المراثي في الشعر العربي

 
للفنان ا.د نصيف جاسم

إنـي مـلـلّـتُ وقـوفي كلِ آونـــــةٍ … أبـكي، وأنـظِـمُ أحـزانـاً بـأحـزانِ
إذا تَصَفَّحتَ ديـــواني لتَقَرأَني … وجدتَ شعرَ المراثي نصفَ ديواني

هكذا عبّر المرحومُ حافظ ابراهيم في قصيدةٍ وجدانيةٍ جميلهٍ ملؤها الحنينُ والشكوى اسماها “أرباعَ لُبنان” ، وليته قال “وجدتَ شعر المراثي جُلَّ ديواني” لكانت المبالغة أجمل من تحديدها بالنصف سيما انه يتكلم عن مشاعرَ لا تقاس بوحدة قياس.
وقد اعتبر الغالب من أهل الأدب ان شعر الرثاء شعر وجداني وقد بَوّبهُ بعضُهم ضمن هذا الباب وقد جاء ذلك في الكتب والمناهج الاكاديمية أيضاً على انه شعر وجداني، ولعل حافظ ابراهيم في هذا البيت اشار الى ذلك والمح اليه، وانما صُنفَ الرثاء وجدانياً لما فيه من لوعة الحزن والم الفراق، وذلك ما نراه جلياً في قول أبي ذؤيب الهذلي برثاء بنيه الاربعة الذين قضوا بالطاعون بقصيدة مشتهرةٍ مطلعها:
أَِمـَن ألمنون وريـِبـهـا تَـتَـَوجُع؟ … والدهر ليس بمعتب ِمن يجَزُع َََُُ
والذي اخذه وعكس معناه الشاعر العراقي معروف الرصافي فقال في تخميسته “الفقر والسقام”:
إن ليلي -ولستُ من راقديهِ- … كلما جـاءنـي وذكّـرنـيهِ
قلت -والدمعُ- قائِلٌ ليَ إيهِ … يا فقيداً أعاتبُ الموت فيهِ
ببكائي، وهل يفيد عتابي؟
ولابد لنا في هذا الموضع ان نعرج على مرثية ابن الرومي في ولده الذي فقده غلاما،ً حيث قال مخاطباً عينيه اللتين أمضّهما الدمع
بُكاؤكُما يَشْفِيْ وإنْ كان لا يُجْدِيْ … فَجودا فقَدْ أوْدَى نَظِيرُكُما عِنْدِي
بُنيَّ الــــــذِي أهدتهُ كَفَّايَ لِلْثـرَى … فَيا عِزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرةَ المَهْدِي
توخى حِمامُ الموتِ أوسَطَ صِبيتي … فللهِ كيفَ اخـتـارَ واسـطةَ العِقدِ
كذلك الابيات الخالدة لمتمم بن نويرة اليربوعي في اخيه مالك، وكان مالك بن نويرة من سادة بني يربوع من بني تميم، وذومكانة رفيعة بين العرب لشجاعته وكرمه وحسن رأيه
والتي يقول فيها :
لقد لامني عند القبور على البكا … رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فـقـال اتـبـكـي كـل قـبـر رأيـتـه؟ … لقبر ثوى بين اللـوى فالـدكـادك
فقلت له ان الشجا يبعث الشجا … فـدعـنـي فـهـذا كـلـه قـبر مـالك
ولعل الشواهد اكثر من ان يحويها هذا الموضع الضنك من المقال.
ويوجد في باب شعر المراثي من الاشعار ما لا يمكن حسبانه على الشعر الوجداني بالمرة، وان جاء في بعض منه مشبوباً بالعاطفة ، حيث اراه يجنح في جُلّهِ بعيداً الى المديح والفخر في الميت او في ذوي الميت كما في قصيدة المتنبي في اخت سيف الدولة اذا جنح لمديح سيف الدوله نفسِه وكذا في رثائه لجدته حيث مدح نفسه
كذلك المراثي العظيمة للخنساء في اخويها معاويه وصخر وهي شامخة في ديوان الشعر العربي كشاهد على هذا الباب من شعر الرثاء والتي البستها ثوب الفخر اذ تقول:
قذى بعينكِ امْ بالعينِ عوَّارُ … امْ ذرَّفتْ اذْخلتْ منْ اهلهَا الدَّارُ
حتى تقول
وإنّ صَخْراً لمِقْدامٌ إذا رَكِبوا … وإنّ صَخْراً إذا جاعوا لَعَقّارُ
وإنّ صَخراً لَتَأتَمّ الهُداة ُ بِهِ … كَـأنّـهُ عَـلَـمٌ فـي رأسِــهِ نـــارُ
ومن المراثي التي جاءت مديحاً ما قاله ابو الحسن الانباري في رثاء ابن بقية وهي من عيون المراثي وبديعها بل لعلها درس عظيم في شعر المديح سيما اذا عرفنا انه ارتجلها ارتجالا والتي يقول فيها
علوَّ في الحياة وفي المماتِ … لحقٌ أنتَ إحدى المعجزاتِ
كأن الناس حولك حين قاموا… وفــودُ نداك أيام الصلاتِ
كأنك قـائـمٌ فـيـهم خطيبــــاً … وكُـلـهـمُ قــيـامٌ لـلـصــلاةِ
فقد جاءت مديحاً صرفاً اذ لم يخاطب الشاعر الميت خطابَ الاحياء للاموات ، بل خاطبه خطاب الاحياء للاحياء وكأنه حاضر أمامه في مكانِه وزمانِه وهذا مديح مركب؛ إذ جعله حياً في وقته وفي ذكره الباقي في الناس من بعده
أيضاً أبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطائي
و قدْ كانَ فوتُ الموتِ سهلاً فردَّهُ … إليه الحـفاظُ المـرُ و الخـلـقُ الـوعـرُ
ونفسٌ تعاف الضيم حتى كأنه … هـو الـكفرُ يوم الروعِ أو دونَه الكفرُ
فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلَه … وقال لها من تحتِ اخمصِك الحشرُ
حتى يقول …
فتىَ ماتَ بينَ الضربِ والطعنِ ميتةً … تقومُ مقامَ النصرِ إنْ فاتَه النصرُ
كذلك المهلهل التغلبي في رثائِه لأخيهِ كُليب، وكُليبٌ هذا رجلُ تجاوزَ ظلمُه كل حد، فلا يوردُ الرعاةُ مورداً للماءِ حتى تصدرَ إبلُ كليب منه ولا يرعى أحدٌ في ارضٍ له، وقد بلغ الطغيان به ان يتجاوز بحماه الارض الى السماء فجعل للمزنِ وللغيمات حِميً حتى إذا اشارَ الى غيمةٍ جعلها مُلكاً له وحَرمَ على الناسِ من فيئِها ومائِها، والأعجبُ من حياة هذا الكليب مماتُه وما حدثَ بعدَه من العجائِبِ، حربٌ تمتد لاربعين سنة: تهجيرٌ ونزوحٌ وتحولٌ لقبائلَ من ارضٍ لأرضٍ، تفرقٌ الأحلافِ وتحالفُ الفرقاءِ والأعتى من ذلك كلِه يُقتل سيدُ قومٍ وابن سيدِ قومٍ بلا سببٍ ويكون قتله ثمناً لشسعِ نعل كُليب، ليس البسوس وتفاصيلها اريد هنا بل خطاب المهلهل لكليب في شعره اذ قال:
نُبـئتُ أنَّ الـنـارَ بعدكَ أوقدتْ … وَ استبَّ بعـدكَ يا كليبُ المجلسُ
وَ تكلموا في أمرِ كلَّ عظيمةٍ … لوْ كنتَ حاضر امرهم لمْ ينبسوا
وهذا من عجيب المعاني سيما اذا ما عرفنا انه قيل قبل البعث بما يزيد على مئة وخمسين عاماً ولا نزال نقرأه شعراً واضح المعاني سهل الالفاظ بيّن الدلالة، والجميل فيه انه المح للسامع ان كليباً غائب لعودة فجنح بالرثاء الى المديح من جانب واختار قافية يترك دوي ؛السين” فيها جرساً في الاذن ويثبّتُ المعنى في العقل والقلب.
وقد يأتي شعر المراثي شعر حكمةٍ وموعظةٍ كما ورد لأبي العتاهية يرثي عليَ بن ثابت :
وكانتْ في حياتِكَ لي عظٍاتٌ … وأنتَ اليوم أوعظُ منكَ حيّا
وفي نهاية القول لابد لنا من قراءة المراثي كلما وجدنا سبيلاً اليها فانها تهذب صَعْبَ النَفس وتُرِق الطَبعِ وتُوقظ ميتَ الاحساسِ فتعيد الروح الى انسانها والقلب الى عافيته .

لا تعليقات

اترك رد