مطر لموت آخر

 
(لوحة للفنان جبران هداية)

أبن الغيمة
قالت ضاحكة :عندما أكبر سأصبح غيمة
أجابها ساخراً :سيحبك كل أهل القرية .
ردت بغنج :لا تقلق سأحملك معي، وتكون أبن الغيمة ،وحبيبها ،ونموت معا .
-أنت الان غيمة تظللني بالحب والحياة .
لهفة
-غيثاء كم مرة خنتي مع النهر .
-هل تعلم انني منعته ان يلمس اطراف ثوبي ،وأنت كم مرة خنتني مع شجرة التوت
-في كل مرة احن الى امي اعود طفلا على باب الشجرة ،انا قادم هذا الليلة اطلب الكرز انتظريني .
-أحذر ان تعمي بصيرتك اللهفة ،وتوقظ أمي بدل عني كما تلك المرة ، كادت ان تحصل فضيحة .
أستنبول تكذب
كل شيء يكذب في أسطنبول ،طقسها المتبدل ،القبلات الباردة في محطات المترو ،شفرة الحلاقة ،طعم التفاح ،أخبار المطر ،أسطنبول تلك المراة اللعوب تخدع رجلا مثله قليل الخبرة والتجربة،كل شي ء يضيع في اسطنبول الاحلام والآمال والأماني والإنسان ،لم يعد يصدق نشرة الطقس بعد اليوم ففي كل مرة يمكث في منزله يهطل المطر وفي كل مرة يخرج تشرق الشمس وهو لايجيد سوى بيع المظلات ،في مدينته لايحمل الناس المظلات الناس هناك يعشقون المطر والعاشق لايحتجب ،أبناء المدن يتعلمون بسرعة مهن جديدة ، أما هو لم يخرج من القرية طوال حياته إلا هذه المرة ،ولا يعرف سوى حرث الأرض والسقاية وجني الثمار، اعتماده على انباء المطر من الاخبار لم يجدي نفعا ،قرر أن يترك الامر ل فطرته البدوية وخبرة جدته في أخبار المطر.
المذيعة والمطر
ذك الغيم يجيب المطر لاتروح على اهلك ياوليد .
-شلون تعرفين حبابة.
ماتشوف الجو رطب والغيم أسود مدلهمة نام عندي اليوم .
-تعطيني دخان اظل وماتعلمين ابوي .
انطيك بس تظل وماتطلع .
حبابة لازم اروح ،تعللي مع جدي
-جدك يشوف الاخبار وينام كل يوم مثل المقهور .
-من شنو القهر على فلسطين ولا العراق .
– يحاجي المذيعة عزة الشرع وماترد عليه ،ظل نام هين منت شايف الغيث .
– لازم اروح المطر احلا من عزة الشرع ،
-يولم جن العجي .
في تلك السنة لم تتوقف الامطار طيلة الشتاء
في تلك السنة ولدت غيثاء وولد الحب
يقظة حلم
-فتح ستائر النافذة متأملا بفرح غيوم سمراء تتجمع كأنهن قبيلة من نساء افريقا ،ارتدى ثيابه على عجل ،وطفق نحو محطة يوسف باشا حيث الزحام ،جلس على حافة رصيف قريب من الاشارة المرورية يترقب ان يؤذن الغيم به ويصلي فرحا منتظر ،فاتحا الابواب لخياله ان يطير الى ضفة نهربعيد حيث يغفو حبه البري تحت اشجار الغرب ، في حلم يقظة او ربما يقظة حلم .
مطر لموت اخر
بين حلم وندم مضى النهار
اطبق الليل على صدر المدينة ،لفحته نسمة باردة ،وبدأت اوصاله ترتجف ،قرص معدته الجوع ،دس يده في جيبه ،نفد المال ليرة واحدة لاتكفي لشراء حساء ولا حتى كأس شاي ،يدفئ جوفه ،علبة التبغ شارفت على النفاد سيكارة اخيرة متبقية والهاتف على وشك ان ينطفئ ،مضى اكثر من اسبوع ينتظر خبرا يطمئنه على غيثاء التي وعدته ان تلحق به الى اسطنبول ،تناهى الى اسماعه موسيقى تركية من المطاعم السورية في يوسف باشا امتزجت مع روائح الكباب والشاورما ،لامطر ولامال ولا خبر،اشعل سيجارته الاخيرة واخذ يترنم بأغنية فراتية قديمة
ترافه وليل … ودك ريحان … يسمر لا تواخذنه
يلَن كل دكه من حسنك …. شتل ريحان للجنه
ليالي … ودكّ نحر حدّار …. واحنه الشوك ناحرنه
تنينه وكل هجر حمّل …. دمع نيلي وسعدّ أسود
حسافه سكيتك بروحي ……. وحسافة العمر ما ورّد
قاطع شجنه صوت رنة رسالة قادمة كتب فيها ،قطعوا شجرة التوت وصنعوا من خشبها صلبان صلب عليه ابناء قريته ،وأمطرت السماء وابل من نار وبارود على منزل غيثاء ،انطفأ الهاتف وانطفأت عيناه ،تحت اضواء المدينة ، حملته اصابع الغيث الهاطل ، ووضعته قطرة في رحم غيمة تدفعها الريح الى الجنوب ليمطر موت اخر على ارضه البعيدة .

حبابة :الجدة
العجي/ الولد
دك:وشم
الشوك :الشوق
تنينه:انتظرنا
سكيتك :سقيتك

لا تعليقات

اترك رد