لمحة عن تاريخ الكورد القديم


 

عندما نحاول معرفة تاريخ شعب ما، نبحث عن الممكنات التي غالباً ما يؤرخها ويدونها ابناء ذلك الشعب عن تاريخهم، ولكن حين نجد صعوبة في ايجاد هذه المدونات لاسباب عديدة ومتفرقة، داخلية منها وخارجية، فاننا نجد انفسنا ملزمين بالبحث ضمن المدونات الاكثر قرباً من حيث الزمنية والمكانية، ومن خلالها نحاول رصد اكبر عدد من المعلومات، ومن ثم نأتي لنقارنها ببعض المعطيات التدوينية الحديثة والتي يقدمها بعض المؤرخين والكتاب من ذلك الشعب، وحيث نجد توافقاً اكاديميا نتبعه، ونحاول ان نعممه دون الاخذ بالاراء الاحادية النابعة من التصريحية والخطابية القومية سواء أكانت خارجية نابعة من الرؤية الدونية للاخر، او من حيث طمس معالم الاخر لاثبات وجود الانا لديهم.. او من حيث الاراء الداخلية الاتية كردة فعل على الخارجية، لان الممر الآمن لدينا هو الممر المؤدي الى الدراسة الاكاديمية والعلمية والتي يمكن من خلالها اقناع اصحاب الرأي الاكاديمي العقلاني بالمرويات التاريخية التي نحاول اثباتها.

تاريخياً لم نجد شعباً تعرض للظلم التدويني والنفي التاريخي، والتلاعب بالمصطلاحات المتعلقة باسمه وبكل تاريخه مثل تاريخ الشعب الكوردي، لاسيما من قبل المؤرخين الذين يعيش الكورد ضمن جغرافياتهم السياسية، الامر الذي خلق شرخاً واسعاً بين الفيئات الاجتماعية والشرائح المثقفة وحتى العامة وبين شعوب تلك الجغرافيات، ومهما كان التعايش امراً واقعاً فانه سيبقى تعايشاً مرهوناً بالوقتية، لكونه اصلاً تعايش لم يبنى على اسس التوافق الثقافي ولا القومي ولا حتى الديني ” بدرجة اقل ” ، فكل المؤشرات تذهب الى وجود هوة سحقية بين البنى التوافقية التي ينادي بها البعض ليس من اجل ترسيخ الرؤية الاكاديمية الصحيحة، انما فقط لابقاء الاخر ضمن دائرته الاستعبادية والتي اصلا لم تكن لتوجد اذا لم تفرضها المنظومة الدولية منذ بداية تأسيس الجغرافيات السياسية الحالية.
ومن يراجع التاريخ الكوردي القديم سيجد بأن هناك اختلافاً واضحاً فيما ورد في المدونات القديمة لاصحاب الحضارات القديمة التي استطاعت من بث سلطانها على الاراضي الكوردية في كوردستان، وبين الاراء الحديثة التي يتبناها بعض المهمشين ممن يريد الشهرة والتشهير بالاخرين، وعلى هذا الاساس نجد بأن الكورد كقوم ومكون اساسي لمنطقة الشرق الاوسط قد ذكروا تحت مسميات مختلفة ضمن الالفيات السابقة للميلاد وضمن الحوادث المرتبطة ببعض المملكات والامبراطويات الحاكمة في المنطقة، لاسيما في المصادر السومرية والآشورية والفارسية والاغريقية والرومانية وفيما بعد في المصادر الاسلامية العربية، فضلاً
عن المدونات والدراسات الاكاديمية التي كتبها كل من الرحالة والمستشرقين وذلك من خلال كتابتهم عن الشرق بصورة عامة وعن الكورد باعتبارهم احد الاقوام الشرقية وعن كوردستان باعتبارها جغرافية تضمهم.

تعتبر المصادر اليونانية و الرومانية من اهم المصادر التي يعتمد عليها في دراسة التاريخ الكوردي قبل الاسلام، و ترجع اهميتها الى معاصرتها للاحداث والى تعايشها الزمني واحيانا المكاني مع الوقائع في المنطقة، بالاخص في كوردستان، ومن ابرز هولاء المؤرخين هيرودوت( 484-425 ق, م) الذي ذكر تسمية كارداكيس كدلالة عن الشعب الكوردي، كما انه ذكر اسم اربائيلو ( اربل) كاحدى اهم مدن امارة حدياب في بلاد اشور القديمة ، ومن المؤرخين الاخرين زينفون (430-354 ق.م) الذي سمى الكورد بالكاردوخوي في كتاب سماه (اناباسيس( وقد التقاهم بعدما مر الجيش الاغريقي بقيادته من خلال بلاد الكاردوخوي عند مضيق زاخو متجها الى ارمينيا والبحر الاسود ، وقال عنهم بانهم قوم محاربون اشداء يعيشون في الجبال و لايطيعون الملك ولهم خبرات جيدة باستعمال القوس و المقلاع، ومن المؤرخين والجغرافيين الذين كتبوا عن الكورد خلال تلك الحقبات الزمنية سترابون (65 ق.م – 19 م) ، الذي كتب مؤلفاً عن جغرافية العالم الموسوم بـ(Geographica) في سبعة عشر جزءاً، وصف فيها الاقاليم المعروفة انذاك من بابل و اشور وكوردوئيين.

وممن كتب عن الكورد ايضا المؤرخ والفيلسوف اليوناني بلوتارخ ( 50 – 125 م) ومن الارمن المؤرخ الامني موسى الخوريني الذي اشار الى مار( ماد) والى نهر اراكس ( اراس) وقد اعتمد المشترق الروس مينورسكي كثيرا على اراء الخوريني في تحديد الاصل الكوردي من خلال طرحه لنظريته القائلة بأن الميديين هم اسلاف الشعب الكوردي في مؤتمر بروكسل 1938 وفي لندن عام 1939 ويذكر مينورسكي انه “في زمن موسى الخوريني لم يكن هناك ميديون في الوجود وانما كان الكورد يحتلون سفوح جبل آرارات، كذلك تضمنت مخطوطة ارمنية غريبة نموذجا من الف باء ولغة دونت في وقت يسبق عام 1446م، وهي دعاء برموز كردية تمثل لغة الميديين (مار) مع استعمال لفظ لايزال يشاهد في القواميس”، كما كتب مؤرخوت اخرون عن الكورد خلال تلك الفترات المتلاحقة كالمؤرخ اليزيه وردبت.

ومع المصادر اليوناينة الارمنية يمكن البحث في المدونات والمصادر الفارسية التي عاصرت وواكبت اغلب الاحداث في المنطقة باعتبار انها كانت اما ضمن ممتلكاتها التي سيطرت عليها، او منطقة صراع بينها وبين الاغريق اليونان وقتها، ومن اهم المصادر الفارسية حول الكورد كتاب “خداي نامه” ومن ثم كتاب ” كارنامه اردشير بابكان، كما احتوت الشاهنامه لمؤلفها الفردوسي على معلومات متباينة عن الكورد لاسيما حول الاصل الاسطوري للكورد وكذلك

على الصراعات التي كانت قائمة وقتها بين ملوك الفرس وملوك الكورد الميديين.. لاسيما في العهد الاخميني الذي توجد اشارات كثيرة عن الميديين في هذه الفترة ، والتي ترد في المدونات الاشورية بالاخص في ماذكر الملك الآشوري شيلمنصر الثالث (858-824 ق.م) في غزواته على مناطق الهضبة الايرانية وجبال زاكروس (844 ق.م)، وجاء ذكر الميديين في حملة عام 836 ق.م، وماذكر ايضا في المدونات الفارسية تلك المتعلقة بالتحالفات التي قام بها الملوك الميديين مع كل من الدولة الاوراتية ومن ثم التحالف مع الدولة البابلية في عهد كي اخسار (633-584 ق.م) والذي بموجبه تم القضاء على الدولة الاشورية 612 ق.م.

كما دونت المصادر الفارسية في العهد الفرثي الكثير من المعلومات عن الكورد والمناطق الكوردية باعتبارها كانت مسرحاً للمعارك الدائرة بينهم وبين الاسكندر المقدوني ( 336- 323 ق.م) حيث تذكر بالتفصيل المناطق التي سار فيها جيش المقدوني لاسيما التي تقع بمحاذاة نهر دجلة في اتجهاها نحو اربل، حيث التقى فيها مع الجيش الفارسي الاخميني بقيادة دارا الثالث (335-331 ق.م) في موقع تل يسمى (كوكميلا )، ووردت معلومات اخرى عن الكورد في المصادر الفارسية عن الكورد في العهد الساساني ولعل ابرزها تلك التي تحدثت عن قيام ملوك الفرس وقتها باخماد الحركات التي كانت تقوم ضدهم من قبل الكورد الميديين ولعل تمرد الملك مادك الميدي من ابرزها، كما انه في الحقبات التالية ثار الكورد في مناطق كوردوئيين ضد بعض ملوك الفرس.. ودونت المصادر الفارسية تفاصيل الصراع القائم وقتها مع الامبراطورية الرومانية ذكرت الكثير من حول المناطق الكوردية والكورد.. فحين هاجم الجيش الروماني عام 297 بقيادة كالريوس مناطق ارمينيا وكوردوئيين تصدى له الملك الفارسي نرسى(293-302م)، انتهت المعركة بالصلح وتقسيم تلك المناطق بينهم ، وظلت كوردستان مسرحا للاضطرابات وحركات العصيان والتمرد والرفض التي لم يستطع الساسانيون من اخمادها الا من خلال الحملات العسكرية الكبيرة، والتي غالباً ما كان يليها مهاجمة الحاميات البيزنطية خلال صراعهم الطويل الامد في المنطقة.
ومن خلال متابعة هذه المدونات في المصادر القديمة سواء من خلال المخلفات الاشورية والبابلية و الاغريقية اليونانية والارمنية ومن ثم الفارسية بكل عهودها القديمة من الاخمينية والفرثية والساسانية سنقف عند الكثير من المعلومات التي وردت عن كوردستان والكورد والتي غالباً ما سنجد بانها كتبت ضمن مؤشرات دالة على التعالي والنظر بدونية الى الاخرين، فالاغريقي لاينظر الى الكوردي او الفارسي الا من خلال نظرته الفوقية وكذا النظريات والمدونات الاخرى للاخرين.. والتي نتج عنها نظريات اخرى في العهد اللاحقة بالاخص في العهد الاسلامي العربي الذي لم يكن باحسن حال من مُن سبقهم ، وذلك لاغترافهم من نفس النبع الفوقي الاستعلائي بعيداً كل البعد عن الكثير من الحقائق التي كانت وقتها قد ظهرت كحقائق مؤكدة لاتحتاج الى التكهن والفرضيات، بل فقط مانت تحتاج الى الاستماع لاصحاب الشأن كي يوثقوا مقولاتهم عن انفسهم باعتبارهم كورد اصحاب ارض وامتداد تاريخي طويلة.. واصحاب لغة وحضارة وعادات وتقاليد وتراث خاص بهم.

لا تعليقات

اترك رد