تراجيديا العنف في الفن العراقي المعاصر


 

تراجيديا العنف في الفن العراقي المعاصر
(معرض محرقة الارهاب في الكرادة انموذجاً)

الفن وتراجيديا الكرادة
ضربت سيارة مفخخة حي الكرادة ببغداد .. وفد قتل أكثر من أربعمائة وتسعة وأربعون حرقاً، وجرح أكبر من هذا العدد، مشاهد الكتابات والنعي وأسماء المتفحمين تملأ الجدران التي أصبحت مزاراً للناس .. لم يقف الفن بعيداً عن هذه المأساة .. مجموعة من الفنانين العراقيين أقامت عرضاً في مكان الحادث على أنقاض وبقايا الأثر المحترق و رائحة العفن والدخان..

تنوعت أساليب التعبير وشكلت حضوراً جماهيرياً غير مسبوق، قائم على التعاطف بين الجمهور من جهة والفنانون والشعراء والموسيقى من جهة أخرى في استدعاء المأساة والوقوف على أكثر الجوانب الإنسانية التي دفنها الإرهاب.. لقد استثمر الفنانون وضعاً تراجيدياً.
كان معرض الكرادة قد عبر عن هذه المأساة بتضايف جميع الفنون، الشعر، والموسيقى، والرسم، والنحت، والتمثيل الإيحائي وفن الجسد.. وكان بيان المجموعة يعلن “أن محرقة الكرادة تظل كابوساً لن يفارق ذاكرة الإنسانية ولا نستطيع نحن الفنانين المشتركين في هذا العرض الجماعي تجاوز لوعة الأمهات الثكلى بأولادهن، فكانت صرخاتهم في أعمالنا، وأن الوعي بالمأساة هو ما جمعنا وجعلنا نعمل على مواجهة الإرهاب وتفسيره رغم اختلافاتنا الاسلوبية والثقافية”.
لقد أمتد أثر هذا الحادث عابراً للحدود وشارك فنانون من دول أجنبية مما يؤشر إلى أن لغة الفن الإنسانية لم تقف عند ضفاف موضوع أو حادثة .. وأن القتل والإرهاب يضع الفنان أمام تساؤلات جذرية بحجم الجحيم الذي تعيشه وتواجهنا كل يوم أسئلة وجودية على رأسها.
ماذا نفعل نحن الفنانون ؟ هل ينبغي أن نكرس الفن للرد على الإرهاب والموت ؟ أم نترك كل شيء ونبقى في حدود الجمال ؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة بقيت على مر العصور تتراوح بين المشاركة والرفض، وإذا كان لابد من القبول أن للفن رسالة إنسانية، فأنه سبيقى في المقدمة للتعبير عنه والدفاع عن الإنسان ووجوده

عرض الكرادة الاساليب وطرق العرض
تنوعت اساليب اتعبير الفني في معرض الكرادة من حيث التقنية او طريقة العرض التي تلامس الوجدان الداخلي للمشاهد وتحريك العواطف الانسانية ازاء المأساة.

ويبدو ان الاتجاهات الاسلوبية التي قام عليها المعرض كانت في الرسم والنحت وفنون التركيب والاقتراحات الفنية القائمة على خلق البيئة التي خلفها الانفجار الرهابي واعادة الذاكرة الى مناطق مضمرة وغامضة.

امتدت الفعاليات الفنية لتصل مداها الى خمسة عشر فناناً داخل المبنى المحترق وخارجه، اضافة الى مشاركات شعرية وعروض ايحائية .. وبالتالي اصبح المعرض خطاباً ثقافياً تجاوز الجماليات التقليدية في التعبير وقدم في ذات الوقت رسالة الفن للإنسانية التي بطبيعتها ترفض القتل والارهاب والابادة .. فالفنانون هم من يحمل السجل الوثائقي للإنسان على مر العصور ..

لقد قدم بض الفنانين نوعاً من الاحالة فعمل (كريم السعدون) تركيباً لخرطوم مياه لم يتصل بمصدر، وهو نوع من النقد الذي يشير الى تباطئ الاطفاء (شكل1) .. ثم (محمد مسير) في استعارته للدراجة التي توقفت، وهو عمل يتكون من ثلاث اجزاء مع بقايا من المكان .. (شكل2)، ان طريقة العرض هذه تقارب فنون التركيب في الرسم والمواد القائمة على النفايات والبقايا المحروقة.

وقدم (وضاح مهدي) لوحة مليئة بالعلامات وكأنها تتماهى مع الشكل البصري للبيئة المحروقة وهذا الاسلوب الذي يميز الفنان، هو اقتراح في ما يسمى بالاحالة الى (المشابه) ويعتمد على الايحاء لذاكرة واسترجاع للادراك الحسي التأملي، فكان العمل ينطوي على احساس عميق بالمأساة وتراكم الصور المشوهة والوانها المتداخلة (شكل3).

أما (حارث مثنى) فقد عرض عمله ضمن استثمار الجسد او ما يسمى بفن الجسد، عندما تمدد الفنان على قبو ترك آثار الانفجار كنوع من إعادة إنتاج الحادثة والتذكير بالاجساد المتفحمة (شكل4).

وقدم (حليم قاسم) مطبوعات لوجوه مختلفة ومتعددة تعيد انتاج اشكال وصور، وقد عمل على تقنيات الطباعة الجرافيكية (شكل5) .. وعملت (هناء مال الله) اطاراً للمكان وكتبت (Caution) فهناك في الداخل شيء ما .. اموات واشارات لبقايا فاحترس .. وهذا العمل نوع من التعبير المؤشري الذي يحيل للحدث ولا يقارب صورته .. وهو اقتراح مثير من حيث الشكل ومألوف على مستوى الحياة العامة (شكل6),

ومن الاشارة هنا الى ان سقوط التجنيس الفني ووالاسلوبي كان واحداً من سمات التعبير عن الحدث الارهابي مما جعل النحات (رضا فرحان) اقامة حمامات نحتية طائرة ومعلقة في الهواء تنتشر في المكان الخالي والموحش .. انها الارواح المسالمة وهي كل ما تبقى (شكل7).

ان مناهضة الارهاب اخذت تتمدد في الفن العراقي، مما جعل بعض وسائل التعبير تاخذ مجالاً اوسع، ومثالاً فان (محمد ديجان) اقام مجالاً من الشموع يوصل الى مكان عمله، لوحة كبيرة تتكئ على اريكة مشتعلة، تفارب موقد النار الدائم، أو الشعلة الابدية .. وهو خليط من الرسم وفن التركيب (شكل8).

ان هذه الاساليب في التعبير انما تؤشر الى فعل الفن العراقي في قلب الحدث، والولوج الى المراكز الاكثر اثارة من كل ما هو ارهابي او عنيف لأن الانسان في النهاية هو الهدف الاسمى للفن، وما الفنان إلا صانع وخالق لمادة الجمال وديموته

خلاصة
1. إن الفن في العراق وعبر تاريخه شارك في تقويل الأحداث وساهم في كشفها.
2. كان للحرب حضوراً في الفن العراقي على أكثر من أربعين عاماً خاضها العراق (1980-1988)، (1990-2003)، (2003-2016).
3. ساهم العنف والإرهاب في تنوع التعبير الأسلوبي للفنانين.
4. كان للفن دوراً فاعلاً في الحياة الاجتماعية العراقية وملامسة وجدان العقل الجمعي في رفض كل أنواع الإرهاب.
5. هناك إحصائية تقول أن أكثر من 180 معرضاً عراقياً شخصي ومشترك أقيم خلال سنتين بداخل العراق وخارجه يشير محتواه إلى مناهضة الإرهاب والعنف.

 

جدول الاشكال
1. ابراهيم العبدلي، توديع مقاتل، 1986.
2. مخلد المختار، شهيد في محلتنا، 1987.
3. بوستر معرض الفن للإنسانية، 1986.
4. اكرم ابراهيم، القادسية، 1980.
5. ضياء العزاوي، رسالة سلام، 1980.
6. فائق حسن، معتقل، 1980.
7. عبد الكريم سعدون، الاحتضار، معرض شخصي، تراتيل العتمة، 1992.
8. فاضل العكرفي، ملجأ الى الابد، 1992.
9. سلام جبار، السلام، 1991.
10. خارطة تبين المناطق التي اصابتها القنابل في العراق.
11. وليد سيتي، قنابل.
12. وليد سيتي، حجارة.
13. محمد مسير، ما بين التراب، 2007.
14. محمد مسير، مابين التراب، 2007.
15. قاسم سبتي، من بغداد الى باريس، 2007.
16. قاسم سبتي، من بغداد الى باريس، 2007.
17. احمد نصيف، ارصفة، 2011.
18. احمد نصيف، ارصفة، 2011.
19. حنان عجيل زهرون، طقوس مندائية، 2012.
20. حنان عجيل زهرون، طقوس مندائية، 2012.
21. حنان عجيل زهرون، طقوس مندائية، 2012.
22. اسماعيل خياط، الانفال، 2009.
23. محمد القاسم، احتفال جنائزي، 2012.
24. مؤيد محسن، رامسفلد، 2010.
25. عادل عابدين، نصب تذكاري (فيديو آرت)، 2009.
26. وفاء بلال، اطلق النار على عراقي، 2009.
27. قيس السندي، حروف لا تحترق (فيديو آرت)، 2007.
28. مجموعة الفنانين المشاركين في معرض الكرادة تحت لافتات الشهداء.
29. من معرض تساؤلات حول الحرب، كلية الفنون الجميلة، 2003.

9-16 من معرض الكرادة، تنويعات في فن الجسد.

المصادر والهوامش
شارك في المعرض خمسة عشر فناناً تشكيلياً إضافة إلى مجموعة من الشعراء والموسيقيين، وكانت مخرجاته في الرسم والنحت والعروض التمثيلية والإيحائية.. ففي الفن التشكيلي عرض الفنانون (حارث مثنى، حليم قاسم، رضا فرحان، رياض هاشم، ضحى الكاتب، عفراء خالد، كريم السعدون، مازن المعموري، محمد القاسم، محمد ديجان، محمد مسير، نادية فليح، هادي ماهود، وضاح مهدي، هناء مال الله). حين كانت أغلب الضحايا من النساء والأطفال والشباب..

المقال السابقتلك السويعات – ج2
المقال التالىألبناء والهدم
د. بلاسم محمد جسام فنان عراقي حاصل على دكتوراه فلسفة فن – عن اطروحتة ( التحليل السيميائي لفن الرسم – المبادئ و التطبيقات ). لديه العديد من المؤلفات والكتب: دراسات في بنية الفن – النقد و الفن –دراسات في الفن و الجمال –.تأويل الفراغ في الفنون الإسلامية ، حدود الخزف – سيميولوجيا الفن –الفن التشكيلي – ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد