لعنة النفط الخليجي في صناعة الإرهاب الاسلامي


 

هل يمكن لمجتمع غني بالنفط أن يكون مجتمعا ارهابيا؟. ام هل يمكن لمجتمع يضخ موارد ضخمة على التعليم والرفاه والتمدين أن يكون مولدا للعنف الديني والارهاب؟. أم هل يمكن لحكومات تدعي الوسطية وترفع شعار الإعتدال الديني أن تكون يوما من الأيام دول تحتضن عمليات الإرهاب الاسلامي؟.. بالتأكيد ذلك قد يكون مبالغا به او غير منطقي حتى، ولكنه يحدث فعليا في امارات الخليج العربي، تلك الدول المتهمة امميا بتمويل الارهاب الاسلامي والانفاق على داعش ماديا وعسكريا او بما تتضمنه مناهجهم التعلميمية من تطرف ديني وكراهية مذهبية أديا الي تزايد عمليات تمويل الارهاب بدعم لوجستي مادي ومعنوي في سوريا والعراق واليمن وليبيا وفي مختلف ساحات الجهاد الاسلامي بالوطن العربي وفي خارج المنطقة العربية.

قال المفكر عبدالله القصيمي في كتابه الكون يحاكم الإله “ليت النفط العربي لم يجىء الى العرب إن كان البديل ان يجيء اليهم العقل الخلّاق”. وهذا الإستشعار المبكر بفقدان أي قيمة انسانية وحضارية صنعها النفط في مجتمعاتنا مقابل فقدان مشاريع التنمية والنهضة، لم يأتي من فراغ او من تحامل على المواطن الخليجي، بل هو نتاج دراسات وملاحظات وحقائق علمية قدمتها العديد من المنظمات والمؤسسات الداخلية والخارجية بفشل التنمية وتراجع المجتمعات الخليجية في العديد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية. فدول الخليج وبعد اكتشاف النفط والغاز على أراضيهم، دفعت نحو التطور الاقتصادي والاجتماعي، منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي. وكان ذلك على المستوى الاقتصادي بشكل أكبر وأوحد غالبا، من حيث العمل على التركيز فقط على مورد النفط، أو على المستوى الاجتماعي من حيث الاهتمام بالتعليم والصحة وأنظمة الرفاه الاجتماعي بشكل ريعي خلاصته توزيع الثروة وليس بناء الانسان والمجتمع. فالأنظمة الخليجية مازالت أنظمة مشيخية قبلية يحمل بعضها بعض الانفتاحات الديمقراطية مثل الكويت والبحرين، الا ان جميعهم يفتقدون لهيكلية مؤسسية دستورية تطال الحاكم ورئيس الدولة من التغيير والتجديد ناهيك عن رئاسة الوزراء او ولاية العهد. ورغم بعض أوجه التشابه بين دول المجلس من حيث الاعتماد على مورد طبيعي ناضب، النفط والغاز الطبيعي، إلا أنها تتسم بخصائص أخرى قد لا تكون متشابهة، وذلك من حيث التركيبة السكانية وقضايا التجنيس والبدون، ومدى أهمية العمالة الوافدة، ودرجة التنوع في مصادر الدخل غير النفطي، والمشاركات والاتفاقيات الاقتصادية مع الدول الغربية.

فإذا كانت دول الخليج غنية بالنفط، إلا أنها بالمقابل فقيرة جدا في مجالات اقتصادية عدة. فهي لا تملك قواعد اقتصادية متنوعة ولا تتحقق أي خطط يصنعونها للتنمية على أرض الواقع ولا تتمتع بكفاءات بشرية وطنية متميزة. فمعايير التنمية الدولية تعتمد إلى حد كبير على عدد من المقاييس الاقتصادية والاجتماعية ولا تزال دول الخليج قاصرة عن اللحاق بها. ورغم ان السياسات الخليجية تهدف الي تحسين مستويات المعيشة وتوزيع الثروة من خلال برامج الدعم الاجتماعي وتحمل الدولة أعباء واسعة من تعليم وعلاج طبي وإسكان وتوظيف في القطاع العام، إلا انها بغياب صناعة الإنسان الحديث ساهمت في غرس قيم الريع والاتكال على الدولة في شكل شبه كامل، ولم يعد سهلا طرح مفاهيم جديدة مثل تعزيز الأعمال الفنية والمهنية، كالحدادة والنجارة والسباكة وغيرها، أو تحمل المواطنين جزءا من الأعباء التى تتحملها الدولة كفرض الضرائب وخصخصة قطاعات الدولة.

وبعد تفجر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الدول العربية، أتى بركان ثورات الربيع العربي ليطيح بنظم سياسية اتسمت بالدكتاتورية، وأساءت استخدام الفرص التنموية للنهوض بشعوب المنطقة ووضعها على مسار التقدم. وأمام هذه التغيرات لم تفعل دول الخليج لمواجهة تحركات الربيع العربي سوى شراء ولاء المواطنين وتفكيك بعض الإنغلاقات السياسية والاجتماعية ولكن ظلت ازمات ومشاكل الديمقراطية والوصاية الدينية والبطالة وتلاشي الطبقات الوسطى علامة واضحة تشكل تخلف دول الخليج سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، على الرغم من الثروات المادية والطبيعية التي تتمتع بها المنطقة الخليجية والتى بإمكانها صنع التغيير الثوري لصالح المواطن الخليجي ومجتمعات المنطقة.

والقضة الأهم، أمام هذه الإنتكاسات وهذه التراجعات الخطيرة في مجالي الاقتصاد والسياسة، إنتقال الفساد والرثاثة الي مجال التعليم والدين والثقافة كعوامل تشكل الحاضنة الرئيسية للنمط السائد من التفكير والسلوك والأخلاق..فلا يمكن بناء المواطن الخليجي بشكل متحضر انساني مدني، بينما مداميك الاقتصاد والسياسة تعاني من اختلالات فكرية وبنيوية تمنع التأثير على بناء الانسان. وكما هو معلوم، لا يمتلأ فراغ العلم والفلسفة والفنون في أي مجتمع إلا بحضور وهيمنة الجهل والاستبداد والقمع وهو ما حدث ويحدث فعلا في المجتمعات الخليجية.

فقد اصبحت دول الخليج اليوم متهمة بشكل مباشر بدعم الارهاب الاسلامي. ففي تصريح للسيدة كلينتون قالت ما نصه “حان الوقت ليمنع السعوديون والقطريون والكويتيون وأخرون مواطنيهم من تمويل منظمات متطرفة. يجب أن يكفوا عن دعم مدارس ومساجد متطرفة دفعت بعدد كبير من الشبان على طريق التطرف في العالم”. كما قال العديد من المحللين ان قانون فرانك وولف للحريات الدينية والذي صدر مؤخرا عن الكونجرس الأمريكي إنما جاء لمواجهة السعودية والمتهمة بقتل المواطنين وحبسهم بناءا على معتقداتهم. كما تم اتهام قطر الغنية بأنها تميل إلى التودد للحركات الإسلامية بدءاً من «حماس» في فلسطين إلى الميليشيات الإسلامية في ليبيا وصولاً إلى حركة طالبان في أفغانستان. فقد ذكر نائب وزير الخزانة الأمريكية ديفيد كوهين بأن قطر، على وجه الخصوص، تعطي “صلاحية سامحة” لتمويل الإرهاب. ولاحظ كوهين أن الرقابة القطرية متساهلة لدرجة أن”عدداً من من الممولين الذين يتخذون من قطر مقراً لهم يعملون كممثلين محليين لشبكات أكبر لتمويل الإرهاب مقرها الكويت.”. والكويت بدورها متهمة بتمويل بعض الفصائل الاسلامية في سوريا من خلال جمع التبرعات واتهام بعض الناشطين والجمعيات الخيرية والوزراء بعلاقات مباشرة بتمويل الارهاب الاسلامي. فقد قال كوهين أن وزير العدل وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية الكويتي السابق د.نايف العجمي لديه تاريخاً في تعزيز الجهاد في سورية. وأضاف كوهين امام مركز الامن الامريكي الجديد في محاضرة بعنوان «مواجهة التهديديات الجديدة في تمويل الارهاب» ان ايران ليست وحدها التي تقدم الدعم المالي للمنظمات الارهابية، مضيفا ان قطر وهي دولة حليفة للولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة طويلة تمول منظمة حماس الفلسطينية علنا وهي منظمة لا تزال تقوض الأمن في المنطقة.

بهذا، فشل النفط الخليجي في تنمية مجتمعاته حضاريا وأخلاقيا وتمدد الإرهاب الإسلامي بعد اساءة استخدام النفط لأغراض تنموية. فالعلة اليوم مع ثراء الدول الخليجية لا تكمن في بناء ناطحات السحاب او المدن الحديثة أو شراء الطائرات العملاقة، بل في الاهتمام بالمواطن انسانيا وحقوقيا وتعليميا. وهذا مالا يمكن حدوثه الا مع تبني دول الخليج معايير تنموية مختلفة عن الدين والشريعة والريعية، والتأكيد على أهمية الاعتماد على القدرات الذاتية البشرية والمالية وتوسيع دور القطاع الخاص، ومراجعة برامج ومناهج التعليم للحاق بالمستويات التي بلغتها عدة بلدان في الغرب أو شرق آسيا حين تبنت المنهجية العلمانية. فالدول الخليجية تحتاج إلى نموذج جديد للتنمية لا ينظر فيه للتقدم من منظور أمني بحت او مشيخي او قبلي، ولا ينظر فيه إلى التطور والحداثة من منظور منفعة السلع والخدمات والرفاه الشكلي، بل من منظوري القدرات الجوهرية والحداثة الكونية التي يتمكن من خلالها المواطن الخليجي أن يعيش حياة كريمة يشعر فيها بدوره الحقيقي في بناء مجتمعه.

1 تعليقك

  1. الاستاذ عبدالعزيز ارق تحية إعزاز . جمعت كل شتات الصورة المبعثرة في انحاء الخليج ونقمة النفط وقصور العقول ولكن ستفاجيء بان ما حدث هو سياسية بريطانية أمريكية صهيونية ممنهجة مدروسة بعناية بالغة سيرا لمخطط واحد وهو إختفاء مصطلح الشرق الأوسط من علي الخارطة وبأيدينا فلا شيء اسمه اسلام متشدد أنها صناعة وأن لم نجتمع سريعا علي مائدة التغير وبحزم وكلمة التغير معناها جمع شتات الوطن ولفظ المصطلحات الدينية بعيدا عن القموس وبحزم مثلما يقاضي من يرفع شعار رابعة وبمعني تعود أدراج عاصفة الحزم التي تستهلك موارد الوطن العربي في في النهاية لن ينسي اليمن ان من فعل هذا يد عربية . ليجتمع الكل لنبذ الارهاب جانبا ويجلس الجميع علي طاولة واحدة فلا وقت قبل أن يجتموا علي موائد الللأجين ووقتها أغلقت الأبواب حتي تصفية آخر جندي عربي . اليوم تسأل أين العقلاء قبل سؤالك من هم المتشددون . أنتظروني وتاريخ موثق عن نشأة الإرهاب والرهان القاسي وحقبة ما بعد إنتصار أكتوبر .

اترك رد