ذكرى 18 جانفي 1952 : ثورة الكفاح والمقاومة من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية


 

ذكرى 18 جانفي 1952 : ثورة الكفاح والمقاومة من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية

نستعرض اليوم أحداث 18 جانفي 1952 حتى لا ننسى و نذكر الأجيال بثورة الآباء والأجداد في سبيل حرية واستقلال تونس ,فهي تعتبر من المحطات الهامة في تاريخ الشعب التونسي وفي مسيرته النضالية ضد الاحتلال الغاشم , متحديا كل وسائل العنف والترهيب من أجل تحرير الوطن وتحقيق سيادته .

لقد كانت تونس خلال الحرب العالمية الثانية مسرحا للعمليات العسكرية بين دول المحور ( ايطاليا وألمانيا) من جهة , ودول الحلفاء ( بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا) من جهة أخرى . ودخلتها جيوش الحلفاء في 8 ماي 1943 , وأقدمت على خلع الباي محمد المنصف ونفيه من البلاد وشنت حملة واسعة , حيث قتل كثير من التونسيين وعذبوا ومثل بهم , كما فرضت الأحكام العسكرية على البلاد , متهمة الباي والحركة الوطنية آنذاك بالتعاون مع قوات المحور . وبالتالي عينت الحكومة الفرنسية محمد الأمين بايا على تونس , مما أثار غضب التونسيين الذين أعلنوا الاضراب العام ونظموا مظاهرات . اثرها اندلعت المقاومة التونسية سنة 1948 , مطالبة بالغاء نظام الحماية الفرنسية على البلاد .

وابان فشل المساعي الدبلوماسية بين 1949و1952 في التوصل الى التسوية بين قادة الحركة الوطنية التونسية والحكومة الفرنسية , اشتدت الأزمة وبدأت المظاهرات والاصطدامات بداية من 15 جانفي 1952 , فشنت بنزرت اضرابا عاما تواصل كامل يوم 16 , كما انتظمت في نفس اليوم مظاهرة بماطر وأخرى ببنزرت يوم 17 , قابلتها الشرطة و “الجندرمة ” بالنار , مما أسفر عن جرح العديد من التونسيين ( 130 تقريبا) . وبلغت الأزمة أوجها يوم 18 جانفي , حيث عقدت الحركة الوطنية مؤتمرا سريا , قررت فيه سقوط الحماية واعتبار المعمرين الفرنسيين جالية أجنبية . وفي فجر اليوم نفسه , ألقت السلط الاستعمارية القبض على الزعيم الحبيب بورقيبة وهو ببيته بساحة معقل الزعيم ( ساحة رحبة الغنم سابقا) ووضعته في اقامة جبرية بنزل فرنسا بطبرقة صحبة السيد المنجي سليم مدير الحزب الدستوري , الى جانب اعتقال عدد كبير من الاطارات الدستورية ونفيها الى جنوب البلاد .

وحين استيقظ الشعب التونسي على تسريب الحدث الخطير , اندلعت الثورة وكانت المظاهرات الصاخبة ألسنة لهيبها الأولى , وانطلقت شرارة الكفاح في كل مكان , وأول مظاهرة ومسيرة حاشدة وغضب شعبي انطلقت من قفصة وسيدي بوزيد قلعة النضال, وفي اليوم الثاني 19 جانفي 1952 تسربت الى الشمال واندلعت المعركة والمسيرة في ماطر من ولاية بنزرت وبعدها سوسة والوردانين وطبلبة والمكنين وفي الوطن القبلي في تازركة وبني خلاد ونابل وقليبية وحمام الغزاز , وفي واد مليان بجندوبة والقيروان وفي كل مكان .
فتصدت قوات الاستعمار للشعب محاولة ايقاف التيار الذي حمل الى الشارع التونسيين رجالا ونساء , شيبا وشبانا . ففرضت سلط الاحتلال نظام منع الجولان من الغروب الى الفجر , تطبيقا لقانون حالة الحصار ( منذ حوادث 9 أفريل 1938) , ونزلت الدبابات تجوب الطرقات لبعث الرعب والهلع في القلوب . الا أن ذلك زاد في تصميم الشعب التونسي الأبي على نيل حريته واستقلاله .
فتعطلت دواليب الادارة , وانخرمت الحالة الاقتصادية , وازداد جنون المستعمرين وتعاظم حقدهم حين امتدت الحركة الثورية الى تحطيم مصالحهم الخاصة . حينئذ حرضوا السلطة على التشديد في القمع , فوقع اقتحام قرية تزركة (بولاية نابل ) من طرف جنود الاحتلال وهاجموا كذلك طبلبة ( بمنطقة الساحل ) وعاثوا فيهما فسادا وقتلوا الأطفال وأغتصبوا النساء ونكلوا بالرجال واستولوا على المال والمتاع وهدموا الديار .

رغم ذلك ظل عزم الشعب التونسي أقوى من بطش الاستعمار , فرد الفعل بالحديد والنار , ولاذ الأحرار بالجبال يسددون الضربات تلو الأخرى لجيش الاحتلال الذي لم يستطع بعتاده العصري التغلب على ” الفلاقة “, وأمتلك الخوف نفوس المستعمرين , اذ أصبحوا يعيشون تحت خطر دائم . فتعرضت ثكنات الجيش الفرنسي في أبي لبابة قرب قابس , والقوافل العسكرية الفرنسية على طريق سوسة وفي بلدة العوينات .

لذا عمدت السلطات الفرنسية للرد على نشاط حركة المقاومة الوطنية , بتكوين منظمة سرية ” اليد الحمراء” لملاحقة الوطنيين واغتيال قياداتهم بتواطؤ من الشرطة والجندرمة . من ذلك استطاعت اغتيال المرحوم فرحاد حشاد , السكرتير العام للاتحاد العام التونسي للشغل , صباح 5 ديسمبر 1952 وهو في طريقه الى العاصمة قادما من ضاحية رادس حيث مسكنه .

مما زاد في زخم المقاومة المسلحة واشتعال الثورة . فأعلن الاتحاد التونسي للشغل الاضراب العام في البلاد , وتضاعفت هجمات المقاومين على الأهداف الفرنسية , وأحرقوا ثماني ثكنات عسكرية فرنسية في شمال البلاد وثلاث ثكنات في جنوبها . واندلعت المظاهرات والمجابهة مع القوات الفرنسية في تونس العاصمة وصفاقس وقفصة , أستشهد فيها 63 تونسيا وجرح 237 منهم .
واستمرت معركة الكرامة والبطولة ضد الاحتلال الفرنسي , فبدأ العمل المقاوم بالسلاح وتجنيد الرجال المدربين على حمل السلاح , وبلغ عدد هؤلاء المقاتلين حول ثلاثة آلاف مقاتل , وتواصلت المقاومة المسلحة طوال سنة 1953, ورافقها حملات عسكرية فرنسية نكلت بالتونسيين وأعتقلت الآلاف منهم , واعتدت على ممتلكاتهم واغتالت ” اليد الحمراء ” المناضل الهادي شاكر يوم 13 سبتمبر 1953 , بعد أن أخرجته عنوة من مقر اقامته الجبرية بنابل تحت أنظار “حراسه” وطرحت جثته في الطريق العام ! فاستخدم بعدهاالمقاومون التونسيون الأسلحة الحديثة سنة 1954 وسقط العديد من القتلى الفرنسيين (155) و(74) تونسيا من المتعاونين مع فرنسا وجرح 97 منهم .

وتواصل كفاح الشعب التونسي بثبات وعزم لا يلين , رغم ما خلفته الاغتيالات والأحداث المؤلمة من حزن وما مر به في تلك الفترة من محن , حتى حصلت البلاد على استقلالها .

رحم الله شهداء الوطن الأبرار الذين سقطوا في سبيل تحرير الوطن العزيز وكل من ناضل وقاوم من أجل سيادة تونس وعلى رأسهم المجاهد الأكبر وأب التونسيين الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة .

1 تعليقك

  1. رحم الله شهداء الوطن الأبرار الذين سقطوا في سبيل تحرير الوطن العزيز وكل من ناضل وقاوم من أجل سيادة تونس وعلى رأسهم المجاهد الأكبر وأب التونسيين الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة …. شكرا للأستاذة فردوس كشيدة على المقال المتميز والممتع ولموقع الصدى المتميز … محبتي لكم

اترك رد