العنف… المفهوم والدلالات “ج1”


 

لا يجادل أحدا في أن العنف ظاهرة اجتماعية وجدت منذ أن وجد الإنسان، ومع تطور الجماعات والتنظيمات البشرية عرفت الظاهرة عدة أشكال وأنواع واختلفت وتطورت مع التطور الإجتماعي.

ومنذ ميلاد الدولة الحديثة في أوروبا إبان عصر النهضة عرفت العلاقات بين الدول تصادمات تم توظيف العنف واستخدام القوة أحيانا لحل المشاكل والمنازعات بينها. احتدام الصراع والإفراط في استعمال العنف والقوة دفع الدول الأوروبية إلى صياغة مسودة قانون اتفاقية وستقاليا سنة 1648 كقانون ينظم العلاقات الدولية، هذا القانون أخذت معالمه تتضح وتتجه نحو الإستقرار بعد معاهدة الصلح التي أبرمت بفيينا سنة 1815 بعد هزيمة نابليون.

إذ كان المجتمع الأوروبي سباقا إلى صياغة القوانين والضوابط التي تقيد وتنظم العلاقات بين الدول الأوروبية في حين تم اعتبار الشعوب الأخرى غير متحضرة ومتخلفة عن الركب الحضاري والمدني الأوروبي، هته العبارات استعملت كذريعة للسيطرة والإستعمار وممارسة العنف على المجتمعات الأخري تحت يافطة تحضير غير المتحضرين Civiliser les incivilisés

وبذلك كان العنف وسيلة القوي لإخضاع الضعيف والسيطرة عليه للحفاظ على مكانته وامتيازاته وهو أيضا وسيلة في يد المستضعف لتحقيق حريته واسترداد حقوقه المهضومة والدفاع عن الأرض والعرض وبذلك نشأ العنف والعنف المضاد.
إلا أن فكرة الإستعمار المباشر تلاشت في أواخر القرن العشرين وخصوصا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وأيضا مع ظهور السلاح النووي الذي ألغى كثيرا فكرة الحرب الشمولية وبذلك ظهرت نزاعات إقليمية متفرقة وحروب بالوكالة كأكثر مظاهر العنف في المجتمعات.
إلا أن هذا المفهوم في وقتنا الحاضر أصبح غامضا ويشوبه الكثير من التشويه أو المبالغة وتم الخلط بشكل مقصود بين العنف التحرري والعمل التخريبي الإجرامي الممنهج، الشيء الذي أدى إلى خلط المفاهيم وسمح بالتدخلات الأجنبية بذريعة أو بأخرى لتحقيق أطماع القوى المسيطرة.

في عالمنا العربي وخصوصا في المرحلة الحساسة التي تمر بها المجتمعات العربية، الوضع المأساوي يحمل بين طياته بذور تأسيس لمرحلة جديدة من التاريخ العربي المعاصر والبحث في مفاهيم وإشكاليات ظهرت على الساحة العربية ضرورية لتحليل الواقع المنحط كالبحث في الإصلاح ونظام الحكم ومفهوم العنف والعصيان المدني وغيرها من المفاهيم ذات التعريفات الكلاسيكية.
هنا تبرز أهمية المثقف في قدرته على فرز المفاهيم التي تساهم في بناء الحياة العامة بطريقة سليمة من خلال التركيز على تحليل الأحداث بنظام معرفي يتعاطى مع الكليات والتفاصيل للواقع وبطريقة حديثة وعلمية دون عنف أو إقصاء أو تهميش لأي فكر أو طرف آخر.
فالعملية الديمقراطية ثقافة قبل أن تكون ممارسة، والممارسة الرشيدة تأتي من أرضية ثقافية ناجحة.

لا تعليقات

اترك رد