بغداد .. استانة!


 

في العام 1945 وبعد ان عقدت الدول الكبرى الثلاث، التي شكلت عماد ما كان يعرف بالحلفاء، اميركا والاتحاد السوفيتي وبريطانيا، العزم على انهاء النازية، حين وضع قادتها ، روزفلت وستالين وتشرشل، الخطة لذلك في مؤتمر يالطا بالقرم السوفيتي، كان لابد لهم من ان يضعوا خططا لمرحلة مابعد الحرب، حيث تتشابك المصالح والايديولوجيات وتتقاطع في الكثير من الاماكن، وان دحر النازية لن يكون كفيلا بتحقق السلام من دون وضع ستراتيجية، ولو على مستوى الخطوط العريضة والحساسة، لتجنب مواجهات محتملة بين الحلفاء،وهذا ما حصل، اذ توقف كل جيش في المنطقة التي كان متفقا عليها ولم يعبرها، حتى وصل ذلك الى تقسيم العاصمة الالمانية برلين الى قسمين شرقي وغربي!

يعرف العالم كله، لاسيما المتابعون، ان الاتفاق هذا لم يقف حائلا دون مواجهات بالنيابة في الكثير من بقاع العالم، وقعت بين حلفاء مصالح الامس، وقد مرت البشرية بحقبة مثيرة دخلت التاريخ تحت مسمى (الحرب الباردة)، لكن الاهم هو ان حربا عالمية لم تقع بين تلك الاطراف طيلة اربعة عقود قبل انتهاء تلك الحقبة مطلع التسعينيات، مايعني ان مؤتمر يالطا حقق هدفا حيويا وان لم ينه الخلافات كلها بين اطرافه.

منطقتنا مرت بزلزال كبير، كاد يطيح بخرائط دول مهمة كالعراق وايران وتركيا وسوريا، وربما يذهب في تداعياته الى ما هو ابعد من ذلك، وهو ما توقعه المحللون وحتى الناس البسطاء، ممن علمتهم التجارب الكثيرة كيف يفكرون في السياسة.! لكن من المؤسف ان بعض الساسة في منطقتنا، ومن جميع دولها، مازالوا يفكرون بعقلية عفا عليها الزمن، تتمثل بمحاولات جعل هذه الدولة تحت الوصاية او ضم هذه المنطقة او المدينة، ولو بطرق يعتقدون انها مبتكرة وجديدة، لكنها بمضمون قديم لايمكن ان تتقبله الشعوب او ترضخ اليه. ومن هنا جاء مؤتمر استانة المزمع عقده في العاصمة الكازاخستانية لوضع ستراتيجية مشتركة لمرحلة ما بعد داعش، لان تداعيات الحدث الدموي الرهيب مازالت تتفاعل على الارض وفي النفوس، وان غياب الضابط السياسي والقانوني المشترك الذي يقف عنده الجميع، يعني ان الفوضى عائدة الى المنطقة مرة اخرى، بشكل او باخر .. وفي العموم لانعرف كيف ستكون محرجات هذا المؤتمر، اذا ما عقد طبعا.

على ايقاع هذه التداعيات، تشهد بغداد حراكا سياسيا بدا مع طروحات لفعاليات مجتمع مدني، دعت الى ما اسمته (لقاء بغداد)، وان صورة هذا اللقاء تتفاعل في نفوس الساسة والمسؤولين العراقيين، لكن باشكال مختلفة، كعادتهم طبعا، فاللقاء سيعقد على انقاض مرحلة داعش المرعبة، والمطلوب منه او من المشاركين فيه، والذين سيكونون عراقيين وعرب ودول الجوار الاخرى، ان يضعوا تصورا مشتركا للمرحلة القادمة، وهو ما تريده الناس، لكن المشكلة الحقيقية، تكمن في ان الساسة العراقيين، توزعوا بين اجندة دول الاقليم والدول الكبرى، وهم يتصدون لمعضلة داعش الذي هزمته سواعد ابناء الفقراء ممن يتطلعون الى خلاص حقيقي من هذه المحنة المرعبة.
نعم، علينا ان لانتصور ان المهمة سهلة، وان اجتماعا واحدا لتبادل الابتسامات سينهي خلافات عميقة تجذرت للاسف بين بعض الساسة العراقيين، ممن اختلفت اهواءهم وتصوراتهم لعراق المستقبل. وعليه، فان لقاء بغداد يجب ان يكون في بدايته عراقيا، وان يطرح كل طرف وجهة نظره وتصوره لمستقبل الدولة القادمة وامام الناس، لا ان يكون صدى لرغبة هذه الدولة الاقليمية او تلك، لان جميع ساسة تلك الدول يعملون لمصالح بلدانهم باستثناء اغلب ساستنا للاسف. ومن هذه الحقيقة المرة، نرى ان لقاء بغداد اذا ما انعقد ونحن نعيش انقسامنا السياسي هذا، سيجعل حضورنا فيه وان كان في عاصمتنا، بمثابة كومبارس بعد ان يتوزع الساسة العراقيين بين خلافاتهم المزمنة وبين الدول والجهات التي يتنافذون معها، وهو ما لانريده كشعب بالتاكيد.

لا تعليقات

اترك رد