الأحياء الأموات.. عن سكان المقابر اتحدث


 

من السهل على الميت أن يبقى حيّا في ذاكرة محبيه من أهل وأصدقاء، ولكن من الصعب أن يحيا الحي حياة الأموات ..
إن ابسط حقوق الانسان هي الحياة الحرة الكريمة…الحياة التي وهبها لنا الخالق كي نعيشها ونتمتع بها.. وهو حق مشروع لكل كائن على وجه الأرض ، كما أن العيش بكرامة وحرية وأمان وبمستويات معيشية لائقة تتوفر فيها شروط الحد الأدنى من مستلزمات الحياة تأتي على رأس أولويات هذا الحق، وهنا تكمن الكرامة الضرورية المشروعة التي هي هبة الله وليست جميلا من حاكم أو رئيس وحق لا يحتاج لترخيص أو قرار من سلطة أو منظمة حقوقية أو قضائية …

هذا ما قاله لي باستياء شديد الحاج علي ، وهو واحد من الملايين الذين يسكنون المقابر حينما قررت زيارتهم للتعرف على احوالهم.
كان شديد الغضب وهو يتحدث معي فصار يردد “احنا مش شحاتين .. انتو بتيجو عشان تصورونا ونبقى فرجة للصحافة وفي الآخر مش بتعملو حاجة” في الحقيقة التمست له العذر وجلست بجواره وحاولت أن أمتص غضبه ووعدته بأني لن أنشر أي كلمة إلا بموافقته .. وبعد لحظات قليلة هدأ ووافق الجلوس معي والرد على أسئلتي :

– كم سنة وانت تعيش في المقابر ؟ أجابني:
– أنا ولدت هنا ووالدي تزوجا هنا وأنا الآن في السبعين من عمري، عشت مع والدي هنا وفي هذا المكان نأكل ونشرب ونعيش مع الأموات وصدقيني هم أحن علينا من البشر … وأخذ يسرد مأساة حياته وتحديات الزمن من فقر وجوع وعدد أسرته الكبيرة المكونة من 13، فهو أب لأحد عشر من الاولاد والبنات.. كان يردد كلمات لم افهمها بوضوح فكل الذي فهمته بأن العديد من النواب يزورونهم في أيام الانتخابات ويوعدونهم بغدٍ مشرق طالما انتظروه وما أن يحصلوا على اصواتهم ويدخلون المجلس تكون كل الوعود مجرد سراب تذهب مع الريح ، فلا فرص عمل لأولادهم ولا مساعدات إجتماعية ومعيشية حسب قوله ..

– ايه اللي خلاك تسكن هنا يا حاج ؟
رد علي بحرقة هو أنا لقيت مكان يلمني مع كوم اللحم اللي عندي وقلت لا …خليها على الله يابنتي .
رده كان بمثابة سكين تقطع في أحشائي لأن ابسط حقوق الفرد في المجتمع هو العيش بين جدار يحتويه وتحافظ عليه هو وأسرته، سواء أن كان منزلا أو كوخا ..وللأسف هناك شريحة كبيرة في بعض المجتمعات حرمت لأسباب وظروف معينة من أبسط الحقوق وسقطت من الذاكرة واتخذت من المقابر بيوتا لهم.

يحاول سكان المقابر أن يواجهوا تحديات الزمن بالصبر والمثابرة وقد قرر الكثيرون منهم الخروج من قمقم الظلام، فقامو في بناء ورش عمل لهم كالنجارة وتصليح السيارات وأكشاك لبيع السجاير وأنواع المأكولات ليكون لهم عونا في العيش .


تشير الإحصائيات في مصر أن حوالي بضعة ملايين يعيشون في المقابر واتخذوا من تلك الأماكن ، مساكن لهم .. يعيشون اموات وهم يتنفسون الحياة .. محرومون من أبسط حقوقهم الانسانية ويتعرضون لانتهاكات واغتصاب وسرقة على يد مجرمين لعدم توفر الأمان لهم ومستوى الجريمة عندهم حدث ولا حرج حيث يعانون من أشد انواع القهر من فقر وجوع وحرمان وتهميش .

إن تزايد هذه الإعداد سنويا ، مؤشراً مخيفاً لما تتركه هذه الظاهرة من آثار وامراض إجتماعية على المجتمع وتزيد من معدل الجريمة . وبما أن كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فهذه الشريحة الكبيرة تقع مسؤوليتها على السلطات المصرية بالتاكيد ، كما على الميسورين في المجتمع ان يلتفتوا الى هذه الشريحة ويدعموا اخوانهم في المواطنة . ولابد للحكومة المصرية أن تبذل قصارى جهدها لحل هذه المعضلة الإجتماعية وأبسط ما يمكن القيام به هو إنشاء مساكن تأوي هؤلاء المحرومين وإيجاد فرص عمل لهم وخاصة الشباب منهم حتى لا يكونوا عالة على المجتمع…

كما انها لابد ان تعمل بشكل او بآخر لإيجاد الحلول للقضاء على الفقر ولا بد من مساندة الدول العربية والوقوف بجانب مصر للخروج من هذه الأزمة

فاهمية مصر وأمنها مرتبط بشكل مباشر بمستقبل وأمن العرب جميعا وعلى مختلف الأصعدة .

13 تعليقات

  1. لا حول ولا قوة الا بالله
    في حد كده يارب
    منكم لله ياحكومة
    احسنت النشر استاذة ليلى

  2. لا حول ولا قوة الا بالله
    منهم لله اللي كانو السبب في اللي فيه الناس دول
    احسنت النشر يا استاذة بطرحك الرائع والانتباه لهذه الشريحة من الناس
    اشكرك

  3. صحيح كلامك أستاذه ليله نرجو من مسئوليه الحكومه والشعب ان يلتفتو لمثل هذه الطبقه من الشعب المصرى الله المستعان

  4. الموازين اختلت يا استاذة فلم يوجد مكان لا للراع ولا للرعية
    حسبنا الله ونعم الوكيل
    اشكرك على طرح هذا الموضوع الهام جدا

  5. ساكني المقابر وايضا العشوائيات اخيرا بدأت الدولة تهتم بهم وتقوم ببناء لهم مساكن متطورة وبالفعل كثير منهم استلم هذة الوحدات. وشكرا استاذة ع اهتمامك ودخولك ف هذة الموضوعات الحيوية الجريئة. ونأمل ان تكون زيارتك القادمة لهم ف وحداتهم الجديدة وف انتظار موضوعاتك الشيقة.

  6. سكان المقابر من الناس المهمشين في المجتمع ولم تفعل لهم الحكومة اي مساكن كما يدعي البعض ولا تهتم بهم اطلاقا .

  7. بوركتي استاذه ليلى على طرح هذا الموضوع ويجب عله المسؤولين الشرفاء الانتبباه لهؤلاء البشر والاهتمام بهم

  8. شكرا استاذه ليلى لطرح هذا الموضوع المهم ويجب عله المسؤولين الانتباه لهؤلاء البشر ورفع الظلم عنهم ليعيشوا عيشة كريمه

  9. (( أذا ضاقت بك الأمور ، عليك بزيارت القبور ))
    أن هذه المقولة تناقلت في القديم كثيراً ، ويعنى بها ان الاشخاص الحاملين لهموم وأعباء الحياة عند زيارت قبور ذويهم او قبور الأولياء الصالحين سوف تزال الجزء الاكبر من هذه الهموم عن طريق البكاء احياناً وعن طريق سرد معاناتهم وافراغ ما بداخله من طاقات سلبية احياناً اخرى ، واما ما يحدث اليوم عند زيارت القبور فهو العكس تماماً ، فقد تزيد هموم ومعانات الزائر للقبور بدلاً من التخلص منها حين يتطلع على هموم ومعانات ساكنين تلك المقابر من الأحياء ، فهم يشكلون متجمعات بأكماها تعاني من البؤس والحرمان والتخلف وابسط مقومات الحياة البسيطة .
    أن السبيل لحل مشكلة سكان المقابر والمشاكل الاقتصادية الاخرى هي عن طريق برنامج تنمية شاملة ودقيقة ، وهذا لم ينجح بوجود نفس الطاقم الحالي على راس هذه المؤسسات ، طالما هي لم تنجح في السابق ، فهي لم تستطيع ان تنجح في المستقبل ، ويجب ان يزج بروح ونفس جديد بدلا من الروح والنفس المريض والبالي الذي موجود في هذه المؤسسات حالياً ، وهذا الروح الجديد والمنفتح على العلوم والتطورات الحاصلة في عالمنا اليوم لا ياتي الا عن طريق زج الشباب من حملة الشهادات العالية في هذه المؤسسات والأماكن المعنية بهذه التنمية ، وهؤلاء الشباب موجودون وهم كثر والحمد لله .
    ان المساعدات والمنح المالية من دول أخرى ما لم تخضع لأملائات لدعم مواقف وسياسة الدول المانحة فهي جيدة ومفيدة ، ولكن الذي ثبت هو عكس ذلك حيث ان المشاريع والمساعدات التي قامت به دولة قطر ايام مرسي قد اوقفت في عهد الرئيس السيسي ، ونفس الشئ حدث مع السعودية بعدما دعمت الحكومة المصرية موقف الدولة السورية في محاربة الأرهاب ، وايظاً بعد رفض الشعب المصري وحكم قضائة بملكيت الجزيرتين ( تيران وصنافير ) لمصر ، هنا اوقفت السعودية المساعدات وتمويل المشاريع التي تعهدت على انجازها ، وهذا هو حال العرب اليوم ، لا عهد ولا موقف ولا دعم دون تاييد مشاريعهم المدمرة والفتاكة في المنطقة والعالم ، وهنا يقع المهمة على عاتق وسواعد ابناء هذا الشعب المصري العظيم ، وإن كانت هذه المهة صعبة وشاقة وطالما هذا قدر المصريين اليوم فلابد ان يعتمدوا على انفسهم ( اذا الشعب يوماً اراد الحياة … فلابد ان يستجيب القدر ) ، وان الامل كبير بهذا الشعب على ان يعيد مجده وتاريخه وان يتصدر الريادة في الامة العربية بدلا من الاعراب الذين مزقوا هذه الامة والمنطة ودمروها شر تدمير ( انما الاعراب اشد كفراً ونفاقاً ) ، عذراً سيدتي على الأطالة والخوض في مواضيع خارج البحث ، ولكن تبقى هذه السياسات والاحداث التي تعصف بألمنطقة والعالم من حولنا هي التي تؤثر داخل مجتمعاتنا سلباً او ايجاباً ، تحياتي لك سيدتي .

  10. بالفعل كلام يستحق الدراسة والعمل من اجل هؤلاء …سلمت يداك استاذة ليلى على هذا الطرح الواعى

  11. جريمة بكل المقاييس ان يعيش الانسان في المقابر وهو يتنفس الحياة
    حسبي الله ونعم الوكيل
    احسنت النشر استاذة ليلى ربنا يجازيك كل خير
    تحياتي

اترك رد