ضمن مفهوم امريكا اولا
ما عرف عن ترمب انه صاحب عقلية اقتصادية متوهجة وفاعلة , ومنه ركز في برنامجه القادم على كيفية النهوض بالاقتصاد الامريكي , وجعله من اولى اولوياته , وحتى يستطيع من ذلك , كان لابد من ان ينهي الملف الذي فتحه من سبقه في ” الاطاحة بالانظمة الشمولية وفسح المجال امام الجماعات المسلحة للتمدد وصناعة دول كارتونية تحتل مساحات من دول اخرى ذات سيادة وعضوة في المنظمة الاممية , انها ” دولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام ” , لذا فقد شدد بخطابه الاخير على اغلاق هذا الملف من خلال القضاء نهائيا على ما اسماه بـ ” الاسلام المتشدد ” , فيقول , ” سوف نعزز التحالفات القديمة ونشكل تحالفات جديدة ونوحد العالم المتضرر ضد الارهاب الاسلامي المتشدد الذي سنستأصل شأفته من على وجه الارض ” .
واما كيف ؟ , فهو حسب رؤيته سيعمل على تعزيز تحالفاته القديمة وستكون الافاق رحبة لتحالفات جديدة يستطيع معها من استئصال شأفة الارهاب نهائيا . ومعنى هذا ان لاتغيير سيطرأ على تحالفات الامريكيين السابقة , اي ان تحالفه مع دول الخليج والسعودية ستبقى على حالها , لكن علينا ان نتذكر ان تلك التحالفات ستكون خاضعة لاطر جديدة ضمن مساحات تفترش ارضيتها الاملاءات وشروط عدة .. فترامب وحسب العديد من التصريحات التي خرج بها الى وسائل الاعلام , قالها وبصراحة , من ان حماية امريكا لدول الخليج ماعادت بالمجان ولن تكون دون مقابل , سنأخذ منهم النفط , وسنعزز صناعتنا من خلال اعطاء الاولوية للعقود للشركات الامريكية , حسب قوله , ولا نظن ان العراق سيكون بمنأى عن سياسية ترامب الجديدة في الاستحواذ على النفط مقابل اعطاء صك الحماية له , وهنا يبرز السؤال التالي : ماذا لو رفضت السعودية وبقية دول الخليج هذا العرض الامريكي ؟ ماذا لو اتخذ العراق ذات الموقف بالرفض على حكم الوصاية والابتزاز ؟ , فكيف ستكون ردة فعل ترامب , وماهية الخطوات اللاحقة التي سيقوم بها بعد ذلك ؟ .

ترامب الذكي عرف كيف يدق على وتر مايشعر به الامريكيون من غصة وتفاقم لمشاكلهم الاقتصادية , لذا راح يحاكي معانتهم بالتلويح بإصل المشكلة ومن ثم اوجد لها الحلول , يقول ترامب بهذا الصدد وضمن ذات الخطاب , ” لعقود طويلة كنا اغنينا الصناعات الخارجية على حساب الصناعة الامريكية وسمحنا بالاستنزاف المحزن لقواتنا المسلحة , دافعنا عن حدود بلدان اخرى بينما رفضنا الدفاع عن حدودنا ” . مضيفا , ” انفقنا مليونات الدولارات في الخارج بينما البنية التحتية الامريكية تراجعت الى الوراء وتحتاج الى الاصلاح , لقد جعلنا بلدان اخرى غنية بينما غنى بلادنا وثقة بلادنا تراجعت وراء الافق , واحدا واحدا المصانع اغلقت ابوابها وتركت الولايات المتحدة من دون اي تفكير بشأن الملايين والملايين من العمال الامرييكييين الذين تركوا وراءا , والطبقة الوسطى نزعت منها بيوتها ووزعت على جميع انحاء العالم , ولكن هذا هو الماضي , والان نحن نتطلع فقط الى المستقبل ” .

لاريب ان من اولويات ترامب التي وضعها نصب عينيه من خلال قراءة جمله , هو ازاحة التعاملات التجارية الصينية من البلاد بالدرجة الاساس , والعمل على تحجيمها , فالمنتجات الصينية تغزو امريكا , لعاملين ” التكلفة وجودة المادة ” .
وهنا لنذكر بما كشفت عنه وزارة الخزانة الامريكية بتقريرها في 16 مايو \ ايار 2016 عن حاملي قيم اكبر السندات الامريكية كدين في الخارج لتعلن ان الصين تقف في مقدمة تلك الدول بدين خارجي على الولايات المتحدة الامريكية بقيمة سندات وصلت 1.244 ترليون دولار ثم تلتها اليابان بقيمة دين 1,137 ترليون دولار , وذكرت الوزارة ايضا في بيانات الدائنين للولايات المتحدة ,دول الخليج الست (السعودية، الإمارات، الكويت، عمان، قطر، البحرين) مجتمعة تحمل سندات خزانة أمريكية تبلغ قيمتها 231.1 مليار دولار فقط رغم امتلاك هذه الدول لأكبر الصناديق الاستثمارية السيادية في العالم، ورغم الأنشطة الاستثمارية الواسعة لهذه الدول في العالم. وبحسب وكالة “بلومبرغ” فإن السعودية تحتل المرتبة الأولى خليجيا من حيث حجم الاستثمارات في السندات الأمريكية، إذ بلغت بنهاية شهر مارس/آذار 116.8 مليار دولار، تليها الإمارات باستثمارات 62.5 مليار دولار. واحتلت الكويت المرتبة الثالثة باستثمارات 31.2 مليار دولار، بينما جاءت عمان في المرتبة الرابعة (15.9 مليار دولار). وفي المرتبة الخامسة والسادسة جاءت قطر والبحرين باستثمارات بلغت 3.7 مليارات دولار و1.2 مليار دولار على التوالي.

من هنا يتضح حجم التحدي امام ترامب , فمقدار الترليونات الغاطسة في تعاملات امريكا التجارية مع تلك الدول حتما ستجبره ليفكر الف مرة قبل اتخاذ اي قرار ينكأ العلاقة التجارية مع تلك الدول , ولذا فمن المنتظر بعد هذا ان يقوم الرئيس الامريكي بمراجعة قانون جيستا ضد السعودية , يرافقه الضغط من جانب اخر بفرض اموال وعقود تجارية من اجل استمرارية الحماية , فالبعبوع الايراني موجود وسيكون حاضرا في الطرح امام المسؤولين السعوديين , وتبقى الصين العثرة الاهم في تنفيذ سياسته المتوخاه , وربما وتر تايوان سيحسن العزف عليه ؟ .

السين والسوف .. والامل الذي وعد به ترامب الامريكيين
الوعد بغد مشرق لامريكا تستعيد فيه مجدها وعظمتها ضمتها ال ” السين والسوف ” في خطاب سيد البيت الابيض القادم , وفيما لو حللنا جميع ماذكره من استعادات , يظهر مدى التهاوي الذي اصاب مكانة امريكا وقوتها , وفشلها من ان تجعل الشعب الامريكي اكثر امنا ورفاهية ؟ . يقول ترامب : ” امريكا ستبدأ الفوز من جديد , الفوز بطريقة لم نشهدها من قبل , سوف نستعيد وظائفنا سوف نستعيد حدودنا , وسوف نستعيد ثروتنا , وسوف نستعيد احلامنا , سوف نبني طرقا جديدة وطرق سريعة وجسور ومطارات وانفاق وسكك حديدية في كل انحاء بلادنا العظيمة , وسوف نبعد شعبنا عن الخدر الاجتماعي ونعيده الى العمل وستعود امريكا من جديد في ايدي العمال الامريكيين وسوف نتبع قاعدتين بسيطتين , اشتري منتجات امريكية ووظف عمال امريكيين ” .. هنا كانت رسالة ترامب للصينين حينما حدد ان عودة امريكا على ايدي العمال الامريكيين ستكون وفق قاعدة (( اشتري منتجات امريكية ووظف عمال امريكيين )) .

وحتى يزيد من حماسة الامريكيين ويقطع دابر المشككين كونه سيكون بمقدوره النجاح وتنفيذ وعوده , بولادة الفية جديدة تستطيع من خلالها امريكا من الكشف عن غموض الفضاء , وتحرير الارض من البؤس وجمع الطاقات , واعتمادا على قوة وروح امريكا , فبادرهم بالقول : ” الوقت للحديث الفارغ انتهى والان جاءت ساعة العمل . لاتسمحوا لاي احد ان يقول لكم ان هذا الشيء لايمكن تحقيقه , لايوجد تحد يضارع القوة وروح امريكا , بلادنا سوف تنتعش من جديد ونحن نقف في لحظة ولادة الفية جديدة ومستعدون للكشف عن غموض الفضاء وتحرير الارض من بؤس الامراض وجمع الطاقات , طاقات الغد ” .

العمل على وئد مابدء يظهر من امراض العنصرية
لم يغب عن خلد ترامب ما بدء يظهر مؤخرا في استعادة الانقسام المجتمعي وفق اللون والعرق , خصوصا وابان حملته الانتخابية ظهرت مجاميع ترتدي الزي الابيض مع اقنعة بيضاء هرمية الشكل تغطي جميع الرأس ما خلا العينين , وهذا الزي كان يرتديه عناصر لمنظمات اخوية تدعى اختصارا KKK , كو كلوكس كلان (بالإنجليزية: Ku Klux Klan) , وهو اسم يطلق على عدد من المنظمات الأخوية في الولايات المتحدة الأمريكية منها القديم ومنها من لا يزال يعمل حتى اليوم. تؤمن هذه المنظمات بالتفوق الأبيض ومعاداة السامية والعنصرية ومعاداة الكاثوليكية، كراهية المثلية وأخيرا بالأهلانية. تعمد هذه المنظمات عموما لاستخدام العنف والإرهاب وممارسات تعذيبية كالحرق على الصليب لاضطهاد من يكرهونهم مثل الأمريكيين الأفارقة وغيرهم – وكيبيديا .
وهذا ماحدا بالرئيس ترامب من ان يرسل رسالته الى هؤلاء مع انهم كانوا من مناصريه في حملته الانتخابية , ان توقفوا فقد انتهت اللعبة , وها انذا رئيسا لجميع الامريكيين , وهي جاءت كرسالة تطمين ايضا للملونين والسود من الشعب الامريكي , فخاطبهم بقوله : ” الفخر القومي الجديد سوف يرفعنا ويسمو بنا ويرقى فوق انقساماتنا , حان الوقت للتذكر ان كل الحكمة التي يتذكرها الجنود سواء كنا سود او من لون بني او ابيض كلنا ننزف نفس الدم , الدم الاحمر دم الوطنية , نحن جميعا نتمتع بالحريات العظيمة ونحن جميعا نحي العلم الامريكي العظيم , وسواء ولد الطفل في احياء دترويت او بسهول نبراسكا انهم يتطلعون الى نفس السماء في الليل وياؤون قلوبهم بنفس الحلم وهم من منحو نسمة الحياة من نفس الخالق ” .
وبعد هذا الخطاب كان ترامب حدد مسارات السياسية الامريكية الداخلية منها والخارجية , وبقي السؤال مطروحا , هل سيكون باستطاعة ترامب المضي قدما في تنفيذ برامجه وما وعد به الامرييكين ؟ وهل ان فعلا سياسيته الخارجية ستطوي مرحلة التشدد الاسلامي المتمثل بداعش والقاعدة باستئال شأفته وخلاص الدول من اراهبهم المقيت ؟ , المستقبل سيحكي قصصه بلا شك .

لا تعليقات

اترك رد