الفن من أجل اكتشاف الذات


 

يصور لنا جيمس جويس في سيرته الذاتية (صورة الفنان في شبابه)، كيف طرح مجتمعه الفاسد جانبا، وكيف طور نفسه ليصبح فنانا من الدرجة الأولى، فهو يشرح لنا نظريته حول انقطاع الفنان وإخلاصه لفنه وابتعاده عن الأحداث جعله أقل تعصبا وتحيزا، وهو يعتبر الفنان وسيطا بين عالمين، عالم مليء بالتجارب، وآخر حافل بالأحلام، وهو تبعا لذلك وسيط ذو موهبتين، إحداهما تعينه على الاختيار والانتقاء، والأخرى تمكنه من الخلق والإبداع. والتوفيق بين هاتين الموهبتين هو سر عبقرية الفنان.

ينبني مفهوم الإبداع لدى الفرد على السمات الشخصية التي قامت عليها حياته منذ طفولته، فالطفل منذ بداية وعيه بالعالم يحاكي الآخرين في كل شيء. وحسب فرويد فإن كل طفل وهو يلعب يسلك مثل الكاتب المبدع، وذلك لأنه يخلق عالما خاصا به، وإنه يعيد تنظيم الأشياء الخاصة بعالمه بطريقة جديدة تحقق له المتعة والسرور.

كما يعرف سيمسون المبدع بأنه الفرد القادر على التخلص من السياق العادي للتفكير، واتباع نمط جديد. وقد عبر آرون كوبلاند (Aaron Copland) في كتابه “الموسيقى والخيال” قائلا: «إن السبب الذي يدفع الإبداع إلى التجدد باستمرار هو –كما يبدو لي- أن كل عمل جديد يحمل معه عنصرا لاكتشاف الذات، علي أن أبدع لكي أعرف ذاتي، ولكن مادامت معرفة الذات بحثا لا ينتهي، فإن كل عمل جديد ليس إلا جزءا من الجواب على السؤال: “من أنا” ويبعث كل مرة على البحث من جديد عن أجزاء أخرى من الجواب»(1).فالمبدع يسلك متاهة الإبداع قاطعا مراحلها المليئة بالتوترات والنشاطات الذهنية والنفسية ليبحث عن هويته، فمن رأي بيكاسو أن العمل الفني مهم فقط من حيث أنه انعكاس لشخصية الفنان، ومن هذا المنطلق فإنه يتعين على العمل الفني هذا أن يعبر عن صاحبه لا أن يفسره، لأنه انعكاس لسمات أخلاقية وإنسانية في دواخل المبدع. ولذلك يقول بوريس باسترناك (Boris basternak): « إن الرجل الشرير لا يمكن أن يكون شاعرا عظيما».

وعرف ماسلو (Maslow) الإنسان المبدع بأنه من يصل إلى تحقيق الذات. وأردف الباحثون على هذا أن المبدعين هم المتكيفون بصورة حسنة من جميع الجوانب مع الحياة بصورة إبداعية. وهناك سمات عقلية يجب أن يتميز بها الفرد المبدع، أهمها الطلاقة والمرونة إلى جانب سمات وجدانية التي تؤثر في الإبداع وتحدد مساره.

من جهة أخرى يشترط الدارسون في مجال الإبداع توفر حد أدنى من الذكاء الذي يختلف حسب مجالات الإبداع. أما الاستيعاب فهو غير كاف لبروز عقل مبدع، ويمكن أن نلمس هذا عند أولئك الذين يحققون درجات ممتازة أثناء حياتهم الجامعية في استيعاب المعلومات، لكنهم لا يقدرون على إنتاجها.

اعتبر فرويد الفنان إنسانا محبطا في الواقع، ولأنه تعوزه الوسائل الضرورية لإشباع رغباته، فهو يحققها على مستوى الخيال، فالحرمان ينشط الإبداع، ويؤجج جمرة الخيال، لذلك نجد المبدع يعمل على تشذيب هذه الانفعالات الوجدانية ويهذب الأفكار والغرائز المكبوتة، ويحولها إلى تمظهرات مقبولة اجتماعيا، وهذا ما يطلق عليه فرويد بالتسامي. وفي تحليله أيضا يؤكد أن المبدع يتخلى عن إشباع رغباته المتعطشة، ويرخي العنان لخياله لكي تكون المحور الأساسي في إذكاء العمليات الإبداعية.

والحرمان – حسب داركوليدس- يذكي الخيال، كما أن الارتواء يضعفه، وقد تأفل الملكات الإبداعية وتضعف المهارة الفنية للمبدع متى أصبح في يسر ودعة. ويرى أن الحب هو المخصب الفذ للإبداع الفني. ولكن الحب الذي يخصب الإبداع هو الحب الذي لا يرتوي، وهو يرى في قول بلزاك: «كل امرأة تنام معها فهي رواية لم تكتب» قولا صحيحا(2).

كما يتميز أغلب المبدعين برهافة حس شديدة، إذ يتأثرون لأدنى تصرف أو سلوك يخالف طبيعة تقبلهم للأشياء وفهمهم للأمور، يقول بيتهوفن: «إن لي نفسا تبلغ من شدة التأثر أن أيسر أمر من الأمور يدخل فيها الاضطراب ويقلبها رأسا على عقب». ويضيف الروائي الفرنسي ستاندال: «إن الحساسية تلتهمني التهاما، فما يمس الآخرين مسا يجرحني أنا جرحا وينـزف دمائي».

ويشترك المبدعون في خصائص سلوكية ومعرفية، مثل حب الاستطلاع والانفراد بالعمل الجيد، واستخدام جميع الحواس في الملاحظة، يتميزون أيضا بذوق رفيع في ميلهم إلى الفن والجمال، كما أنهم ينجذبون إلى الأمور الجديدة والمعقدة، ولهم قدرات عالية على التخيل والاستعداد الكلامي، كما يؤكد الدارسون على أن المبدع ينفرد بقدرة كبيرة على التحليل والتركيب والتقييم وبعد الرؤية، ويتميزون بالتفكير المجازي، وبمقدورهم رؤية أكثر من وجهة للمشكل. ويرى فريمان (Freeman) أن التميز اللغوي والمعاناة الاجتماعية من خصائص المبدعين. ولابد للمبدع أن تكون له قدرات ومهارات إبداعية متميزة، وهي سمات يجب أن تتسم بالطلاقة والمرونة، أي أن تتعدد الأفكار التي يمكن أن يأتي بها المبدع، شرط أن تلائم مقتضيات البنية، وأن يضيف جديدا وفق متطلبات معينة.

الهامش:

1-Anthony Storr (1972): Les ressorts de la création, traduction française: Yvon Geffray, Edition Robert Laffont, Paris, 1974.
2- مكرم شاكر اسكندر، أدباء منتحرون، دار الراتب الجامعية، بيروت، 1992

لا تعليقات

اترك رد