احلام المهندس الزراعي


 

حين استعيد لمحات من طفولتي ، تنسل الى انفي رائحة (العنبر ) التي كانت تستقبلنا لدى زيارتنا لقرية اجدادي في وسط العراق ، فقد ارتبطت لدي صورة الريف العراقي باراض خضراء واسعة وانهار يفيض ماؤها خيرا على تلك الاراضي ومواش سمينة ووجوه وديعة وعاشقة لحياتها البسيطة ..

وشاءت الاقدار ان اسكن بعد زواجي في منطقة زراعية تقع في اطراف العاصمة ، ومن جديد ، ارتبطت لدي صورة الريف العراقي في تلك المناطق باراض تنتج اطنانا من الحنطة والشعير والخضر والفواكه سنويا تسهم في سد حاجة السوق العراقية الى المنتوج العراقي المفضل لدى العراقيين ..ومرت السنوات ، وارتدى العراق ثوب الديمقراطية التي وعدنا رجالها بتطوير العراق ودعم كافة مفاصله الحيوية فتخيلنا ازدهارا منتظرا للزراعة والصناعة والتعليم والصحة والثقافة وماالى ذلك ، لكننا شهدنا تدهورا سريعا في كافة تلكالمفاصل ومنها الزراعة فتحولت بساتين النخيل الى اشلاء خلفتها مجازر في الزمن الحاضر ومحرقة للنخيل في زمن الدكتاتورية ، وانسحبت الحنطة والشعير من الاراضي الخضراء لتصبح اراض جرداء محرومة من المياه ،وتم تجريف العديد من مزارع الخضر في محافظة كربلاء من قبل الاحزاب الحاكمة في المحافظة لتحويلها الى اراض سكنية تم توزيعها على من يدينون لها بالولاء ،وبالتدريج صار علينا ان نستورد مايسد حاجتنا من المحاصيل الزراعية من دول الجوار ودول اخرى ..

قبل أيام ، شهدت اراض زراعية في مناطق حزام بغداد عملية تجريف جديدة من جهات مجهولة وتحت اعين الحكومة لتحويلها الى اراض سكنية ، في الوقت الذي اعلنت فيه نقابة المهندسين الزراعيين خبرا سارا مفاده ان وزارة التعليم العالي وافقت على تغيير اسم كلية الزراعة الى اسم كلية علوم الهندسة الزراعية ..ولأني التقيت في احد تحقيقاتي الصحفية القديمة بعدد من خريجي كلية الزراعة واذكر جيدا مدى رغبتهم باعتبار مجال دراستهم فاعلا ومهما لما للزراعة من دور مستقبلي في تطور البلد وازدهاره ، فقد اسعدني الخبر لكن تغيير الاسم ليس كافيا ، ففي اغلب دول العالم يعتبر المهندس الزراعي عملة نادرة ويحصل على افضل الوظائف والاجور بينما يصطف لدينا المئات من خريجي كلية الزراعة في طوابير البطالة ، وفي اغلب دول العالم يتم الاستعانة بالعاملين في مجال الزراعة لاحياء الاراضي الزراعية وانتاج المحاصيل وتطوير نوعياتها بينما تعمد الحكومات لدينا الى اعدام الاراضي الزراعية ونفي العاملين في هذا المجال الى وظائف اخرى او مهن حرة او بطالة مهينة ..

ماكان سيحدث مثلا لوجرى اعادة تحديد المساحات الكبرى غير المستغلة او الاراضي الزراعية التي كانت مستغلة من قبل افراد النظام السابق واستولى عليها ابناء النظام اللاحق ، ثم توزيعها على الكم الهائل من الخريجيين الزراعيين وتزويدهم بقروض مالية من المصارف الزراعية للنهوض بالواقع الزراعي والحد من عملية الاستيراد وهدر العملة الصعبة واستغلالها بدلا من ذلك في تطوير العملية الزراعية في البلد خاصة وان جودة المحصول العراقي تجعله في مقدمة المحاصيل الزراعية في الوطن العربي والعالم احيانا …
ادرك ان مااقوله لن يتعدى كونه حبرا على ورق فعمليات التجريف واهمال القطاع الزراعي لاتجد لها رادعا والعلاقات مع دول الجوار تبيح استيراد كل مانحتاجه منها لينطبق علينا المثل القائل (خيرنه لغيرنه) ، لكننا سنأمل ان يحل اليوم الذي يصبح فيه المهندس الزراعي العراقي عملة نادرة داخل بلده وخارجه…

شارك
المقال السابقاقتصاد ديني.. بنوك مذهبية !!
المقال التالىتيران وصنافير …..
عدوية الهلالي من العراق ..كربلاء .. نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مختلف المجلات والصحف عراقية.. عملت كمحررة في صفحات المراة والمنوعات في صحف القادسية ثم مسؤولة اقسام المنوعات والتحقيقات في صحف الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق ومجلات( الاسبوعية ) و(نرجس) و(شبابنا) و(المرآة) ، كما ظهرت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد