إعادة تدوير العملية السياسية في العراق


 

يحرص زعماء و شيوخ الأحزاب و الكتل و الطوائف و النواب أشد الحرص على شيء يسمونه ” العملية السياسية ” لم أجد له أصلاً في القاموس السياسي و لم نسمع به قبل أن تطأ أقدام المحتل الأمريكي أرضنا و معه هذه الشلة التي ما زال المحتل يخلط مكوناتها منذ ما يقرب من عقد و نصف في طنجرة العملية هذه على نار الإرهاب و الفوضى دون أن تنسجم و تكتسب طعماً وطنياً خاصاً بها ، و الغريب ان هذا المصطلح انتشر في كل البلدان العربية التي طالتها من بعدنا فوضى كفوضانا و أصبح الجميع يتداولون مصطلحاتنا العجيبة : الطيف السياسي ، المكونات ، الفسيفساء ، العملية السياسية ، الكتل الإنتخابية ، العملية الإنتخابية ، المظلومية ، التهميش و مؤخراً الإنبطاح و المنبطحون .. الخ وكأنهم ورثوا منا كنزاً .

في كل مؤتمراتهم و لقاءاتهم و حملاتهم الإنتخابية و أحاديثهم التلفزيونية يوصوننا بها خيراً : احرصوا على العملية السياسية ، حافظوا على العملية لا تمسوا العملية ، حتى تصورنا أنها عملية جراحية يخافون أن تلتهب إذا مسسناها ويبدو أنها كذلك بالفعل ، عملية أجراها جراح أمريكي لاستيلاد هذا المخلوق الذي بلغ سن المراهقة و صار أقل براءة مما تخيله حملة الزهور على جانبي طريق الدبابات الغازية و اكثر شغباً و اذى و تعين على العراقيين الآن وضع حد لهذه المهزلة التي يسمونها العملية السياسية و إيجاد شيء بديل يستثمرون به ما تبقى من وقتهم و نفطهم و أرواح أبنائهم

” التدوير ” مصطلح آخر عرفه العراقيون و انتشر ، لكن قبل الإحتلال و أيام الحصار الإقتصادي و كنا نسميه ( إعادة ) حيث كانت كل مقتنياتنا المنزلية معادة إبتداء من النعال ( جمع نَعْل ) و الأباريق البلاستيكية و الصحون و الأواني و انتهاء بالأقداح و استكان الشاي الزجاجي حيث المواد الزجاجية تكسّر و تصهر لإعادة تدويرها و البلاستيكية تفرم و يعاد تدويرها لعشرات المرات حتى صار العراقي يتخلص من نعله القديم فيعود له إبريقاً بعد شهر

الآن هل يجدي تدوير العملية السياسية لإنتاج بديل للمسخ الأمريكي قبل أن يبلغ سن الرشد و يتحول إلى واحد من المخلوقات الخضراء اللزجة التي يتحفنا بها خيال هوليوود العلمي وقد بدأت ملامحه و تصرفاته تفضح نياته وهو يقفز في المنطقة الخضراء من شجرة لاخرى ؟

لكي تدوّر الأباريق البلاستيكية التي يجمعها العتّاكة ( مهنة ظهرت أبان الحصار أيضاً و هم جامعوا المواد المستعملة القابلة للتدويرمن حاويات القمامة ليبيعوها لمعامل التدوير ) يجب تطهيرها أولاً وغسلها بالشامبو و تجفيفها و تقطيعها و فرمها في ماكنة الفرم ثم تنقل إلى ماكنة الإعادة حيث تصهر تحت درجة حرارة عالية و تضغط لتخرج على شكل خيوط ساخنة تغمر بالماء لتبريدها و إعادتها الى الحالة الصلبة ثم تدخل ماكنة ثالثة لتقطيعها الى حبيبات بلاستيكية تعبأ في أكياس الرز الفارغة سعة خمسين كيلوغراماً بانتظار دورها في تصنيع أباريق جديدة أقل كفاءة و جودة من سابقاتها و كلما أعيد أبريق مرة أخرى فقد إمكانية جلوسه منتصباً على بلاط الأرضية .

بين التغييرو التدوير فرق كبير . الإصلاح الذي هبت الجماهير للمطالبة به كموضة أو كنزهة في نهار جمعة مشمس أكلت خلاله سندويتش الفلافل و احتست استكان شاي مهيّل في ساحة التحرير ثم ما لبثت ان نسيته هو في حقيقته مطالبة بإعادة اباريق العملية السياسية التي قال العتّاك ( مفرد عتاكة ) الشهير بول بريمر أنه جمعها من الشوارع الخلفية . هذه الأباريق لو أجرينا كل عمليات التطهير و الغسل و الصهر و الضغط عليها لما تطهرت لانها غرقت بالفساد و في أحسن حالاتها لن تنتج أكثر من نائب يرقص على كرسي البرلمان كإبريق معاد . خرجنا من عصر الحصار الإقتصادي دعونا الآن نخرج من عصر الفساد السياسي و نفهم أننا نستحق خيراً من هؤلاء و ان لا شيء يجبرنا على القبول بهم بعد اليوم ، دعونا نترفع عن مقايضة أصواتنا ، و الإنتخابات قريبة ، ببطانية أو صحن هريسة فليس بالهريسة وحدها يحيا الإنسان .

لا تعليقات

اترك رد