اقتصاد ديني.. بنوك مذهبية !!

 

تناقلت وسائل الاعلام قبل ايام نبأ وفاة الامير السعودي محمد بن فيصل والذي عرفته علي انه الاب الروحي و راعي البنوك الموصوفة بالـ”اسلامية”، وكانت قبلها ومع تباشير العام حملت نبأ موافقة السلطات المغربية علي منح خمسة بنوك خليجية رخص لممارسة نشاط الصيرفة وخدمات البنوك “الاسلامية”..

المملكة المغربية ليست بدعا في هذا المجال فثمة دول شرقية وغربية حتي منحت او تفكر في منح هكذا رخص؛ تلك الانباء تمثل مناسبة لبحث تجربة الاقتصاديات والعمل التجاري الموصوف بالـ”الاسلامي”.

يزعم البعض ان تجربة البنوك الاسلامية هي تجربة ذات قيمة اقتصادية “نظرية” و أنها “ترياق” لأمراض الاقتصاد الرأسمالي و أزماته ومتقدمة حتي علي البنوك التقليدية!! لكن هذا القول لا يدعمه أي سند .. صحيح ان المقدرة النقدية التي يمكن ان تقف خلف هكذا نشاط هي مقدرة مهولة لكن هذا لا يعني انها مجدية لمجرد دعم قطاعات واسعة لها، فأولا النشاط المالي ينبغي ان يستند علي الجدوي الاقتصادية فقط وليس علي اعتبارات دينية أو مذهبية، فاستغلال “الايقوانات” والاسماء ذات الصبغة الدينية في النشاط التجاري ليس محبذ بل ممنوع بموجب أغلب القوانين في الدول الحديثة.

ثم ان التجربة العملية في الخليج التي شهدت تجارب باكرة للصيرفة الاسلامية بنك دبي الاسلامي (1974م) ومصر والسودان التي تأسس فيها بنك فيصل الاسلامي (فيصل هو والد الامير المشار اليه آنفاً) في اوخر عقد السبعينات من القرن الماضي؛ لم تكن مبشرة بل قادت الي احتقانات اقتصادية ومالية..

نظرية الاقتصاد والبنوك الاسلامية وكذا شركات التأمين هي احدي اطروحات جماعة الاخوان المسلمين وسائر الحركات الاسلامية التي لقت رواج كبير ودعم اكبر لإعتبارات دينية وسياسية (دعم خليجي لحركات الاسلام السياسي) دون ان تجد بالمقابل حقها من الدراسة النظرية التي تواكب نشأتها أو التي تتابع مسيرتها لتمحصها وتختبر مدي مصداقيها العلمية النظرية والاخلاقية..
بدأ الإسلاميون البحث عن دولتهم المنشودة والمتخيلة فلم يجدوا لها ما يميزها عن نظريات الدولة الحديثة السائدة؛ فركنوا فقط لتمييزها بصفة “الإسلامية” التي قرونها في مؤخرة كل مصطلح أو مسمي معاصر فكانت (الدولة الاسلامية، الاقتصاد الإسلامي، البنوك الإسلامية، الدستور الإسلامي..الخ)،

السؤال هو: هل للإقتصاد في الديانة الاسلامية أو المجتمع المسلم سمات محددة مختلفة تجعل منه فرع مستقل وقائم بذاته ؟ عند اكتمال نزول الوحي لم يكن الاقتصاد كعلم قد تشكل بعد، كما لم تكن الدولة الحديثة التي تحوي حياة مجتمعات وطبقات مختلفة ذات انشطة متباينة.. قد ظهرت للوجود، فما كان معروف حينها هو المجتمع ذي الأنشطة البسيطة لذا وجدت قواعد مبسطة تحكم المعاملات التجارية “البيوع”.
ان الذين نظّروا للإقتصاد “الإسلامي” لم يجهدوا انفسهم لتقديم عمل متكامل يجعل من الإقتصاد “الإسلامي” فرعا جديرا بالدراسة أو التأمل، فقد نظّر له “الاقتصاد/الإسلامي” بعض الاقتصاديين الذين درسوا الاقتصاد علي النسق الحديث/الغربي، ولكونهم ينتسبون للأخوان المسلمين تحديدا طفقوا يحدثوا الناس عن اقتصادهم “الاسلامي” المزعوم وصادف ذلك الحديث هوي لدي جماعات في الدول “الاسلامية” الثرية بفعل طفرات النفط فتم تمويل هذا الاجتهاد الفطير فرأي النور بقوة المادة (المال) وليس قوة المعرفة والعقل والعلم.
فمنظروا الإقتصاد “الإسلامي” لم يقدموا مقابل لمصطلحات علم الاقتصاد )الناتج القومي، الدخل القومي، الناتج المحلي، دخل الفرد، التضخم، الكساد، الركود، السياسات المالية والنقدية، موازين المدفوعات، الميزان التجاري، العجز، السوق الحر، التخطيط المركزي، املاك الدولة، الملكية الفردية..الخ( حتي يكون لإجتهادهم قيمة!! هم لم يبينوا الاساس الذي يقوم عليه فرع الاقتصاد الاسلامي “كفرع من علم الاقتصاد او نظرية من نظرياته”: هل هو قائم علي مبدأ ان المال “مال الله” والدولة مستخلفة فيه!! ام انه “مال المسلمين” والدولة نائبة عنهم؟؟ وهل ثمة علاقة بين خزائن السماء/ الله وخزائن بنو آدم؟؟ وهل يمكن الاستعاضة عن مصطلح الناتج الاجمالي أو دخل الفرد بمفهوم الرزق؟؟ ليتحدث علماء الاقتصاد “الإسلامي” عن الرزق القومي ورزق الفرد؟!! ومتي تتصل العلاقة بين مسائل الارقام الدقيقة وكسورها العشرية بالمسائل الدينية وبين المعرفة .

العلمية البحتة من جهة والمعارف الايمانية واللدونية والروحانيات، ومتي تنفصل؟؟
ماقيل عن الاقتصاد “الإسلامي” يصدق ايضا علي البنوك، فتجربة البنوك أو المصارف “الاسلامية” غذتها اموال النفط فجعلت منها حقيقة واقعة بل وتجارة رائجة، وهي تجربة اعتمدت بالاساس علي فرضية ان الفائدة المتعارف عليها في النظام البنكي هي الربا “المحرم والموضوع” وهذا قول لا حظ له من المصداقية لأن للفائدة سعر يتتحدد بواسطة جهات وسلطات تقيس الامور المالية كلها بمعيار دقيق وتحتكم لمعرفة تفصيلية فيما يتصل بصالح العموم في الشأن المالي والاقتصادي، وبحاجة انشطة الصناعة والتجارة والزراعة والتمويل ..الخ ، وهي بالتالي أحكم وأفيد من معيار الربح الذي يحدده البنك “الاسلامي” عند تعامله مع كل عميل علي حدا.
هذا علاوة علي ان البنوك “الإسلامية” لم تفتي حتي الأن في مسألة القيمة الزمنية للنقود وتأثرها بالتضخم وغيره من المؤثرات..
مع الأسف ليس هناك رصد دقيق، أو عام حتي؛ لمساهمة وتأثير البنوك “الإسلامية” علي الانشطة الاقتصادية والمالية في البلاد التي تبنت هذه التجربة، لكن ملاحظة عامة لتأثيرها معاش وسلوك الناس في السودان (الذي يعد واحد من اقدم الدول التي فرضت هذا النسق البنكي) فأننا نجد ان صيغ التمويل التي تتبعها تلك البنوك من “مرابحة/ مضاربة… الخ” أخرجت البنوك عن كونا ممول الي كونها شريك اصيل في المعاملات أي تاجر وصانع يزاحم الفاعلين الاقتصاديين (الافراد) في معاشهم، ويزيد علي ذلك فيمتلك الشركات المالية- التأمين، ويعمل باستقلال في سائر الاعمال، فالبنك يقاسم العملاء الأن لقمة عيشهم بل وينزعها في غالب الاحيان من أفواه اطفالهم ليلقمها للحيتان الكبيرة ويزج بالزراع والصناع والتجار في غياهب السجون ويصادر أموالهم ، وفي السودان هناك واحد من أسواء القوانين التي تنتهك الحقوق الاقتصادية وهو قانون فرضته او فرض لحماية البنوك “الاسلامية” هو قانون بيع الاموال المرهونة للبنوك 1994م.

تسببت تلك التجربة السودانية في احجام اغلب الناس عن التعامل مع البنوك ولجأوا الي انماط تمويل وبيوع “شعبية” كـ (الكسر، الملخ، الكتفللي،القل ..الخ) وكلها معاملات تتم بعيدا عن الجهاز الاقتصادي للدولة و لا أحد يعلم أثرها حتي!!
إن البنك في الوضع العادي (الطبيعي) أو غير “الإسلامي” تحديدا له دور كدور القلب في الجسد : يضخ الدماء للأطراف وينتفع بقدر يسير أي ما يكفيه ليواصل عمله في ضخ الدماء علي الوجه الأمثل، أما في النظرية “الاسلامية” فهو تاجر ومضارب ومحتكر … الخ ، ما يعرض أطراف العملية الاقتصادية للجفاف وا لضعف والهزال والشلل التام بينما يتضخم القلب/ البنك حد الانفجار

لا تعليقات

اترك رد