الإيَدَيَوّلوّجَّيا أفسَّدّت الدّيْن, وَمَثّلت بُجثَّة الضَمْيّر


 
الصدى-الأيديولوجيا افسدت الدين

يُمثل الدين _ بلا شك _ الجانب الروحي والرمزي والقدّاسوي في حياة البشرية أجمْع؛ وهو عامل توّحيد الشعوب خصوصاً تلك التي تتفرّد بخصوصية _ كالإسلام الذي يتفرّد بكونهُ دين عبادات ومعاملات، دين تقارب لا تفرّقة _، وبالتالي فالدّين _ والإسلام _ يجب أنْ يبقى دين بمعناه القُدّسي الوقور؛ وتقوّيه عوُدهُ ومُمْانعة عملية انقلابه الفكري، فهّو دين وليس دنيا، وبالتالي يجب أنْ يُحافظ على خصوصيته من عمليات التوّظيف السلبي له، والزّج به في معارك الدنيا وخُبث السياسة ولوّثة الإيديولوجيا.

ولا يمكن له أنْ يتحوّل إلى أيديولوجيا ملوّثة, أو سياسة تحمل كل معاني الرّجعية والكذب والخديعة, لأن الدّين أكبر من أنْ ينحدّر للمطّامع الدنيوية القائمة على ثقافة الديكور (التدّين الشعبي) والتي تنطوي على فعل الخُبث والنْصب والاحتيال والارتكاس الى الفعل المُشين, لأن الدّين أسمى الغايات, وأنبل القيّم؛ والإيديولوجيا برغم ما تدعيه من نُبل ونقاوة وطهّارة فهي أسوى الوسائل والأساليب المُتبعة والرخيصة من أجل حصد أوسمة ثمار السلطة والمال والنفوذ, فما هي تلك الإيديولوجيا المُفسدة للضمير الحيّ والملوثة للعقل البشري؛ وكيف لها أنْ تتلطخ بالشبّق المُحرم ؟؟

أن الدين هو العقيدة السليمة والموّحدة لكل الطوائف والاقوام والمراجع والمذاهب, بينما الأيديولوجيا فهي لا تعدو أنْ تكون مجرد مُعتقدات (أو اعتقادات) دينية ذو صُبّغة حزّبية, تُمثل جانب من المسلمين غالباً ما تكون ضد الفئات الأخرى, وهي على الأغلب الأعم تكون مُجرّدة من القدّاسة _ ما خلا تصوّر زبانيتها _, وتحمل في طياتها أفكار دنيوية ذات صبغة سياسية أو ما يراه البعض صبغة سياسية, فيرى إنها معتقدات سياسية مُلتحْفة بفرّاء الدين وعمامتهِ.

لأن الأيديولوجيا تحمل نزّعة أحادية تُريد العُنْف سبيلاً ومآلاً، وتعوّل على الصراع كثيراً في حسم قضاياها, وتعتبر الحروب الأهلية طاولة حوارها مع الأخر، وإنْ كان الصراع قد تطلب استدعاء الدين وحضوره في مشهد المواجهة وعلى أرض المعركة, لأن حقيقة الصراع _ بلا شك _ هو من أجل السلطة والنفوّذ إليها وليس الاختلاف الثقافي والعقائدي؛ أو حُباً للعقيدة أو من أجل الله , لهذا يُستدعى الدين ليس بما هو عقيدة ومذهب وإنما بما هو وسيلة وعاطفة مُفرّغة ونزّعة مُتزّمتة؛ وعامل (أفيوني) مُخدّر للعقول ومُنشّط لخلايا التحرّيض والعنف الأصوّلي (المُسلح) بالسلاح العقائدي لتحقيق مآرب الإيديولوجيا من خلال امتطاء صهوّة الدين, مما يحقق إفساد الدين من أجل علو شأن الإيديولوجيا, وهنا تتحقق هزالة العقل العربي وتلوّث الفكر وتحوله الى كفر (!), وصّعود نجم الإسلام السياسي الذي ترفده مُغذّيات الطائفية والعنف والراديكالية؛ ليُشكل بذاته عامل مُساعد لدعم الأيديولوجيا لوجسّتياً في مشروعها السياسي المنبثق من نافذة الدين أو من ثقوب الأبواب المقفلة للدين؛ وهو ما يتبلوّر في صورة الفكر الأسود لداعش التي تُريد صبغ العالم بالنعيب!!

والنتيجة لذلك تؤكد لنا دنيوية العنف والطائفية وليس دينيتها أو أنها من الدين, وإنما على العكس فهي من أيديولوجيا الدين, ومن السياسة التي تُمارس باسم الدين, والعيّب في ذلك يُكمن في راكبي موّجة الدين وليس في الدين ذاته, بينما تكون الايديولوجيا في قعرها, وفي مُقدمة الحضيض, بمعنى إنْ الدين صار ضحية الأيديولوجيا, وافسدته ومثلت بجثة الضمير الانساني العربي, ولقَنْتهُ درساً في هتك الحُرمات واستباحة الشرّف؛ بأفكار القتل المجاني والفكر الأسود الظلامي لداعش وجنودها الهاربين والمقاتلين ضد الله من أجل فنتازيا دولة مبنية على تفسيرات الموّتى!!

وبالتالي فالإيديولوجيا ليست سّيرورة تاريخية للدّين؛ وليس من الدين أو الإيمان العقدي، وإنما هي مُنبثقة من عباءة الفكر الإسلامي الذي تعرّض لعمليات تشوّيه في المناطق الحساسة من هيئتهِ، حتى أصبحت السياسة مُفضلة على الدين، والأخير تابع وذليل للدولة على طول تاريخ الدولة العربية الإسلامية حتى اللحظة؛ والأيديولوجيا يُنظر إليها بأنها الحبل السرّي الذي يربطنا بالسماء؛ ومن ثم أصبحت الإيديولوجيا نائبة عن السماء ووكيلة الرب لشؤون الحُكم؛ وهو مالا يمكن قبوله بالمرّة لأمرين: إنقاذ الدين من حضّيض السياسة أولاً؛ وعودة هيبة الدولة إلى الواجهة بدّل من عوّدة الدين على طريقة الأصولية الدينية الرّاديكالية التي تتوضأ كل يوم بدماء أبناءها ومواطنيها الأبرياء من المحيّط إلى الخليج.

 

لا تعليقات

اترك رد