الطفل والخيال .. في مسارح الوطن العربي ..بين اسقاط الذات والواقعيه الخياليه – ج١

 

تعتمد معظم روائع أدب الأطفال على الخيال، فالخيال هو أثمن هبه أعطتها الطبيعة للأطفال وهو خيال واسع، أوسع من خيال الراشدين وأخصب. وإذا قيل انه لاحدود للخيال فأنه عندما يهتدي المؤلف إلى موضوع قصته فأنه يخضع لمنطق معين ويضع لفكرته الحدود التي تجعلها مقبولة لدى الأطفال .
وقبل الحديث عن الخيال نود القول إننا لانقصد به ذلك الخيال الذي يباعد بين الطفل والمشاكل الحقيقية التي يتميز بها عالم اليوم ، كما إننا نفهم الخيال على انه مايناقض الواقع ومن ثم يمكن القول ( إن القصص الخيالية هي التي تشتمل كائنات لاواقعيه والمقصود بالكائنات اللاواقعيه هنا لاهذه الكائنات فقط وإنما طريقه سلوكها أيضا هناك مثلاً حيوانات عاقله تفكر وتتكلم سواء أكان ذلك في مجال القصة أو في العروض المسرحية وهذا ماشاهدناه في الكثير من عروض مهرجان مسرح الطفل وعروض المسرح المدرسي فقصص الأطفال الواقعية تصف أشياء موجودة يستطيع إن يراها كل شخص وتستطيع تجسيدها على خشبه المسرح ( كالأسد ، الأرنب ، الثعلب ……..الخ ) إما القصص الخيالية فتعبر عن عالم الرغبات عند الطفل رغبه في أن يشارك الحيوانات حياتهم والتحرر من الجاذبية والتخفي وتغيير حجمه وتحويل العالم حسب هواه ، وما تلك الرغبات والتحرر سوى أحلام الإنسان الكبرى كما تعبر عنها ( د. سامية احمد ) هكذا لاتعبرالقصص الخيالية عن الواقع المحسوس وإنما عن واقع أخر نفسي ويكمن جوهرها في جو يتميز بتداخل الحلم والواقع تداخلاً يزيل كل الفواصل بينهما ، وهنا لابد من معرفه بعض الملاحظات عن نفسيه الطفل :- أولهما انه من سن معين يبعث الحياة في كل مايلمسه ( الحيوانات ، النباتات , الأحجار ، اللعب ……..الخ ) ثانيهما انه يتحد اتحاداً وثيقاً مع البيئة المحيطة به وبالتالي ينظر مأخوذاً إلى التحول التي تتم عن طريق السحر فلأنه يعلم إن الأشياء يمكن أن تتحول، ولأنه يجري إسقاطا لذاته على البطل ألذي يتحول إلى شيئاً أخر، يتطلع إلى أن يكون إنسانا أخر، هكذا يرضي الطفل حاجته إلى التهرب عن نفسه من وقت لأخر فتقديم العروض المسرحية الموجهة للطفل بين الكائنات والأشياء علاقة تتعدى منطق الكبار، لكنها ترضي حاجة الطفل النفسية، لذلك نقول علينا إن نفسح المجال أمام خيال الطفل لان تربية الخيال جزء لا يتجزء من التربية عامة فلولا الخيال ما توصل العلماء إلى ما توصلوا إليه اليوم .
صحيح إن العلم ثمرة الذكاء الإنساني وثمرة خياله ولا توجد مساحه كبيرة بين خيال العلم وخيال الرسام أو الكاتب المبدع ، ولو كان أجدادنا على قيد الحياة ونظروا إلى الحاسوب والأقمار الصناعية وعمليات صناعة القلب لقالوا إنها أمور سحرية خارقه . ومؤلفات الكاتب الفرنسي (جول فيرن) صاحب كتاب (حول العالم في ثمانين يوماً) اصدق مثال على ما نقول(1) المهم لابد من وجود نوع من الخيال يتناسب مع واقع عصرنا ومنجزاته العلمية .
إن خطاب مسرح الطفل جمالي شفاف في منطوقة وصورته فأي رسالة يجب أن ترسل إليه وأي صورة يجب أن تكون، هل نعيد عليهم حكايات جدتي وحكايات السلاطين والسعلوه والذئب والثعلب؟ لاباس أن تطرقنا لقصص الحيوانات على أن لا تكون هي كل القصص أما بالنسبة للصورة فإنها بكل بساطه تحتاج إلى الإنتاج لان مسرح الطفل في الوطن العربي في نظر المسؤولين وبعض الفنانين يأتي بالدرجة الثانية بالنسبة لمسرح الكبار ويعتقد البعض إن الخوض فيه يعد تنازلاً فنياً، علماً إن الصورة في خطوطها وتلوينها وإيماءاتها وأفعالها تحتاج إلى الحركة واللون والضوء ألتي تشكل في مجموعها عالم الإبهار كقيمة جمالية تشد الطفل إلى العرض المسرحي أكثر ما تحتاجه الحياة نفسها ذلك لان الطفل في كل مراحله العمرية يدرك تماماً اللعبة المسرحية فإذا وضعنا له شخصية الأرنب أو الفيل على خشبة المسرح من خلال الممثل ونستخدم الأزياء ترميزاً فقط فنضع أذنين على رأس الممثل ونقول هذا أرنب أو حمار أو نضع منقاراً فقط على انف الممثل ونقول هذا غراب أو حمامة فهو غير مقنع فانه يريد الأرنب ارنباً والفيل فيلاً.
علينا أن نحترم الطفل ومسرحة ونذكي في نفسه متسعاً من الخيال لأجل الاستجابة الممزوجة بالمتعة وتحريك الذهن ، فطبيعة التكوين الذهني للأطفال تؤشر ميلهم إلى الإشكال والكتل والتكوينات التي تنطوي على الإبهار الذي يشد انتباههم ويأخذ بمشاعرهم فأي عرض مسرحي لا يحلق بعيداً في الخيال فهو لا يثير مخيلة الطفل ، وهذا ما يؤكد عليه الفيلسوف الألماني (كادميرا) حين وصف الفن بأنه (نوع ذكي من اللعب )

لا تعليقات

اترك رد