من أين يأتي الشر – ج٣

 

((ارتفعت وتيرة اعمال الشر في وقتنا الحاضر بشكل لم يتعوده او تعهده اجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية، وراينا مظاهر وتجليات للشر تتكرر بشكل يومي في شتى بقاع العالم، وهو شر حتى وان قام به افراد الا انه ليس معزولا عن مخططات وسياسات ومؤسسات تعمل على استخدمامه في قضاء مصالحها وتثبيت اركان حكمها ونفوذها وتسلطها، وقد دعتني هذه الحالة الى تامل عنصر الشر ومحاولة وضع اليد على دوافعه وجذوره في كتاب لم يكتمل لكنني رايت ان انشر منه هذه الفصول التي اصل الان الى الفصل الثالث منها، والذي يناقش اكثر الظواهر شرا في وقتنا الحاضر، ظاهرة الدولة التي تنسب نفسها الى الاسلام زورا وكذبا وتمويها، دولة داعش التي هي عبادة للشيطان، ودولة اثم وعدوان وامراض نفسية مسخرة للقتل والدمار والكراهية، دولة للشر حقا، واكثر ما يلفت النظر انها نبتة شيطانية نبتت في ارضنا العربية ربما لتقول لنا ما قاله شكسبير في مسرحية هاملت عن الدينمارك في ذلك الوقت، شيء ما عفن في الدينمارك، وهي المقولة التي استهل بها هذا الجزء من كتابي عن الشر دوافعه واسبابه، مستميحا القاريء عذراء لتكرار انني لا اكتب بحثا اكاديميا ولا دراسة عن الشر والارهاب وانما هي انطباعات كاتب اراد ذكر بعض الملاحظات والرؤى التي اهتم بتسجيلها اثناء تحضيره لعمله الادبي الابداعي حول هذه الظاهرة))

* – هناك شيء ما متعفن في دولة الدينمارك( Something is Rotten in the State of Denmark)
هذه هي الجملة المفتاح في مسرحية هاملت التي تدور عن الامير في البلاط الملكي، وازمته مع عمه الملك الذي تزوج امه بعد موت والده، ومأساته تنبع من ان شبح والده الملك يظهر له ليخبره انه مات قتلا على يد عمه بالتواطؤ مع امه التي تزوجت العم القاتل، وجملة “هناك شيء ما متعفن في دولة الدينمارك” جملة يقولها احد الحراس اثناء حديثه مع هوراشيو صديق هملت، وهي جملة يكثر اقتباسها في الادب السياسي تعبيرا عن الفساد الموجود في النخب الحاكمة، وهي تصلح ـ فيما ارى- مفتاحا لفهم الازمات التي تعاني منها بلادنا، بل هناك تطابق بينها وبين ما يحدث في مناطق الحكم والقيادة، في بلدان التازم والارتباك والفوضى مثل ليبيا، وتصلح تفسيرا
لرعب ما يحدث فيها، قبل البحث عن تفسير له في المؤامرات الخارجية، والظروف الاقليمية والدولية، والتداعيات المحلية في الاقتصاد والاجتماع والثقافة.
التفسير الذي ياتي على راس القائمة فيما تعاني منه بلدان ثارت على القمع مثل ليبيا واليمن وسوريا والعراق، وتعاني اليوم مرحلة اشد ظلما ورعبا واجراما، ويعيشون حالة ارتهان لهذا الوضع الانتقالي البائس الذي زاد عن حده واجتاز المدى المعقول لاي ازمة سياسية او عسكرية او اقتصادية طارئة، ويدفع البشر العاديون الثمن، معاناة قاسية والما وضيقا وضنكا في المعيشة والامن، هو حقيقة ان هناك تعفن في مناطق الحكم، هناك اهل بلطجة واجرام في الميليشيات وصل الدرك الاسفل من الخسة والدناءة والحقارة، وهناك فساد مالي وسياسي اكيد ومكين لذى الاجسام السياسية، وهذا الاجرام لذى اهل السلاح وهذا الفساد المالي والسياسي لدى الاجساد السياسية، ليس الا انعكاسا لفساد اكبر في نفوسنا ولدى اهلنا وفي تربة المجتمع في بلادنا، ليتنا حقا نعرف تشخيصه والوصول الى اسبابه ودوافعه وجذوره ، ومن ثم الوصول الى علاج ناجع له قبل ان نستيقظ فنجد هذه الاقطار العربية قد لحقها الانقراض وتشظت الى دويلات عشائرية وطائفية ومناطق نفوذ لقوى اجنبية لم تهدف في يوم من الايام الا الى استغلال هذه البلدان وسلب ثرواتها واستخدامها مكانا لنفوذها وسيطرتها. ولاشك ان بداية اي اصلاح للعوار والفساد في هذه البلدان، والخروج من حالة التازم والارتباك والفوضى، ومعالجة الاوصاب والمحن والاحن التي ابتليت بها هذه البلدان العربية ، هي ازالة هذا العفن الذي وردت الاشارة اليه في المسرحية الخالدة، والذي هو فساد في عقول وقلوب فئة صغيرة ضالة موجودة في النخب من اهل الحراك السياسي في هذه البلدان.
ان هناك هواء فاسدا يتنفسه الجميع، الى حد تبدو معه وكان الظاهرة الداعشية الارهابية الاجرامية، رغم انها نبات شيطاني طاريء وعارض، وجدت حقا بيئة ومناخا وارضية ساعدتها على النمو والانتشار في الارض العربية دون غيرها، مما يدعو الى تامل العطب او الاعطاب التي ادت الى مثل هذه النتيجة المهلكة.

عندما يتخفى الشر في ثوب المقدس
عن موضوع السبي واسواق النخاسة التي قامت بها داعش في سوريا والعراق للازديات والمسيحيات فهي اعمال لا تنتسب لاي دين الا عبادة ابليس، امير الشر في الكون
والحقيقة فان الامر لا يحتاج الى استنكار او شجب او تنديد او توضيح لان هذا ضد صحيح الدين لان مجرد ان يذكر هذا الاسم داعش او دولة الخلافة الاسلامية اوغيرها من جماعات التفكير والتطرف والزندقة مثل القاعدة قبل داعش وملحقاتهما مثل انصار الشريعة وانصار القدس وبوكو حرام وغيرها من تفريعات خرجت من هذا الثقب الاسود متلفعة بظلام التوحش والجهل والاجرام ، تعرف ان ما ترتكبه من افعال لن تكون الا جزءا من طبيعة هذه الجماعات االتي لا تستدعي الاستنكار والادانة ولكن الاشمئزاز والاحتقار فهي عار على الانسانية وعار على الاسلام وسبة في وجه العصر الحديث
ولا سبيل لتفسير جنونها الاجرامي وتوحشها الذي تخجل منه وحوش الغابة ، الا انهاجماعات مصابة بمرض عقلي اجرامي ، وليس غريبا ان يكون هذا المرض جماعيا فالطيور على اشكالها تقع واصحاب الميول الاجرامية يجدون في داعش والقاعدة وغيرهما من تنظيمات متطرفة غطاء دينيا لا جرامهم فياتون اليها ليضفوا على سلوكهم الاجرامي هذا الغطاء الرسولي الكادب ويتخذون من الدين ذريعة بحجة انهم يخدمون الدين الاسلامي وهم لا يخدمون الا الشيطان وينتمون اليه ويرتكبون من الشر ما يجل الابالسة تفتخر وتزهو بما يفعلون.
هذا تشخيص لا يفيد لانه تحصيل حاصل وتفسير للماء بالماء فالشر شر ولا احد يستطيع تغييره الى خير ولكن ما يفيد هو لماذا ، يعني معرفة الاسباب التي خلقت هذه الظاهرة المرضية واخرجت هذا الوحش وسط ارضنا وبين ظهرانينا
ثم السؤال الثاني كيف يمكن القضاء على هذا الوحش وثالثا كيف نفعل لكي لا يظهر هذا الوحش مرة اخرى بعد القضاء عليها
اما كيف جاء فيمكن القول انه ابن الجمود العقلي ووضياع الاجتهاد وتحويل الدين الى تابوات وقوالب جامدة متكلسة نتيجة الكبث والاستبداد وحكم الطغاة الذين استلموا الاقطار العربية من حكم المستعمرين ، وربما كان المستعمر اكثر رحمة واوسع صدرا من هؤلاء الطغاة الذين نعاني الان نتائج قهرهم وكبتهم وتسلطهم
ومع الكبث حصل تجهيل ، والتعليم نفسه لم يكن الا لتكريس الجهل ، وحصل تجريف للفكر والادب والفن والثقافة وهي العوامل التي تؤكد انسانية الانسان فصنعنا اناسا ينتمون الى الوحوش اكثر مما ينتمون الى البشروكانت هنا حرب ضد الوعي وضد الادراك وضد التفكير وضد العقل ، لكي لاينمو ولا يعمل

وكلها عوامل يمكن شرحها والاستفاضة فيها بما قد لاتتسع له هذه المساحة اما كيف القضاء عليها
فنعم بالتاكيد للحل الامني ، فعندما يمتليء بيتك بالفئران فانك لن تتكرها لتبحث عن المصدر ولكن تبدا بقتلها وتنظيف البيت منها ثم عليك بالتاكيد ان تبحث عن المصدر وهو كلام ضد من يستنكرون الحل الامني والعسكري ، وحل ضروري لانهم ليسوا جماعة دعوية وانما جماعات جهادية تستخدم السلاح في ارتكاب ابشع الجرائم التي لابد ان تقابل بقوة وحمدا لله ان العالم كله يستنفر قواه لتخليص البشر من شرورها وارجو ان يكون جهدا صادقا وليس مجرد عرض مسرحي ثم لابد بعد ذلك من معالجة الاسباب التي تبدا بمناهج التعليم واعادة الاعتبار للاداب والفنون والثقافة عموما وعودة حصص الموسيقى الى المدارس الابتدائة وعودة حصص الرسم والمحفوظات من شعر وقطع ادبية ، ثم استراتيجية لتعبئة ثقافية وتاسيس تواصل حقيقى مع العالم وما يطرحه من فتوحات ثقافية وفكرية لكي لا يكون الانسان في المنطقة العربية والاسلامية معزولا كاهل الكهف عن ثقافة العصر وبعد ذلك لابد من ان نسعى لتجديد السبل والادوات والاساليب التي ندير بها مجتمعاتنا وندير بها اوطاننا وندير بها شئوننا لكي لا نرى دواعش جديدة تخرج في المستقبل بعد القضاء على الدواعش التي نخوض ضدها هذه الحرب

ما تقوله عن المجازر التي ترتكبها داعش في حق الابرياء شرقا وغربا؟
ما يمن قوله تلخيصا لهذه الحالة هو ان التنظيم اسمه داعش والمهمة هي ابادة البشرية
هذا تنظيم ليس في اجندته غير عمل واحد لا يسعى الى انجاز غيره هو القتل، ولم نسمع من اي مصدر داعشي ان له او لتنظيمة رسالة في الحياة ولا عملا يتصدى له غير القتل، ولا في جعبته اجندة غير اجندة قاتل او قتيل، او كلاهما معا، اي قاتل وقتيل، والحقيقة الاكيدة من حقائق هذا القتل الذي يقوم به التنظيم ، انه قتل يشمل كل الناس، ولا يستهدف نوعا من البشر، او اصحاب دين او عرق او لون، فكما تقول شواهد الذبح والاجرام والمجازر التي يرتكبها في كل بقاع العالم شرقه وغربه وجنوبه وشماله، انه يشمل في مذابحه البشر جميعا، وانه قتل اناسا من كل الاديان وكل الاجناس وكل الالوان والاعراق، ورغم ادعائه انه اسلامي فقد قتل من المسلمين اكثر من غيره ، وادعائه انه مع المستضعفين فان اخر جرائمه استهداف مركز للمعاقين ، مما يؤكد ان المهمة التي ارادها هي ابادة البشر جميعا، ولاشك انها مهمة، مهما كانت بشاعتها، مهمة عسيرة على الانجاز، مستحيلة على اي تنظيم ان يحقق انجازها، الا انه يبقى الهدف لهذا التنظيم هو افناء الجنس البشري.
فماذا يبقى من حق البشر فعله، اظنه شيئا طبيعيا الاتفاق على خطة لمقاومة الافناء الذي تريده داعش وافنائها هي وعناصرها بدلا من افناء البشر جميعا.

هناك تقارير وتحليلات كثيرة تقول عن ضلوع بعض القوى الكبرى في العالم في انشاء داعش، او اصلها القاعدي، وتقارير اخرى تتحدث عن توظيفها واستخدامها من قبل هذا الجهاز او ذاك من مخابرات العالم، في مخططات واجندات سرية رغم الحرب المعلنة ضد هذا التنظيم، ولكن ظهر جليا امام العالم اجمع انه تنظيم يمثل التوحش ضد التحضر، ويمثل الظلم والزيف ضد الحق والحقيقة، ويمثل الجريمة ضد الامان والعدل والقانون، ويمثل عبادة الشيطان و انتصار الشر ضد عبادة الله وانتصار الخير، مما يجب على تلك القوى التي تورطت في اظهاره للوجود، او تسعى لتوظيفه واستغلاله، ان تتوقف عن هذا التفكير الاجرامي الابليسي الذي يضعها في ميزان واحد

معه، لان ما يحمله من تدمير للعالم وقضاء على بوادر الخير فيه اكبر من اي توظيف واستغلال، الخسارة التي ستنجم عن وجود هذا التنظيم ستصل الى البشر جميعا دون تفريق بين من حاربها او ساعدها على البقاء.

عن البيئة العربية التي تخلقت فيها الظاهرة الداعشية
لعل ما يؤكد قوة الروابط العربية ، هو ان الظاهرة الداعشية عندما تنامت وانتشرت، لم تقتصر على قطر عربي واحد، وانما كان لكل واحد من اقطار الوطن العربي نصيبه منها، كدليل على ان التربة التي انبتت هذا النبات الشيطاني هي ارض ذات طبيعة واحدة، وان المناخ الذي ساعد على نموها مناخ واحد، وانه انجبتها مؤثرات متطابقة، من مشارق الارض العربية الى مغربها ، ومن حوثيي اليمن الذين يسمون انفسهم انصار الله، الى متطرفي المغرب العربي الذين يسمون انفسهم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وكلها باسم الله على تواصل وتناغم، وقد نشر تنظيم داعش في الموصل صورا هذا الاسبوع، لجنوده في بنغازي يقومون باستعراض للقوة، مباهيا ان حدود دولته تمتد من العراق الى ليبيا.

ويصدق في حالتنا العربية، وابتلاء بلادنا بهذا الارهاب والاجرام والتوحش، شطر البيت الذي قاله امير الشعراء احمد شوقي، في محنة دمشق عندما دكتها طائرات المستعمرين الفرنسيين، كلُّنا في الهمّ شرقُ، وكان قد استهل قصيدته بالبيت الذي يقول “سلام من صبا بردا ارق، ودمع لا يكفكف يا دمشق”، ويبدو ان الدموع وسكبها، قدر لا فكاك منه، في دنيا العرب والمواطن العربي ، ماضيا وحاضرا، ولا اريد ان اقول مستقبلا ، لكي لا اقفل ابواب الرجاء، ولا اقطع الامل في وجود اجيال جديد تستفيد من دروس الماضي، وتسهم في بناء اوطان بلا احقاد ولا احزان، ولا حماقات تجعلنا ننتج البلاء ونوزعه على اهلنا، ونصنع الفواجع والكوارث لانفسنا، ونعذب بها اهلنا، وندمر بها اوطاننا ، وهذا هو جديد الظاهرة الداعشية ، فهي ليست غزوا اجنبيا كذلك الذي صنع المأساة التي يتحدث عنها الشاعر احمد شوقي في قصيدته، وليست كارثة طبيعية مثل الزلازل والفيضانات والاوبئة، ولكن داعش وباء من صنعنا، وافة تتغذي من احقادنا، ومن سوء فهمنا للدين، ومن تداعيات حكام وانظمة استبدادية، انبتت لنا حقول الشوك والعوسج والصبار، بدلا من زرع الخير والمحبة، و غرس اشجار الفاكهة وحدائق الورد، وقد سألني احد الصحفيين، مستنكرا ما تقوم به هذه الجماعات الاجرامية التي تنسب نفسها للاسلام، من موبقات تقول انها احياء للشريعة، واعلاء لقيم الدين الحنيف، مثل السبي،

واسواق النخاسة والرقيق، عدا القتل والمجازر، التي تنصبها في كل مكان لشركاء في الوطن، بسبب اختلاف المذهب او الملة، وتطلق عليهم اعداء الدين، يريد ان يعرف كيف ارى هذا الجنون، فاجبته بان الامر لا يحتاج الى استنكار، او شجب، او تنديد، او القول بان هذا ضد صحيح الدين، لان مجرد ان يذكر هذا الاسم داعش، او دولة الخلافة الاسلامية اوغيرها من جماعات التفكير والتطرف والزندقة، مثل القاعدة وداعش وملحقاتهما، انصارالشريعة، وانصارالقدس، وانصار الله، وبوكو حرام، وغيرها من تفريعات خرجت من هذا الثقب الاسود، متلفعة بظلام التوحش والجهل والاجرام، تعرف ان ما ترتكبه من افعال، لن تكون الا جزءا من طبيعة هذه الجماعات التي لا تستدعي الاستنكار والادانة، ولكن الاشمئزاز والاحتقار واللعنة، فهي عار على الانسانية، وعار على الاسلام، وسبة في وجه العصر الحديث.

ولا سبيل لتفسير جنونها الاجرامي، وتوحشها الذي تخجل منه وحوش الغابة ، الا انها جماعات مصابة بمرض عقلي اجرامي ، وليس غريبا ان يكون هذا المرض جماعيا فالطيور، على اشكالها تقع، واصحاب الميول الاجرامية، يجدون في داعش والقاعدة وغيرهما من تنظيمات متطرفة غطاء دينيا لا جرامهم، فياتون اليها، ليضفوا على سلوكهم الاجرامي، هذا الغطاء الرسولي الكاذب، ويتخذون من الدين ذريعة، وهم لا يخدمون الا الشيطان وينتمون اليه، ويرتكبون من الشر ما يجعل الابالسة تفتخر وتزهو بما يفعلون.
هذا تشخيص لا يفيد، لانه تحصيل حاصل، وتفسير للماء بالماء، فالشر شر ولا احد يستطيع اعتباره خيرا، ولكن ما يفيد هو لماذا، وكيف؟ يعني معرفة الاسباب التي خلقت هذه الظاهرة المرضية، واخرجت هذا الوحش وسط ارضنا وبين ظهرانينا، ثم السؤال الثاني، كيف يمكن القضاء على هذا الوحش، وكيف نفعل لكي لا يظهر هذا الوحش مرة اخرى بعد القضاء عليه.
اما السؤال عن مصدر وجوده، فيمكن القول انه ابن الجمود العقلي، وضياع الاجتهاد، وتحويل الدين الى تابوات وقوالب جامدة متكلسة، نتيجة الكبث والاستبداد وحكم الطغاة، الذين استلموا الاقطار العربية من حكم المستعمرين، وربما كان المستعمر اكثر رحمة واوسع صدرا وافقا، واوفر علما وحصافة من هؤلاء الطغاة، ومع الكبث حصل التجهيل، وتغييب الوعي، والتعليم نفسه لم يكن يهدف الا الى تكريس الجهل، وحصل تجريف للفكر والادب والفن والثقافة، وهي العوامل التي تؤكد انسانية الانسان، فصنعنا اناسا ينتمون الى الوحوش، اكثر مما ينتمون الى البشر، وكانت هنا حرب ضد الوعي، وضد الادراك، وضد التفكير، وضد العقل ، لكي لاينمو ولا يعمل،
وكلها عوامل يمكن شرحها والاستفاضة فيها بما قد لاتتسع له هذه المساحة، عن كيف انجزنا مهمة تصنيع التوحش مغربا ومشرقا.
اما كيف القضاء على هذه الظاهرة،
فنعم للحل الامني ، لانه عندما يمتليء بيتك بالفئران، فانك لن تتركها لتبحث عن المصدر، ولكن تبدا بقتلها، وتنظيف البيت منها، ثم عليك بالتاكيد ان تبحث عن المصدر، وهو
كلام ضد من يستنكرون الحل الامني والعسكري، لان الدواعش ، بكل اصنافهم، ليسوا جماعات دعوية، وانما جماعات جهادية تستخدم السلاح في ارتكاب ابشع الجرائم التي لابد ان تقابل بقوة، وحمدا لله ان العالم كله يستنفر قواه، لتخليص البشر من شرورهم، وارجو ان يكون جهدا صادقا وليس مجرد عرض مسرحي، ثم لابد بعد ذلك، من معالجة الاسباب التي تبدا بمناهج التعليم، واعادة الاعتبار للاداب والفنون والثقافة عموما، وعودة حصص الموسيقى الى المدارس الابتدائية، وعودة حصص الرسم والمحفوظات من شعر وقطع ادبية، ثم استراتيجية لتعبئة ثقافية، وتاسيس تواصل حقيقى مع العالم، وما يطرحه من فتوحات ثقافية وفكرية، لكي لا يكون الانسان في المنطقة العربية والاسلامية معزولا، كاهل الكهف عن ثقافة العصر، وبعد ذلك لابد من ان نسعى لتجديد السبل والادوات والاساليب التي ندير بها مجتمعاتنا، ولابد من استنفار المؤسسات الدينية للبحث في وضع استراتيجية تنويرية، لا تعوزها الحداثة والتجديد للطرح الديني .

الاباء الشرعيون للارهاب في اقطارنا العربية
ولندع جانبا اطرافا دولية، اقتضت مصالحها الكونية ايقاظ غول الاسلام السياسي، واستخدامه في صراعاتها عبر الكرة الارضية، كما حصل مع امريكا وهي تحارب الاتحاد السوفييتي فوق ارض افغانستان وعملت على انشاء جيوش اسلامية تحارب نيابة عنها، متمثلة في عناصر القاعدة وطالبان. وليكن تركيزنا على انفسنا، وقيادات محلية في عالمنا العربي والاسلامي، كان لها فضل استنبات الارهاب الديني في ارضنا، ولا بد من القول بان احد الاباء الشرعيين لهذا الغول هو اية الله الخميني، الذي كان يملك المؤهلات، وربما المبررات، لاستخدام العصبية الدينية في الاطاحة بنظام الشاه، لكنه بعد اتمام هذه المهمة ، استدار بمخلوقاته التي تملك انياب الافاعي وبراثن الوحوش، لافتراس حلفائه في الثورة، وصار يلتهم اصحاب الحراك الليبرالي الاشتراك العلماني ، واحدا وراء الاخر، حتى اخلى منهم البلاد، وكانت ولائم القتل الوحشية التي يقودها ملالي من اهل الجنون والاجرام، مثل خلخالي، تقام كل يوم امام انظار العالم، ثم التفت ليصنع اشنع واسوأ حرب في تاريخ المنطقة ، استمرت ثمانية اعوام ، حرب غبية، مجنونة، لا مبرر لها، الا امتلاء جيوب تجار السلاح في العالم، واصحاب المصانع الحربية في امريكا، باموال بؤساء الشرق العربي والاسلامي، ولابد ان نذكر اسم شريكه في اثارةهذه الحرب ، والذي لعب دور عدوه فيها، الطاغية العراقي صدام حسين، واذا كان الخميني مؤسسا للارهاب الديني، فقد كان الطاغية صدام حسين صاحب الفضل الاول

في التمكين لهذا الارهاب في الوطن العربي، و ما داعش التي صارت كائنا متوحشا بحجم الجبال، تكاد اسلحة العالم تعجز عن قهره، الا تداعيات وتوابع لاسلوبه في الحكم واستبداده، قتلا وقهرا للناس وغزوا للجيران ، وعندما كان باستطاعته ان ينسحب ملبيا دعوة كريمة من شيخ كريم هو زايد بن سلطان، رفض مكابرا هذه الدعوة ، حتى دفع الثمن شنقا له، وقتلا لابنائه، ليتفجر الارهاب الداعشي ، الذي بدا قاعديا بنلادينيا زرقاويا ، وانتهى الى هذا الطوفان المرعب من فظاعات الاجرام والقتل ، وليحقق المقولة الخالدة له ولغيره من الطغاة وهي “انا ومن بعدي الطوفان”.

في ليبيا ، مات حاكمها العقيد، قتلا على ايدي ابناء شعبه، الذين اذاقوه ملعقة صغيرة مما كانوا يتجرعونه على يديه من الام واحقاد وجرائم وقهر، ولكنه لم يمت الا بعد ان اطلق كتائبه، تخوض حربا ضد الشعب، استمرت ثمانية اشهر، فتح خلالها السجون للمجرمين الجنائيين، وفتح مخازن، بحمولة غير محدودة من السلاح، راكمها على مدى سنوات حكمه الاربعين، ليوزعها على كافة المناطق، خاصة التي تعاني من ثارات تاريخية لكي تبدأ في مهاجمة بعضها بعضا، وانتشر السلاح في كافة انحاء البلاد، وفاز المجرمون والبلاطجة بالنصيب الاكبر منه، وتسيد الارهاب الديني على المشهد، وعم الطوفان الذي يسعى الطغاة، ويعملون على ايجاده عند رحيلهم.
وسنظلم طاغية اليمن على عبد الله صالح ، ان لم نعترف باسهامه المتميز في تحريك التربة اليمنية، العامرة بجيوب التعصب والجهل، وثقافة الاقتتال العشائري، ومساعيه الناجحة في توظيف هذه الجيوب لصالح بقائه في الحكم ، وهو الذي وصل الى الحكم بالتامر والجريمة، واستمر بالتأمر والاجرام، واراد بعد ثورة الشعب ضده، ان ينجح في هزيمتها بالتآمر والاجرام، وقد كتب الله له النجاة من حريق سلخ جلده، ومع ذلك استمر، في اشعال نار الفتنة ، والتحالف مع الارهاب القبلي الديني المتمثل في الميليشيات الحوثية، وبقايا القاعدة، حتى اليوم، وقد غادر الحكم.

اما اب الارهاب في سوريا، الذي لا يريد ان يختفي ولا ان يموت، فهو الاسد الابن، الذي واصل مسيرة والده، عندما استفرد بحكم بلاد الشام، اثر انقلاب شاركه فيه اخرون من الجيش وحزب البعث ، قام بتصفيتهم جميعا، وواصل الحكم، حتى وفاته، قهرا واستبدادا وقتلا، ونصب ابنه قبل دقائق من وفاته ، وريثا له
في منصب الرئيس، في سابقة تاريخية قل نظائرها، وسار الابن على طريق ابيه ، وقامت في وجهه ثورة سلمية ارادت انهاء احتكار السلطة لعائلته الاسدية، فواجهها بالسلاح الذي استجرم في استخدامه الى درجة ضرب شعبه بالاسلحة الكيماوية والجرثومية، وكان لابد للثورة السلمية ان تتحول الى ثورة مسلحة، كما كان لابد ان يجتاحها اهل الارهاب الديني، ويجدون فيها فرصة لاختبار مهاراتهم في القتل وانزال الرعب بالمواطنين، وتلتحم بالقوى التي نمت تحت غطاء العصابة الحاكمة في العراق باسم البعث، وتحت حكم الطاغية صدام، وتشكل هذه القوى اكبر ظاهرة ارهابية في العصر الحديث، تجتاح المنطقة، ترويعا وتوحشا وارتكابا لكل الموبقات، من التطهير العرقي الى احياء تقاليد الرق والرقيق واستباحة الارواح والاعراض ، ومهما اجتهدت امريكا في ان تقود تحالفا ضد هذا الارهاب الديني ، فهي لن تستطيع ان تتنصل من مسئولية انها الحاضنة والمرضعة بل والام التي تستطيع ان تضع ذراعيها حول القاعدة وداعش وانصار الشريعة وانصار بيت المقدس وبوكو حرام وان تقول باطمئنان وثقة انهم كلهم ابناؤها. وما نرجوه ان تكون حقا قد تخلت عن رعايتها لهذه الجماعات وانها صادقة في حرب القضاء عليهم ، بعد ان صار بعضهم مثل مخلوق فرانكشتاين الذي قتل صاحبه.

الظاهرة الدعشية اوشرقاغرب
لن تكون الانسانية جديرة باسمها، ولا العصر الحديث جدير بما ينسب اليه من انه عصر المكتبسات العلمية والحقوقية، والانجازات التي تتصل بنشر العدالة والحفاظ على كرامة البشر، اذا لم يستنفر هذا العالم قواه، ويعلن التعبئة في صفوفه ، ويوحد جهوده العسكرية والسياسية ، المادية والمعنوية ، في ضربة قوية جامعة مانعة تقضي على هذا التنظيم المتوحش الذي لم يترك جريمة من جرائم عصور الظلام والبدائية الا استحضرها، معيدا البشرية الى ما قبل الحضارة وما قبل التقدم الانساني في مدارج النهضة ، راجعا بها الى عصر انسان الكهف وانسان الافتراس وانسان ما قبل بزوغ الحضارة والمدنية .
راينا بوكو حرام وما تفعله باطفال وصبايا وحرق لمدارس وقرى ، وراينا ما تفعله داعش الشام والعراق من فتح اسواق لبيع البشر والعودة الى عصور الرقيق ، وراينا الجرائم الاخيرة التي بلغت الاوج في توحشها وقبحها وبشاعتها وهي تحرق ضحيتها الاردني الطيار الكساسبة ثم عدد خمسين اسيرا من الاكراد ، قبل ان ياتي الدور على ليبيا فيقوم فرعها الذي احتل مدينة سرت ، بخطف واحد وعشرين عاملا مصريا بريئا، غادر وطنه، يبحث عن لقمة عيشه ، ودون ذنب والا اثم الا لانه يخالف اهل داعش في الهوية الدينية ، يقوم التنظيم الاجرامي، وفي عملية استعراضية تشمئز منها النفوس، بعملية ذبح لجميع هؤلاء الشهداء، وطبعا لا يقتصر القتل على المخالفين في الملة ، وانما لاهل البلاد المسلمين ، الذين ارسلت لهم ثلاثة سيارات مفخخة يركبها ثلاثة من الانتحاريين الصبيان الذين تم غسل ادمغتهم، فاستهدفوا سوقا ومحطة بنزين يقف فيها اناس ينتظرون دورهم في تعبئة سياراتهم، فيسقط اكثر من اربعين قتيلا وضعفهم من الجرحي، من الواقفين في المحطة، وكل من يقع في محيط تلك التفجيرات، في المقهى والسوق وعابري السبيل ، اجرام لا هدف له ولا غاية الا الاجرام في حد ذاته، وفي ذات الوقت قامت داعش العراق بالاعتداء على التراث الانساني، فاحرقت مكتبة الموصل بعد ان احرقت قاعة للفن والموسيقى ، ومازال التوحش مستمرا، فاخر عمل قام به التنظيم الداعشي في ليبيا استهداف حي السفارات في طرابلس العاصمة ، وحرق السفارة الايرانية ، لمجرد الاعلان عن العداء المذهبي المتاصل في نفوسهم ضد كل من يخالف هؤلاء المجرمين في المذهب او الطائفة.
نعم هناك تحالف عالمي يقوم بغارات من الجو على دواعش العراق ، ولكن هل هذا حقا يكفي ، انه بالتاكيد لا يكفي لان الدواعش واشباههم مثل القاعدة وبوكو حرام يزدادون انتشارا ويكتسحون اماكن جديدة ويتمددون في دول اخرى فداعش يفيض الان على بلدان الجوار لنيجيريا ، وفي ليبيا ازداد شراسة واتساعا، وبعد ان كان محصورا في مناطق درنة ، صار الان له خلايا في بنغازي، ويحتل عاصمة المنطقة الوسطى سرت ، وله عمليات ارهابية في العاصمة ، التي سبق ان استعرض قواته في ميادينها ، وكذلك في مدن قريبة من العاصمة مثل صبراته ومثل الزاوية .
وهو ما يعني ان غارات التحالف لا تكفي ، وهذا التحالف نفسه لا يكفي ، فلابد ان يشمل التحالف كل الدول الاعضاء في الهيئة الاممية ، وكلها يجب ان يكون لها دور في الحرب على الارهاب ، ليس قوة جوية فقط ، كما يحدث الان ، وانما يجب ان يسهم كل قطر بما لديه من امكانيات مادية وبشرية ومعنوية وسياسية، عتادا ومالا وجندا، يخوضها العالم باجمعه، لان الخطر لا ينحصر في ليبيا او العراق او الشام او نيجيريا ، اومصر، وانما هو خطر كالسيل ، عابر للحدود وعابر للاديان وعابر للاثنيات، وسيصل شره لكل من يظن انه في مأمن منه ، ورحم الله الملك عبد الله آل سعود، الذي ارسل تحذيره لدول الغرب بان الخطر سيكون في مدنهم ويطال مواطنيهم ويدخل بيوتهم ، مجددا كما حدث في الماضي ، وقد سمعنا المتحدث الداعشي اثناء مشهد القتل للمصريين يهدد بغزوة قريبة تطال روما، ولن يكون ذلك بعيدا اذا استمر الاهمال، خاصة لدواعش ليبيا، حيث راينا في مجلس الامن مواصلة للتقاعس عن مجابهة هؤلاء المجرمين الذين يسجلون تزايدا وانتشارا وزخما وقوة بشكل قياسي ، واهمالا لدعاوى اهل الحراك السياسي الليبي الذين يستصرخون الانسانية، ويستنهضون الضمير العالمي، من اجل مساعدتهم على دحر الارهاب المستشري في بلادهم ، وكل ما يطلبونه هو رفع الحظر على تسليح
الجيش الليبي، وتقديم العون اللوجستيكي والسياسي فقط ، لانهم لا يريدون من الغرب ان يرسل اولاده يموتون في ليبيا، فالمهمة سيتولاها الليبيون انفسهم، شرط تزويدهم بما يحتاجونه من سلاح ، مقابل السلاح الذي يتلقاه الدواعش والدعم من مصادر خفية مجهولة ، فهم يستخدمون كما تقول التقارير احدث الاسلحة، واحدث التقنيات ، ويصورون افلاما لعملياتهم ببراعة افلام هوليوود نفسها، فمن اين حقا ياتي هذا المدد، وهذا العون، وكيف يسمح المجتمع الدولي بابقاء الدولة الليبية بهذا الضعف، ومؤسساتها الامنية والعسكرية بهذا المستوى المتدني في التسليح والتدريب، الذي لا يستطيع حتى حماية الحدود، كلها اسئلة مشروعة يسألها الليبيون، ويرون فيها مبعثا للشك والريبة في نوايا الغرب ، ونوايا الهيئة الاممية ، وان هناك ربما اجندات سرية لا يعلنون عنها تستهدف اللعب بليبيا ومقدراتها وابقائها ورقة للمساومة بها في سيرك السياسة الدولية واسواقها.

التصدي للظاهرة عربيا
حان الوقت لان نرى اقطار الوطن العربي، تعطي الاولوية المطلقة في عملها المشترك لمكافحة الارهاب، وان تستنفر قواها المادية والمعنوية، للزج بها في المعركة الحاسمة مع هذا الوحش الكاسر، الذي يصول ويجول فوق ارضها، مشرقا ومغربا ، ويعمل فيها تقتيلا وتخريبا واهدارا للقيم، وتدميرا للتراث والحضارة.
لقد تواترت الحوادث الارهابية في الفترة الاخيرة، بما اسفرت عنه من ضحايا، وما تبدى فيها من اجرام وتوحش ، ليقول ان الامر وصل الى حد لا يجوز التعامل معه بالاسلوب السابق، وانما باستراتيجية جديدة، وعمل عربي مشترك، ففي يوم واحد سقط مئات الضحايا من شهداء وجرحى ، في اقصى المشرق ، في الكويت حيث استهدف الارهاب الاسود المصلين ، وهم سجود الى الله، في مسجد الامام الصادق، وفي تونس مغربا، موجها ضربته الى الاقتصاد التونسي ، وتدمير المصدر الاساسي للدخل القومي، عندما اودى بحياة المصطافين على ساحل سوسة، من سواح عرب واجانب، احبوا تونس وشعبها وجاءوا للاستمتاع بمنشآتها السياحية وتراثها الحضاري، وبعد يومين من هذا الحادث ، امتدت يد الارهاب الى قلب القاهرة ، تستهدف اهل القضاء والقانون، في شخص النائب العام الشهيد هشام بركات، وعدد من الضحايا ممن تصادف وجودهم في المنطقة المأهولة بالسكان في مصر الجديدة ، حيث تم التفجير، وهو ارهاب لم يوفر مكانا في اقطار الوطن العربي، ولا فئة من الناس ، وهاهي المساجد نفسها تصبح بمن فيها من مصلين ، هدفا لارهاب يتذرع بالاسلام ويدعي الانتماء اليه ، ويرتكب جرائمه باسم الله ، وهو اجرام في حق الله ، وعبادة للشر وللشيطان والعياذ بالله.
لم يعد كافيا ان تتصدى هذه الاقطار العربية فرادى للظاهرة الارهابية، كما لم يعد ممكنا الاعتماد في حسمها على الجهد الدولي، الذي قد لاتكون اولوياته، ولا اجندات الدول التي
تنخرط في هذا الجهد، متطابقة تطابقا كاملا مع مصالح واولويات واجندات الشعوب العربية، ولا نقول باهمال العامل الدولي ، او الاستغناء عن جهود القوى الكبرى في العالم ، فهي جهود مطلوبة في مكافحة الارهاب، بل ونرجو ان نرى المجتمع الدولي يدفع الى المعركة مع الارهاب، بمزيد الموارد والميزانيات ، فهو معني بالظاهرة، وتعاني شعوبه من نتائجها ، وقد شمل يوم الارهاب الاسود الذي طال الكويت وتونس، بلدا اوروبيا هو فرنسا ، وبعد الضربة الموجعة التي استهدفت موقعا صحفيا في عاصمتها باريس، تلقت في ذلك اليوم ضربة اخرى في مدينة ليون، ولكن يبقى الوطن العربي ، هو المنطقة التي يجب ان تحسم المعركة مع الارهاب فوق ارضها، فهو المصدر لاغلب عناصر هذا الارهاب، وهو منبع الايديولوجية التي يتبناها هذا النوع من الارهاب، اي التطرف الاسلامي، وهو ايضا الذي يستقبل اعتى واشرس الضربات التي ينزلها الارهاب باناسه وتراثه وتاريخه وحاضره ومستقبله.
وارى ان الدخول في المعركة العربية المشتركة لحسم الصراع مع الارهاب، يبدأ باستثمار ماهو موجود، واقصد تحديدا، القوة العربية التي اجتمع رؤساء اركان الجيوش لانشائها تحت مظلة الجامعة العربية، هذه القوة يجب ان نرى تفعيلا سريعا لها، وحشدا يناسب الموقف، لجعها قوة عسكرية ضاربة، تستخدم احدث الاسلحة واكثرها فتكا، وان نرى قوات من كل الاقطار العربية، وباحجام كبيرة، تنخرط تحت قيادتها، وان ترصد لها الدول العربية النفطية الميزانيات الضخمة، بل وان تنشأ من اجلها صناديق يسهم فيها المال الخاص العربي، لاشعار الجميع بانها معركة مصير، ومعركة حياة او موت للامة العربية، وان نجدها في حالة جاهزية، واستعداد، تباشر العمل بشكل حاسم وفاعل وقوي، هذا اولا .
ثانيا، يجب ان نرى مجلس امن عربي، ولا اعني ما كان يحدث من اجتماعات سنوية لوزراء الداخلية ، وانما مجلس يضم ممثلين لكل الاقطار العربية ، ويكون هذا الممثل بدرجة وزير يحمل حقيبة تسمى مكافحة الارهاب، وله صلاحية التنسيق في بلاده بين المؤسسات الامنية والعسكرية ، متفرغ لعمل المجلس ، مثل الحال في مجلس الامن الدولي في الامم المتحدة، يمارس عمله اليومي في الجامعة العربية ، بكل ما تقتضيه الحالة من صلاحيات وقدرة على العمل والمبادرة.
الارهاب الذي يعمل بشراسة واجرام فوق ارض الوطن العربي ، استشرى واستفحل الى حد ، يصعب معه تحقيق اية تنمية، وانجاز اي بناء، واحراز اي تقدم او نهوض، او اسهام في حضارة العصر، والتفاعل معها اخذا وعطاء. انه يعطل كل الاجهزة والمؤسسات، ويعرقل كل الجهود الحكومية والاهلية، وصار واجبا وطنيا وقوميا وانسانيا وحضاريا، رفع درجة الاستنفار الى اللون الاحمر، ودخول المعركة بكل ما تملكه الامة من الموارد والامكانيات ، لكي يتم الحسم ويتحقق النصر، وتستانف مسيرة البناء والتنمية طريقها، بعد ان تعطلت فعلا بسبب عبدة الشيطان من اهل التطرف والاجرام والتخلف.

الوجه الاكاديمي للجريمة
ليس ادل على التحيز الامريكي ضد القضايا العربية من اتخاذ احد اعرق الاكاديميين الصهيونيين، واكثرهم عداء للعرب ، السيد برنارد لويس، مستشارا دائما للإدارة الامريكية ولأكثر اجهزتها تأثيرا على القرار الامريكي مثل البنتاجون ووكالة الاستخبارات الامريكية، السي اي ايه.
وبرنارد لويس ، الذي يحظى بهذه المكانة المرموقة، وجه معروف منذ اكثر من سبعين عاما، لا سبيل لان يقول اي انسان انه يجهل تحيزه الصهيوني وخدمته للقضية الصهيونية وايمانه بها الى حد الهوس، فهو اكاديمي يهودي بريطاني تجاوز المائة عام من عمره، اذ انه من مواليد 1916، وخدم اثناء الحرب العالمية الثانية جاسوسا في المخابرات البريطانية، وتفرغ لاعماله الاكاديمية التي تخدم الصهيونية دون مواربة او ادعاء للحياد، فهو استاذ في الدراسات الشرقية والاسلامية ، يبحث عن كل ما يصلح مادة للاساءة للعرب والاسلام في دراساته، ونال ارفع الاوسمة الاسرائيلية اعترافا بجهوده في خدمة الدولة الصهيونية ومخططاتها، كما انه كان دائما يحاول الاساءة الى الدين الاسلامي باعتباره دين العنف والعنصرية ولهذا كان هدفا للهجوم المضاد الذي قام به ادوارد سعيد ضده في كتاب الاستشراق باعتباره اكثر المستشرقين تحيزا وعنصرية ضد الاسلام والعرب، بل وناظره فيما بعد في اكثر من مناسبة، ولا زال هذا الصهيوني العتيق، رغم بلوغه هذه السن ، يجد اذنا صاغية في المؤسسات السياسية الامريكية، ومنذ ان برزت امريكا لتكون قائدة للعالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، ترك بلاده بريطانيا وترك انتماءه لدولة الاستعمار القديم، واتجه بناء على توجهاته الصهيونية، واوامر المؤسسات التي يخدمها، وايمانا بجدوي وجوده في عاصمة القوة الكبرى المؤثرة في العالم، اتجه الى امريكا ليصبح محاضرا شرفيا في جامعة برينستون، ومستشارا لصانعي القرار في امريكا، وتنسب له تقارير عالمية موجودة في النت انه هو وراء فكرة ايقاظ الارهاب الاسلامي ، وان هناك خطة تسمى (( خطة برنارد لويس)) او كما يسمونها بالانجليزية: Bernard Lewis Plan
هي التي تتخذها الادارة الامريكية منهجا تسير عليه في تصنيع التطرف والارهاب،
وهي الخطة التي قدمها لمستشار الامن القومي السيد بريجينسكي، واستطاع هذا المستشار ان يقنع بها الرئيس الامريكي جيمي كارتر، لاعتمادها في افغانستان لصد النفوذ السوفييتي، والتي بناء عليها بدأ انشاء تنظيم القاعدة، والاتصال بزعيم القاعدة بن لادن ومن هم على شاكلته، ولم يكن برنارد لويس في هذه الخطة يخدم فقط مخططات امريكا في مواجهة الاتحاد السوفييتي، ولكنه ايضا يخدم خطة صهيونية لتفكيك العالمين العربي والاسلامي، وصنع خريطة جديدة، قام هو نفسه بالترويج لها والمساهمة في صناعتها، تنظيرا وتنفيذا، وهي استراتيجية تهدف الى تفتيب الكيانات العربية، واضعافها ، وقطع الفرصة على العرب من اجل تحقيق توازن قوة مع

العدو الصهيوني، لم يتوقف برنارد لويس عن تعزيزهذه الخطة، بالافكار والبحوث والاقتراحات التي يغرق بها صناع القرار الامريكي في اغلب المؤسسات التي تصنع القرار وترسم السياسات.

وهذا التاسيس الامريكي للتطرف الديني، واستخدامه عسكريا وسياسيا، لم يقتصر على البدايات التي ظهرت ابان الحرب على الاتحاد السوفييتي في افغانستان، ومحاصرته في جمهورياته الاسلامية الى حين هزيمته في افغانستان، ثم الوصول الى الهدف الامريكي الاكبر، وهو تفكيكه وتقويضه وتحويله الى حطام من الدول والقوميات، وصولا بعد ذلك، الى تحطيم وتقويض الكتلة الشرقية المرتبطة به ،والتي كانت تشكل حلفا عسكريا هو حلف وارسو، في مواجهة الحلف العسكري الغربي المسمى حلف الناتو، الذي انتهى ، اي حلف وارسو، حطاما هو الاخر وهرعت الدول التي كانت اعضاء في هذا الحلف، تقدم طلباتها الى امريكا، لكي تحظى بالقبول في الحلف العسكري المناقض له حلف الناتو، وان الدعم للتطرف الديني وتوظيفه تواصل ، ربما ليس بصورة علنية وعبر الاجهزة السياسية الظاهرة للعيان مثل مؤسسة الرئاسة ومؤسسة الخارجية ، وانما عبر غرف سرية وجمعيات اهلية مدعومة من المخابرات ، ورغم الكارثة الكبرى التي صنعتها جماعات الاسلام السياسي المتطرف وبالذات القاعدة، للولايات المتحدة الامريكية، فيما يسمى غزوة نيويورك يوم 11 سبتمبر عام 2..1، فان امريكا وهي تعلن حربا على الارهاب وتبعث جيوشها الى افغانستان، ثم للعراق، فان ثمة خيوطا تربطها بجماعات وتنظيمات متطرفة ، ولاشك ان السؤال الذي من حق اي انسان في العالم، ان يطرحه، وكلنا مشغولون بالتفكير فيه ، هو كيف يستقيم ان تكون الدولة التي استهدفها التطرف الديني، الذي ينسب نفسه زورا الى لاسلام، وانزل بها ضربات موجعة، في اكثر من موقع، واكثر من مناسبة، وصنع لها اعظم كارثة في تاريخها الحديث، يمكن ان يلقى بالتالي دعما ومناصرة وتاييدا ، الى درجة مده بالسلاح ، وهو سؤال وجيه ، لانه يحمل معنى مضمرا باستحالة ان تكون امريكا حقا داعمة للارهاب كما تقول بذلك اطروحات تجوب العالم وتملأ الانترنيت، وتقول به جماعات ومدارس فكرية وسياسية ، تتضرر من هذا الارهاب ولا ترى فيما تفعله امريكا لمحاربة الارهاب ما يعبر حقا، عن حقيقة موقفها وسياستها، وللرد على هذا السؤال لا نملك الا نقول ، ان امريكا هي القوة العظمي الوحيدة في العالم، بعد ان تقوض الاتحاد السوفييتي، ونعم لقوى اخرى يمكن ان تظهر لتنافسها ، ولكن هذه القوى سواء في روسيا او في الصين اوفي الاتحاد الاوروبي ، وسواء كانت تحالفا اسيويا مرشحا للظهور، او تحالفا بين بعض القوى الشيوعية السابقة ، فان شيئا لم يتبلور بعد في حجم قوة عظمى تنافس امريكا، ولعل بعضها تسعى للوصول الى مثل هذه المرتبة، وباعتبار امريكا كذلك، فصعب ان نراها تلتزم التزاما صارما بخط سياسي مستقيم تنتهجه، بل صعب ان تلتزم حتى بما يمكن ان يقوله رئيس يجلس في البيت الابيض، او يظهر في قرار للكونجرس، او في بيان يخرج عن وزارة الخارجية الامريكية ، لان هناك اليات ودواليب تدير هذه القوة العظمي وتمضي في حركتها التي تفرضها صيرورة القوة والمكانة المتفوقة على خريطة السياسة الدولية، حتى لو لم تكن متوافقة مع ما يقوله المسئول الاول في الدولة وهو الرئيس، وكلنا نرى الخطب ذات الطرح الانساني الجميل التي يقولها الرؤساء مثل خطاب اوباما في جامعة القاهرة ، ولكنه يبقى اشبه بحلية تتزين بها واجهة الدولة، وردة في عروة سترة
الرئيس ، او سترة الادارة، ولكنها ليست هي الالة التي تدير الدواليب، وتصنع توجهات هذه الكتلة الجسيمة من المصالح والاهداف، والتي قد تتناقض مع بعضها البعض، تتناقض مصالح اطرافها وتوجهاتهم ومنافعهم، فيضطر الصانع الحقيقي للقرار يشتغل في ورديات تعمل في اتجاهات متضاربة، فهذه وردية لصالح اهل المال والاعمال وشارع وول ستريت ، وهذه وردية لاهل الحديد ومصانع السلاح وتحريك الاجواء الحربية في العالم ، وهذه وردية لاحتكارات النفط والغاز ، وهذه وردية رابعة او خامسة للوبي الصهيوني الاسرائيلي الذي يعيش على الابتزاز مثل المرابي في القصص الكلاسيكية، وقد يقتضى واقع التناقض والعمل في ورديات متضاربة ،الى ان تضطر هذه الاطراف التي تدير الالة المرعبة ، ان تلفظ شخصا مهما كان مركزه ، وتلقي به خارج الطريق اذا راته ، يمثل مشكلة ما، كما حدث للرئيس جون كيندي الذي مازالت التحقيقات بعد اكثر من نصف قرن لم تعرف كيف ولماذا ومن قتل الرئيس، مع ان كل المؤشرات تشير الى قلب الظلام داخل الالة الامريكية التي تدير البلاد، والى اليد التي خرجت من ذلك الظلام واطلقت الرصاصة التي اسقطت الرئيس ميتا. وهذه هي امريكا التي لها اليات تشتغل وتؤدي وظيفتها بغض النظر عما يقوله رئيس في خطاب من فوق الامم المتحدة او من غيره، وهي التي تحارب الجماعات الارهابية من جانب ، وتصنع نفقا للاتصال بهم ومعاونتها من جانب آخر تحت الارض .

الوحش فردا
هناك حوادث ذات توجه ارهابي، يتجلى فيها التوحش في ابغض صوره، ذات طبيعة فردية، عرفتها المنطقة العربية ، ولم نقف امامها لنسائل الظروف التي انتجتها رغم انها ذات دلالة تنبيء بانها مثل مستصغر الشرر الذي يصبح حريقا، اوالطفح الجلدي على وجه طفل الذي يصبح وباء مثل الجدري، واعود الى حادث تكلمت عنه الصحف منذ سنوات مضت، عن عامل ثلاجة الموتى في احدى الدول العربية، الذي كان يقتنص ضحاياه من الفتيات الجميلات في الجامعة ويقتلهن، اجراما مجانيا لا هدف له، الا القتل لوجه القتل.
انه لا يمكن الا ان يكون وحشا ذلك الرجل الذي جاء نازحا الى احدى مدن الخليج، ربما الكويت، من عمق العمق الافريقي، ربما من جنوب الجنوب في السودان، وغاباته الغارقة في بدائيتها وظلامها، مستفيدا من اتقانه للغة العربية، في الحصول على فرصة عمل في هذه الدولة الغنية، الحاضنة لاغراب كثر يعملون ويكسبون رزقهم فوق ارضها، واختار من بين كل المهن، مهنة المشرف على ثلاجة الموتى في كلية الطب ، مهمة ربما يرهبها الكثيرون، ويهربون منها، فمعاشرة الموت، والالتصاق به ، الى هذا الحد، يحتاج الى استعداد خاص، واعصاب من حديد، يبدو ان الرجل كان يملكها، الى حد ان اقامته ، نوما وراحة واكلا وشربا عدا العمل كان، ملاصقا لهذه الثلاجة العامرة بجثث الموتى، واطرافهم التي يتم تشريحها في دروس الطب، ولم يكن انتقاءه لهذه المهنة عبثا، وانما انتقاء لتنفيذ مخطط ابليسي جهنمي، كان يريد
تنفيذه، ليخدم به وحشا قابعا بين ضلوعه يريد ان يتغذى بوجبات متواترة ومنتظمة، من اللحم والدم البشري ، و ليس اي بشر واي لحم ودم، وانما نوع من البشر ينتمي الى فضاء الامتياز ، جمالا وشبابا واناقة ومستوى اجتماعيا وعلميا، فدأب على ان يستدرج اجمل جميلات الصبايا الدراسات في كلية الطب ، والكليات الجامعية الاخرى التي تجاور كلية الطب داخل سور الجامعة، الى منطقة نفوذه قريبا من ثلاجة الموتى، ثم يقتلها، ويلقى بجثثها في اسفل ادراج تلك الثلاجة وربما اكثر تعتيما واظلاما، لكي يقضى على فرصة الاهتداء او التعرف على اية واحدة من ضحاياه ، وظل لعدة سنوات لسنوات كثيرة يرتكب جرائمه التي لم يستطع احد ان يكشف غموضها، وفتح هذا الغموض المجال واسعا للتكهن باسباب اختفها هؤلاء النساء الجامعيات، فلعلها احدى عصابات المافيا، تخطفهن ، لارضاء شهوات اعضائها، او لحساب اهل سطوة ونفوذ ومال مصابون بهوس جنسي، يدفعون الثمن ويتسترون على الفاعلين، دون ان تذهب افكار المهتمين بالكشف عن الجرائم وامن المجتمع، الى ذلك الوحش البشري، الداكن السواد شكلا وجوهرا، ظاهرا وباطنا، وشاء سوء حظه ، وحسن حظ ضحايا المستقبل ممن لم يفتك بهم بعد، ان تكون الضحية التي استدرجها اخيرا، وهم بقتلها، استطاعت الافلات من بين يديه، لتكشف للسلطات الامنية سره، وتأتي اليه في مقره الذي اتخذه قاعدة الانطلاق للانقضاض على ضحاياه واخفاء جثثهم في السراديب السفلى للثلاجة العملاقة التي صارت مستودعا لاسرار جرائمه ومخازيه، وتتكشف سلسلة الجرائم البشعة التي قام بها على مدى عدد من السنين .
كان رعب هذا المجرم ، انه يقوم بارتكاب جارئم لايستهدف منها نفعا ولا ربحا ولا فائدة، كما تفعل مافيا الجريمة في العالم، التي تطلب الثراء والنفوذ والجاه، فهو يقبع في محل اقامته المخيف، عند عتبة البوابة التي تضم الجثامين والجماجم والاعضاء والعظام البشرية التي تستخدم في التشريح، دون ان يسهدف شيئا من وراء جرائمه الا متعة ارتكاب الجريمة نفسها، عبادة خالصة لشيطان الشر والقتل، ويؤدى عمله بتفان وحب وبراعة واتقان ، لا لغرض الا لتلبية احتياج نفس داخلي ، هو الانتقام من هذا الجمال الذي يعرف ان غير متاح له ، ولا سبيل لان يحصل عليه او يستمتع به ، جمال عصي المنال في الواقع والحياة، ولا نصيب له فيهن كما هو كما الحال مع رجال اخرين ستكون هؤلاء النسوة حبيبات ورفيقات وخطيبات وزوجات، وهو يعرف ان لا يستطيع ان يطمح او ان يكون حبيبا اوعشيقا او رفيقا او خطيبا او زوجا لاي منهن، بل قد لا يطمع في مجرد جلسة مع احداهن لتناول فنجان شاي او قهوة معها، فماذا يفعل بمثل هذه المشاعر الوليدة عن هذا الغبن ، وعن الحرمان من الاماني والاحلام، غير الانتقام بهذه الصورة المرعبة الوحشية الشيطانية، ويتحول الانتقام نفسه الى هدف، فهو لا يغتصب المرأة ويقضى منه وطره ، ويرضي شهوته او يشبع غريزته ، ويحقق لنفسه بالقوة ما يحقق غيره في امان وسلام ، لان حتى هذا الجانب الذي يتصل بالشهوة الرجولية الانسانية ، تراجع لصالح الوحش في نفسه، ولعل هناك جانبا عمليا للانتصار للوحش ضد الانتصار لشهورة الحب والغريزة، لانه لن يضمن مع اصطياد الضحية ما يكفي من الوقت لعملية الاغتصاب يرضي بها شهوته، فالقتل منجزا وكاملا وفاعلا وحاسما، هو ما يصلح مع عمليات الاستدراج التي يقوم بها للنساء، قبل المباغتة بالقتل، لانه خارج هذه المباغتة لا ضمان لاتمام المهمة بامن وسلام.
كان هذا هو رعب وهول ما قام به الوحش البشري الذي لابد انه نال الجزاء الذي يستحقه على يد عشماوي السجن الموكول اليه تفنيذ احكام الاعدام.
اما الرعب والهول الاخر فهو الذي يمكن ان يعتمل في صدور رجال مثلي كانت تراودهم احيانا افكارا لا تختلف عن الافكار التي صنعت جرائم هذا الانسان الوحش، بل ان هذه الافكار التي عاشها ذلك القاتل في صمت، وبني عليها الاساس الذي ساقه لارتكاب جرائمه، يمكن ان نقولها ونفصح عنها لاصحابنا دون حرج ولا خجل كما حصل معي شخصيا، عندما كنت ارتاد الحقدائق في حواضر العالم المتقدم ، اثناء سياحاتي الصيفية، حيث يكثر الجمال ويكثر العشاق وتكثر مشاهد الحب ، واسير رفقة بعض الصحاب في واحدة من هذه الحدائق مثل حديقة ريتشموند وهايد بارك في لندن او فيلا بورجيزي في روما او حدائق لوكسمبرع في باريس ، فكنت بطريقة ساخرة اجعل من اصبع السباب ما يشبه المسدس، اطلق منه النار ، على هذه الجميلة التي ترافق صاحبها في الحديقة او تلك، واقول لهذا الصديق الذي يتجول معي ويرى ما افعل ، انني اريد ان اختار زاوية لاطلاق النار، لا تؤذي الرجل الذي يرافق المرأة ، فيبدي هذا الصاحب استغرابه لهذا التمييز بين الاثنين، طالما استفز هذا المنظر الرجل المتزمت بداخلي ، فاقول شارحا، مصححا، انني لا اخفي تحت جلدي رجلا متزمتا، ولا محافظا، ولا اشعر باي استفزاز لمشاهد الحب والعناق بين العشاق، ولكن مايستفزني هو انني لست انا الذي يعانق هذه الجميلة ، وربما لا اتصور نفسي حقا قادرا على الوصول اليها والى ما يرقى الى جمالها من نساء، استحوذ على حبهن ، واستقطب اعجابهن ، واحضى بالاستمتاع بعناقهن في الحدائق العامة ، فلا اقل من ان اقتلها رمزيا ، بهدف واحد هو ان احرم منها الرجال الذين يستمتعون بها، فيعود هذا الصديق ليقول ان الاجدى ان اتجه برصاصي الوهمي الرمزي لقتل الرجل ، والتنفيس عما يعتمل في نفسي من مشاعر الحسد والحقد، فاقول له انه لايعنيني امره ولا اتعاطى معه ابدا، ولا يثير في نفسي غلا ولا حقدا، لان ما يستقطب مشاعر الغل هل الجمال عندما يكون عصيا على المنال ، لانني لو قتلت الرجل ، فان هذه الحسناء سوف تذهب الى احضان رجال آخرين ، فهل ابحث عنهم جميعا، الاحقهم ، واقتلهم، واحدا وراء الآخر، فهي بالتأكيد مهمة مستحيلة علاجها ان اقتل الحسناء، فلا احد يستطيع ان ينالها ، وهكذا تتحقق المساواة بيني وبينهم في استحالة الاستمتاع بها.
هذه بالتأكيد هي ذات المشاعر التي كانت تراود وحش ثلاجة الموتى في كلية الطب، القادم من قلب الغابة الافريقية البدائية، وهي كما نرى تتطابق تطابقا تاما مع المشاعر التي تراود الوحش القادم من قلب الغابة الحضارية ، واذا كان غياب هذه القشرة الحضارية هي التي جعلت التعبير عن غله وحقده يأخذ هذا المسار ، فلاشك ان تلك القشرة الحضارية التي اتغطى بها ويتغطي بها امثالي من اصحاب نفس المشاعر هي التي نقلت التعبير عن هذا الغل الى عالم التعبير الرمزي الايحائي الوهمي ، وهو شكر واجب اتجه به الى هذه القشرة التي انقذتني من مشنقة عشماوي ، ولعل هناك شكرا اكثر وجوبا يقال باسم الضحايا الافتراضيين الذي انقذهم التعبير الرمزي الايحائي من مصير مثل المصير الذي لاقاه وحش كلية الطب .

بشر ولكنهم أعداء البشر
لا أجد حرجاً ولا غضاضة فى أن أطلق على هذا النوع من البشر المعادى لنفسه، وبنى جنسه، أقصى أنواع النعوت، ووضعه فى موضع واحد مع الكائنات الخسيسة الدنيئة التى تسكن الجحور والمستنقعات.
نعم لقد كرم الله الإنسان وأنزله منزلة كريمة شريفة بين كائناته، وجعله خليفة فوق أرضه، ولكن الله ذاته جل وعلا، نعت فى كتابه الكريم هذا النوع المتدنى من البشر بأكثر النعوت قسوة وجعلهم فى الدرك الأسفل من النار، طعامهم الزقوم وشرابهم الغسلين جزاء ما يرتكبونه من شرور.
ولا أجد قلماً عظيماً استنجد له أفضل من قلم الكاتب العربى الموسوعى الكبير عباس محمود العقاد، الذى لجأ من أجل إيضاح الفرق بن البشر العاديين، والبشر الساقطين من أعداء البشرية، إلى ضرب مثل برجلين أحدهما اسمه غاندى والثانى رجل من أبناء وطنه اسمه جودس.
أولهما الرجل الذى أحيا الأمة الهندية، وأعاد إلهيا الروح وقاد نضالها ضد المستعمرين حتى حقق لها النصر والحرية، وقدم للإنسانية مدرسة فى التفكير والسلوك والنضال أضاءت طريق المكافحين على درب الحق والعدل جيلاً وراء جيل، وثانيهما كائن بشرى، هو الآخر عبأ قلبه الحقد، وأعماه التطرف، وأكلت روحه عقارب الجهل والكراهية والعنصرية حتى أحالته إلى حشرة بشرية سامة جاءت تنفث سمها فى ذلك الإنسان الذى أرد له الحرية وناضل من أجل أن يمنح الحياة الكريمة له ولكل أبناء وطنه الهند، المهاتما غاندى نفسه.
كان جودس، هو صاحب اليد الآثمة التى امتدت لقتل غاندى وإطفاء ذلك المصباح الذى أضاء ليل الهند وانتزاع تلك الروح التى عبأت الوجدان البشرى بمعانى الخير والمحبة والسلام والتسامح والجمال، جودس إذن هو النموذج.
هو الرمز لهذا الكائن الذى لا رسالة له فى الحياة، ولا مهمة، إلا أن يستعير ملامح البشر، ثم يمضى متنكراً فى الشكل الآدمى، ليفعل ما تفعله الفيروسات والجراثيم والحشرات السامة، أى الفتك بالبشر.
هذا ما فعله جودس الذى يدعى الإسلام فى بدء الدولة الإسلامية عندما قتل عمر بن الخطاب، وهذا ما فعله جودس الذى كان اسمه يهوداً الاسخريوطى وأدعى قرباص من السيد المسيح حتى أسلمه لقاتليه ، وهذا ما فعله جودس الأمريكى عندما اغتال مارثين لوثر كينج، وهذا ما فعله وسيفعله جودس فى كل مكان وزمان لأنه يسكن كل القارات ويدعى الانتماء كاذباً لأى دين يشاء، ويفرخ ويتناسل ليمثل هو وسلالته الوجه البائس للحياة.
إن جودس وسلالته قد يستخدمون إطلاق النار كما فعلوا فى الأقصر، أو كما فعلوا فى كل الحروب التى أشعلوها وذهب ضحيتها ملايين البشر الأبرياء، أنهم يستخدمون أحياناً وسائل أشد فتكاً من النار.
وإلا فماذا نسمى ذلك الذى يبيع الوطن للأعداء مقابل حفنة نقود، أو يستورد أو يتاجر فى السموم البيضاء التى تفتك بثروة الوطن البشرية، أو الذى يغش فى البناء ويشيد عمارات وأبراجاً تنهار فوق رءوس ساكنيها، وماذا نسمى أولئك الذين يهدرون ثروات أوطانهم ويسرقون عرق وجهد بني شعبهم ويسخرون وظائفهم العامة لخراب الأوطان بدلاً من بنائها.
إنهم بشر اختاروا أن يكونوا أعداء للإنسانية فحقت عليهم اللعنة، ووجب أن نطهر منهم صفوفنا ونقتلعهم من أرضنا كما نقتلع الحشائش الخبيثة السامة من أرض الحديقة لكى تمتلئ بالغرس النافع والأشجار المثمرة .

بشر لا ينتمون الى البشر
أعرف أن في وزارات الاوقاف العربية ادارات معنية بخطباء المساجد, خاصة تلك المساجد التي تتبع مباشرة لهذا الوزارات وتصرف المرتبات لخطبائها وتضع سياسة الخطب التي يقدمونها في ايام الجمعة
وبسبب خطورة مثل هذه الادارات واهميتها في توعية المجتمع اسندت رئاستها لعلماء اجلاء قادرين علي حمل المسئولية كما حدث في مصر عندما اسندت هذه الادارة في وقت من الاوقات لعالم جليل هو فضيلة الشيخ محمد الغزالي, ولكنني لا ادري اساليب سير العمل في هذه الادارات ومدي سيطرتها الفعلية علي هؤلاء الخطباء, لأنني من خلال ما لمسته من واقع الاستماع لهم في كل مرة اذهب فيها لصلاة الجمعة, ادركت ان الامور ليست تحت السيطرة, ربما خوفا من اتهام الحكومات بأنها تتدخل في عمل شيوخ المساجد وتمنعهم من ممارسة حريتهم في قول مايعن لهم من فوق المنابر, وأعتقد أن الامر اكثر خطورة من مثل هذا الاعتبار, لانه يتصل بقضايااستراتيجية لها علاقة بالامن القومي لهذه المجتمعات وضبط حركة الصراع الاجتماعي وضمان الامن والسلام لحراك المجتمع, واضرب مثلا بما استمعت اليه الاسبوع الماضي في واحد من مساجد وسط القاهرة, عقب الاحداث الاجرامية في نجع حمادي, لأنني توقعت ان اري حملة يقودها خطباء المساجد لادانة مثل هذه الجريمة, وتوعية جماهير المصلين بعمق الوشائج التي تربط عنصري الامة من مسلمين ومسيحيين, وافهام الناس قوة التبجيل والاحترام والتقدير بل والتقديس الذي يحمله الاسلام لسيدنا عيسي وامه مريم البتول كما جاء في القرآن الكريم وامر به نبي الاسلام, ولكنني وجدت الخطيب يتناول قضية اخري هي ظهور طيف السيدة مريم وما دار حوله من اقاويل ويستبعد حدوث مثل هذه المعجزات, وليس مهما رأيه في هذا الموضوع, فهو بالتأكيد قابل للاجتهاد والرفض والقبول, ولكنه لم يكن ملحا بمثل إلحاح القضية الاخري التي استفزت الرأي العام وأغضبت كل فئات الشعب ورأي فيها الناس جميعا درجة من الجهل والتعصب والجنون حتي لو كان الدافع ثأرا كما تقول بعض الروايات, فهو ثأر ينتمي الي عصور التخلف والسقوط وانهيار المجتمعات والاستهتار بالقانون, ولم يكن كاتب افتتاحية الاهرام مخطئا عندما رفض نسبة هؤلاء الناس الي الوطن, وقال ان مصر تتبرأ من هؤلاء البشر, واضيف فأقول ان البشرية نفسها تنفض يدها منهم, فهم وان حملوا ملامح وأشكال البشر لاينتسبون للبشر وانما الي أخس وأسقط انواع الكائنات, وليس جديدا نعت بعض الناس بالحشرات البشرية كما فعل استأذنا الراحل صاحب العبقريات عباس العقاد وهو يصف نماذج مثل قاديس قاتل غاندي وابو لؤلؤة المجوسي قاتل سيدنا عمر بن الخطاب بانهم حشرات بشرية, وهو وصف ينطبق علي حشرات التعصب التي ارتكبت جرائم ذات طابع عنصري، استهدفت الكنائس في مصر وسوريا والعراق, تمثل إدانة وسقوطا ووصمة عار ليس فقط لمرتكبيها ولكن لشريحة من المجتمع مسئولة عن تعبئة وافراز هذه الحشرات البشرية, مما يستلزم وقفة حازمة من البشر الاسوياء, لتطهير المجتمعات من مثل هؤلاء الناس ومثل هذه الافكار كما نفعل مع الآفات والحشرات والحشائش السامة في حدائقنا ومزارعنا, وأبدأ بالقول ان السيطرة علي خطبة الجمعة وإخضاعها لمجلس من العلماء يخطط لها ويضع نصوصا لإلقائها من قبل ائمة المساجد في كل المساجد, لا فرق بين مسجد يتبع وزارة الاوقاف او لايتبعها, بات في هذه الوقت امرا عاجلا وملحا ولايقبل التأجيل, اولا لحجم التأثير الذي تمارسه مثل هذه المساجد خاصة في الارياف ودواخل البلاد. وثانيا ولأنه لا وجود لما يكفي من العلماء لتوزيعهم علي مئات آلاف المساجد فان كثيرا مايتولي الامامة والخطابة عناصر قليلة العلم
والدراية لاتستطيع حمل المسئولية, وثالثا لأن بعض اهل التطرف والجمود كثيرا مايتسللون الي
هذه المواقع ويتخذونها مكانا لبث سموم التطرف والحقد الديني, ولهذا فان وجوب السيطرة علي المساجد, بات امرا يتصل بالامن القومي وسلامة المجتمع, الا ان الامر يجب ألا يتم تسليمه لموظفين تقليديين من اهل الروتين وانما لعلماء اجلاء قادرين علي حمل المسئولية بامانة ونزاهة وعلم ومعرفة ودراية. ومن جانب آخر لابد من اعادة تقييم شاملة للبرامج والاركان الدينية في الاعلام والصحافة فهي ايضا كثيرا ماترشح منها نعرات عنصرية اما جهلا واما عن معرفة وقصد, وتتحول من مادة نافعة, الي مادة ضارة تعمل ضد المقاصد والاهداف التي ارادها لها المجتمع وارادتها لها الدولة التي تنفق علي هذه البرامج, وهذه الصحف, بل انني اقول
ان الحيز الممنوح لهذه البرامج لابد ان يخضع ايضا للمراجعة لا مجرد المضمون, واستقطاع مساحة علي خريطة القنوات والمحطات الاذاعية من هذه البرامج الدينية لتمنح لاهل الفكر والعلم والثقافة واصحاب المعارف والتخصصات غير الدينية, لكي تصبح الكلمة لاهل الاختصاص العلمي بدلا من هذه الفتاوي الدينية التي يقوم بها اناس دون تأهيل ويريدون اقحامها في كل شيء ربما في الفيزياء والكهرباء والكيمياء بعد ان افسدوا بها فنون الادب من شعر ورواية وقصة ومسرح وتدخلوا أيضا بافتائهم في الغناء والموسيقي والتمثيل والفلكور وغيرها, فوجب الحد من هذا الانفلات الافتائي اذا جاز التعبير, واعطاء العيش لخبازه, والمهمات لاهلها من اصحاب الاختصاص, ولتكن هناك سياسة نتفق عليها جميعا انقاذا لأوطاننا من الفتنة والانقسام ومنعا لها من الانهيار, بالسماح والمرور والبقاء فقط لدين التنوير والتسامح والبهاء والجمال والحوار واحترام الآخر والايمان بحق الاختلاف والتباين وقطع الطريق في الاعلام والصحافة ومنابر المساجد علي اهل التعصب والجمود والتزمت, لان الله لو شاء لخلقنا علي دين واحد وعنصر واحد وربما شعب واحد, ولكنه ارادها حياة قائمة علي التنوع والتباين لانه بمثل هذا التنوع والتباين والاختلاف تزداد الحياة زخما وقوة وخصوبة وازدهارا وعمقا وجمالا

تجليات هولاكو
هولاكو هو الشر والفوضي والظلم والشهية المفتوحة لدماء الأبرياء وسيادة قانون القوة على كل قانون آخر .
هذا هو هولاكو الذي فرض شروطه وقوانينه على مراحل السقوط والانحطاط عبر التاريخ قديما وحديثا.
إنه وإن كان اسما للزعيم الذي قاد جحافل المغول لاجتياح مراكز الحضارة في الشرق وتدميرها فهو رمز لكل عناصر الشر في الطبيعة البشرية التي قد تنحسر وتحاصر ، وتتضاءل ،ولكنها باقية معنا مهما بلغت درجة التطور التي وصلها العالم وحققها الجنس البشري فقصة التقدم في حقيقة الامر ليست إلا هذا الجهد وهذا الكدح وهذا الكفاح الذي يخوضه الإنسان من أجل الانتصار على هولاكو .
فهولاكو هو التدمير مقابل البناء ولأن التدمير سهل والبناء صعب ولأن المدينة التي يستغرق بناؤها مئات الأعوام يمكن تدميرها بعدد من القنابل التي لا يأخذ إسقاطها غير دقائق معدودة فإن الصراع ضد هولاكو بقدر ما يستقطب من اتباع ومناصرين فإن عقولا وقلوبا كثيرة يصيبها اليأس والإحباط وتتوانى في نضالها ضده بحيث يجدها هولاكو فرصة لكسب الجولة وتحقيق النصر في واحدة من هذه المعارك التي لا تنتهي بينه وبين الممثلين الحقيقيين للجنس البشري .
هولاكو هو الحقد مقابل الحب والشر مقابل الخير والموت مقابل الحياة والظلم مقابل العدل والباطل مقابل الحق والاستبداد مقابل الحرية والبؤس والعذاب مقابل الفرح والهناء ، والسلام والأمان مقابل الحرب والجريمة والتعصب الأعمي مقابل التسامح ورحابة الصدر ونبل الضمير .
ليس لهولاكو مكان أو زمان وليس له عمر أو لون أو هوية وطنية أو سياسية فهو قد يظهر في أي زمان وفي أي مكان وبأي عمر ولون ووطن وعقيدة ومهما حاصرناه بالإبداع والمعرفة والتقدم العلمي وغيرها من إنجازات العقل والخيال أو القيم والمثل النابعة من الضمير وأنوار الإيمان فإنه لابد أن يبحث عن جيب من جيوب التخلف والظلام يختبئ فيه متربصا متحفزا متحينا الفرصة للانفضاض فنراه يظهر أحيانا في الأماكن التي اعتقدنا أنها تحصنت بالعلم والتقدم من شروره كما حدث منذ عقود مضت عندما رأينا حالة من حالات التجلي لهولاكو القرن العشرين
تظهر في قلب أوروبا المتلألئة بأنوار العلم وانجازات العقل ومصابيح الحضارة هناك ظهر هولاكو برأسية الشائهين النازية والفاشية ليبعث في الأرض فسادا وينشر الرعب والدمار في العالم ويكسي كوكب الارض بلون الدم ولم يكن الجانب الذي تصدي له يخلو هو الآخر من هذه الحالة الهولاكية وإن ظهر صحابها في أثواب المحاربين لهولاكو وإلا أين نجد ركنا جميلا يعبق بالمحبة والسلام نضع فيه القنبلة الذرية التي أرسلها ترومان ، من واشنطن ، إلى هوريسيما وناجازكي .
كانت أشد اللحظات تمثلا لهولاكو وتعبيرا عن دوره الشرير في تفجير طاقات الحقد والعنصرية هي تلك المذابح التي أقامتها هتلر لليهود وافران الغاز التي أحرقهم فيها والتي أضيفت إلى قلائد الخزرى والعار التي يعلقها هولاكو في أعناق البشر وللأسف الشديد فأن تلك المحرقة لم تمنع ظهور عناصر من ضحاياها يرتدون قبعة هتلر ووشاح هولاكو ، ويستخدمون أسلوبهم في الفتك بضحاياهم ، مثل شارون بطل مجازر صبرا وشاتيلا وأخيرا ديفيد ليفي الذي يهدد بحرق شعب لبنان.
هولاكو له حضوره المتجدد حتى في هذه البقاع التي تدعي أنها بلغت شأوا بعيدا في التدرج الحضاري هذه الأيام وإلا ماذا نسمي ما يحدث في الشيشان فلاشك أن لروسيا مكانة سامقة في مجال التقدم العلمي ولكن هولاكو الذي يرتبط في أذهان الناس بالسلوك البدائي في أكثر أشكالها انحطاطا وتدينا وبشاعة لم يفشل في العثور على مكان قيادي في جيش تلك البلاد لكي يصدر الأوامر لجنوده بارتكاب هذه المجازر واقتراف هذ الفظائع والجرائم في حق شعب الشيشان .
واللعنة على هولاكو يوم يولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا .

التقصير في مواجهة الارهاب
ازاء العمليات الارهابية المتواترة والمتصاعدة في شتى بقاع العالم العربي، فان هناك شعورا سائدا لدى الرأي العام العربي، بان الانظمة والسلطات الرسمية المعنية بادارة الدول والمجتمعات، لا تقوم بواجبها ولا تفعل كل ما في وسعها للتصدي لهذا الارهاب بما يعني ان هناك قصورا وتقصيرا في هذه المواجهة.
واذا كان قد سبق الحديث عن الاجراءات الامنية والسياسية ذات الطبيعة العاجلة ، الواجب القيام بها على مستوى العمل العربي المشترك، لتفادي هذا التقصير، واشرت الى الاستراتيجية الجديدة التي يجب استحداثها في محاربة اكبر خطر يهدد المجتمعات العربية منذ انتهاء المرحلة الكولونيالية، فقد اقتصر كلامي على الجزء العاجل من هذه الاستراتيجية، الذي يختص بالمدى القصير لمواجهة الظاهرة الاجرامية الارهابية المتمثلة في داعش وجماعات التطرف الاسلامي،
ولكن هناك جانبا يتصل بالمدى الابعد، يقتضي هو ايضا تخطيطا وتفكيرا واتخاذ تدابير ، لابد ان تشترك في صياغتها اهم العقول العربية واهل الفكر والثقافة والتربية والتعليم، وتقتضى اكبر درجة من التنسيق على المستوى العربي، لضمان الفعالية وقوة التأثير، وهي لا تقل اهمية من التصدي السياسي والامني، لانها هنا معركة تستهدف العقول، وادواتها ثقافة جديدة لا بد ان تحل محل ثقافة الجمود والقوالب القديمة، ثقافة الاجترار والتكرار ، والنماذج المسكوكة، ومحاربة الاجتهاد والتحديث والتجديد والابتكار.
ولقد استمعنا الى اصوات ترتفع من اهل الحراك السياسي والقيادي تطالب باحداث “الثورة الدينية” المرجوة، ومن بين هذه الاصوات، واكثرها الحاحا على هذا المطلب، الرئيس المصري الذي استخدم هذا التعبير، واعاد توجيهه الى المؤسسات الدينية وعلى رأسها الازهر الشريف، وهي ثورة ضرورية ، في مثل هذه المرحلة الخطيرة من مراحل التصدي للارهاب الذي يستند زورا وبهتانا الى الدين ، تشويها ومسخا لرسالته السمحاء، وافراغا لهذه الرسالة من محتواها الانساني، واظهارها بمظهر التوحش والبدائية.

ورغم ايمان الناس جميعا، ليس فقط اهل الديانة المحمدية، بل واهل الديانات الاخرى ، مما ظهر جليا في تصريحات كالتي يقولها الرئيس الامريكي ورئيس الوزراء البريطاني، من ان مقولات الدواعش واطروحاتهم التكفيرية لا تمثل الاسلام ولا تربطها به اية صلة، فاننا لا نستطيع ان نتنصل من حقيقة ان هذا الاسلام شهد تراكمات عبر العصور، شوهت حقيقته، وغطت على جوانب الجمال والنور فيه ، وشابته من الشوائب، والتشوهات، والقشور، ما صار في نظر اهل التطرف هو الدين الصحيح، بسبب غياب الاجتهاد ، ومحاربة المجددين، والامثلة كثيرة على ما اصاب دعاة التجديد من اذى وتنكيل، ليس فقط في عصور سالفة وصلت الى سحل وقتل وسمل عيون العلماء ، وانما في عصرنا الحديث الذي شهد تنكيلا باناس من ابناء المؤسسة الدينية نفسها مثل الشيخ محمد عبده ، ثم الشيح على عبد الرازق ، والدكتور طه حسين وصولا الى مفكر صاحب فكر تنويري متقدم مثل الدكتور نصر حامد ابوزيد، وحرب هؤلاء لم تات من جماعات تكفيرية كما حدث في الجزائر عندما استهدف اهل التطرف كل صوت مناهض لهم، ولا ما حدث للشيخ الذهبي من شيوخ الازهر الذي اغتاله المتطرفون، ولكن من المؤسسات الدينية الرسمية مثل الازهر نفسه ومن داخل الجامعات التي هي ساحات للفكر الحر ، كما يجب ان تكون.
نعم لمثل هذه الثورة الدينية، التي لابد من ان نعي شروطها ومؤهلاتها، والقوى القادرة على القيام بها ، واول هذه الشروط الا تقتصر على التخصص الديني، وانما الدين في علاقته المتشابكة والمتداخلة مع جميع العلوم الانسانية من اجتماع وتربية وعلم نفس وتاريخ واقتصاد وقانون وانسنة واداب وفنون ولغة واعلام ، وما يتقاطع مع الدين من فتوحات علمية حديثة في الطب والمعلوماتية وغيرها، فالتعامل مع الدين باعتباره جزيرة معزولة عن التفاعلات التي تحصل بسبب التطور الحاصل في المجتمعات ونتاج التدرج الحضاري الذي وصلت اليه البشرية ، لن يزيده الا انغلاقا وعزلة.
وفي هذا الخصوص ايضا ، اتمنى ان نرى جهدا عربيا مشتركا، يسد الشقوق التي يتسرب منها التطرف والغلو، والفكر التكفيرى المريض، اذا صح ان نسميه فكرا، فلا يمكن ان نقوم بجهد تحديثي في جزء من الوطن العربي، بينما يقوم جزء اخر بتكريس الجمود والتطرف، لاننا في هذه الحالة لن نصل الى نتيجه وسيصبح جهدا ضائعا ذلك الذي نقوم به في اطار التحديث والتجديد وتحقيق الثورة الدينية، فهي لابد ان تكون لها شموليتها وتحقق الاجماع العربي حولها، واقول العربي ، مع معرفتي بان مثل هذه الثورة الدينية ، تطال رقعة اوسع من العالم ، وشعوبا اكثر عددا من شعوب الوطن العربي ، هي شعوب العالم الاسلامي ، ولكنني اعرف ايضا صعوبة ان يتحقق مثل هذا العمل على مستوى كل هذه الشعوب التي تتعدد ثقافتها وتتعدد لغاتها وتتعدد اثنياتها، مما يمكن ان يحيل المهمة الى مهمة مستحيلة، ولذلك اريد ان تبقى في اطار الوطن العربي الذي تجمعه مؤسسات للعمل المشترك مثل الجامعة العربي ، ومنظمة التربية والثقافة والعلوم ومؤسسات كثيرة اخرى على مستوى الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة ، قادرة على ان تكون الاداة التي تنجز مثل هذا العمل، تحصينا للوطن العربي من كارثة التطرف، وتلافيا لما نراه من قصور وتقصير، واضعين في الاعتبار ان اي نجاح في التجديد الديني يصيبه الوطن العربي، لابد ان تكون له اثاره وتفاعلاته الايجابية في كل انحاء العالم الاسلامي .

سحقا للايدى المرتعشة
اقول بصراحة ان جرائم داعش الشرق التي استفزت الضمير الانساني ، واخرها التطهير العرقي والتطهير الديني لاهل العراق ثم المشهد البشع لذبح عمال مصريين في صحراء سرت على أيدي غيلان الارهاب في ليبيا، يجعلني اقف متضامنا مع، ومناصرا لاية قوة تريد قطع دابر هذا الوحش الذي خرج من كهوف التاريخ وثقوبه السوداء، ولانني مواطن ليبي ، فان كل ذرة في كياني تستنكر وصول هذا الوحش الداعشي مثل انصار الشريعة الى جزء من بلادي ليبيا، فهم سرطان اراه استشرى في جسد الوطن العربي وبعض الاقطار الاسلامية مثل نيجيريا، ووصل الى هذا الجزء الذي انتمي اليه ، فحالة الاستنفار والرعب ستكون بالضرورة اكبر واقوى، ويرفع هؤلاء الداعشيون ممن يسمون انفسهم انصار الشريعة راياتهم السوداء، عنوان الاجرام والتوحش، فوق حوا ضر مثل درنه، ثم اخيرا استهداف بنغازي، لتكون امارة اسلامية داعشية، والعياذ بالله، واجدني اقف هنا ايضا مؤيدا وداعما ومناصرا لاية قوة تستهدف اجثثات هذا السرطان، سواء جاءت من خارج ليبيا او من داخلها، وطالما وجدت مثل هذه القوة داخل ليبيا، فهي الاولى بالمناصرة والتاييد والمؤازرة، والوقوف معها قلبا وقالبا، حتى تخليص الجسد الليبي من هذا الورم باذن الله، خاصة وان الوجه البشع لداعش ليبيا، لم يات متخفيا اوتحت اية اقنعة ، وانما سافرا واضحا ، له انياب دراكيولا التي تقطر بدماء عظماءالمناضلين في ليبيا واشرف رجالها ونسائها امثال عبد السلام المسماري ومحمود ابوزيد وسلوى ابو قعيقيص والنائب العام الاستاذ
الحصادي وغيرهم من شهداء وصلت اعدادهم بين ضباط الجيش واهل القضاء والشرطة مئات الضحايا، وطالما ان هناك قوة ليبية خرجت تتصدي لهم، وتحاول اجراء عملية جراحية لاستئصالهم ، ، فانني اجده واجبا وطنيا، وواجبا انسانيا، وواجبا دينيا، على كل ليبي ان يقف مع ابطال هذه المعركة في شرق البلاد او غربها، والاستعانة باية قوة دولية باعتبار ان جرائم داعش تنتمي الى نوع من الشر له طبيعة كونية، ومقاومة هذا الشر مسالة تقتضى ان تتكاثف قوى الخير في الكون جميعها، لتدخل المعركة ضده في اي مكان من الارض اوالسماء.
وبعد ان صال هذا الشر وجال في مشرق العالم العربي، جاء الى مغربه، وهو لم يكن بعيدا عنه في يوم من الايام، الا انه جاء في جولة جديدة، ومن ليببا الى تونس حيث اثار الهجوم الاجرامي الذي نفذته عناصر ارهابية من تنظيم داعش على متحف باردو في العاصمة التونسية نتج عنه عشرين قتيلا اجنبيا وثلاثة تونسيين وعددا كبيرا من الجرحي، صدمة في العالم اجمع لحجم التوحش الذي صاحب هذا الاعتداء على معلم حضاري، ومركز من مراكز التراث الانساني ، واستهدف اناسا ابرياء من السياح القادمين الى تونس من مختلف اقطار العالم ، كل جريمتهم، انهم احبوا هذا الارث الحضاري الانساني في ، وتحملوا متاعب السفر وتبعاته ونفقاته، هذه البلاد، وجاءوا اليه للاستمتاع بتنوعه وجماله الفني وما يحمله من معاني وحدة الحضارة الانسانية ، في احضان تونس الخضراء الجميلة، فكانت المكافآة التي تنتطرهم، على ايدي شباب من اهل البلاد، هو قتلهم بدم بارد في مجزرة تستحي من ارتكابها ابالسة الارض والسماء.
وقد سقط بالاضافة الى هؤلاء السائحين الابرياء، عدد من اهل البلاد ، قتلوا وعدد آخر ما زالوا في المستشفيات بين الحياة والموت، واصاب الحادث في مقتل موردا من موارد الدخل القومي التونسي هو السياحة، واذا كان الارهاب “لا يحتاج الى اسباب ومسوغات لتبرير جرائمه الوحشية، وانه يضرب حيث يستطيع دون حساب، ويسري كالوباء، يعبر الحدود مثل النار في الهشيم ” كما يقول الكاتب المصري المعروف مكرم محمد احمد، الذي استهدفه الارهاب في محاولة لقتله لمجرد انه استخدم قلمه في ادانة الارهابيين، فان ذلك لا يمنعنا من مواصلة البحث والتنقيب عن جذوره ومنابعه، وفهم واسبابه، مع اتفاقنا مع نفس الكاتب من الحل الاساسي في التعامل معه هو اعلان الحرب عليه الى ان يرفع راية الاستسلام.
ويقتضي حادث باردو، بالضرورة، القاء نظرة على الحالة التونسية التي انتجت هذا الارهاب بنسخته الداعشية التونسية، ومن اين جاء، وكيف صار يقوم بهذه الضربات، ويمارس ارتكاب المجازر وعمليات الاغتيال التي طالت رموزا ثقافية وقادة سياسيين، وتواصل استهدافها لاعضاء المؤسستين الامنية والعسكرية بهجمات سوداء، افسدت صفاء السماء في بلد حباه الله بجمال الطبيعة ونقاء الاجواء واخصرار الارض وبهاء الشواطيء التي يؤمها السائحين من اصقاع الارض.
ويكتسب الحادث الارهابي الذي حصل في متحف باردو، بما لهذا المكان من رمزية ذات ابعاد ثقافية وحضارية، دلالة خاصة، فهو يحدث في بلد من اكثر البلاد العربية اخذا باسباب الحداثة، وتوطينا للتفكير العلمي والعقلاني، واهتماما بترسيخ الثقافة العصرية والاستفادة من مكتسباتها، هذا من ناحية ، ومن ناحية ثانية فان تونس الخضراء هي بلد جامع الزيتونه، منارة العلوم الدينية الشهيرة، عرفت دائما بالوسطية والاعتدال، عبر تاريخ طويل وعريق ورموز في الفكر الديني، من اصحاب الاستنارة والتجديد، وهو صنو للازهر الشريف في القاهرة ، وجامع القرويين في فاس، وكانت تونس احدى البلدان التي اخذت باسباب النهضة التي عرفتها المنطقة العربية والاسلامية في انعطافة القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، مع وصول خير الدين التونسي ، صاحب كتاب “أقوم المسالك، في احوال الممالك” الصادر عام 1896، الى المنصب الاول في الدولة، يدعو فيه الى ما دعا اليه رفاعه الطهطاوي قبله في مصر بان تأخذ الامة العربية الاسلامية باسباب الحضارة الحديثة التي صنعت نهضة اوروبا ، مقترحا تلك الصيغة التي توائم بين اقتباس اسباب النهوض من الامم المتقدمة في الغرب مع الاحتفاظ بالهوية الاسلامية والشخصية الحضارية الخاصة بشعوب المنطقة، ما تميز به عن معاصريه من اهل التنوير والتبشير بالقيم الحديثة، انه يقول ذلك من موقعه في اعلى مركز في السلطة التنفيذية في بلاده قادرا على وضع افكاره موقع التنفيذ، على الاقل وفق ماهو متاح له من صلاحيات في ظل الوصاية الفرنسية، واسوق هذه المقدمة التاريخية الخاصة بارهصات النهضة والتنوير، في مطلع القرن الماضي واواخر القرن الذي قبله، لاشير الى تجذر الحداثة في تونس وباعتبار ذلك التاريخ خلفية لهذه المسيرة التي تعززت في النصف التاني من القرن العشرين، وبعد انالت تونس استقلالها من الاستعمار الفرنسي عام 1956 على يد المناضلين الذي قادهم في مرحلة من مراحل النضال الزعيم الحبيب بورقيبة، والذي قلده الشعب التونسي منصب رئيس الجمهورية، ويمكن بالتأكيد الحديث عن كثير من اوجه القصور والتقصير التي شابت نظام هذا الرئيس، الذي كان فرديا بامتياز، يعتمد على كاريزما الزعيم الاوحد، وما يحمله من رصيد لدى الشعب، بسبب مسيرته النضالية، الا اننا لا نستطيع ان ننكر عليه، عددا من المؤهلات الشخصية، التي انعكست بشكل ايجابي على نظامه وتكريسه لمبدأ الدولة المدنية العصرية ذات التوجه العلماني، واحدى هذه المؤهلات وصوله الى اعلى المراتب في التعليم، المتاح في الحقبة التي عاصرها و الظروف التي نشأ في اطارها، ففي حين كان الزعماء التاريخيون في البلاد العربية، من ابناء جيله، يكتفون بالتعليم الاولي والمتوسط، خريجي الكتاب والمدارس القرآنية، حيث لا تتعدي الدراسة مدة سنوات الروضة في العصر الحديث، امثال الملك ادريس الليبي، ومحمد الخامس المغربي، والملك عبد العزيز، فان ابورقيبة ، بدأ قيادة المسرة في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو المحامي الذي درس القانون في السوربون، اعلى جامعات العالم كعبا في ذلك الوقت، وكان يجمع مع ثقافته الفرنسية ثقافة عربية تقليدية نالها قبل الذهاب الى باريس، وهذا المستوى الرفيع من التحصيل التعليمي والثقافي الذي حصل عليه ، جعله واعيا وهو يعتلي سدة الحكم، باهمية العامل الثقافي في تنمية المجتمعات، فعمل على تعميم المكتبات والمراكز الثقافية، واهتم اهتماما خاصا بالتعليم، وقدم مبادرات جريئة وقوية فيما يتصل بتحرير المرأة واشراكها في الحياة واتاحة فرص العمل والتعليم امامها، وعزز الاجراء التنفيذي الحكومي بتشريعات وقوانين تنصف المرأة،
وتضعها على قدم المساواة مع الرجل، بما في ذلك المشاركة السياسية، ولم يكن غريبا اثناء ثورة الياسمين ان نرى المرأة التونسية تتقدم الصفوف في المسيرات والعمل الثوري والسياسي، وعزز مسيرة الاستقلال بما اسماه السياسة الثقافية القائمة على احياء التراث الشعبي التونسي وفق مفهوم الخصوص التونسية، كما كان يقول، والتراث الحضاري العربي في مراكز عرفت تاريخا مشهودا مثل القيروان عاصمة عقبة بن نافع ومن بعده الدولة العباسية ودولة الاغالبة والمهدية عاصمة الفاطميين، وتوسع عهده في نشر المراكز الثقافية وكنا نزور تونس في الستينيات ضيوفا ثقافيين على مراكز شهيرة مثل ابن منظور وابن خلدون وابن الرشيق ، التي كان يدير احداها كاتبا من ابناء جيلي هو الصديق الراحل سمير العيادي، وهي مراكز لا تكتفي بوجود قاعات القراءة واعارة الكتب للمشتركين ، وانما فضاء للتفاعل الثقافي واقامة المحاضرات والمعارض للفنانين التشكيليين، وساحة للحوار بين المثقفين، واهتم النظام بالصناعات التقليدية والتراث الشعبي في هذا المجال وفي مجال الفنون، واذا كان قد حصر السياسة في حزبه واركان حكمه فان الحريات الاخرى كانت مكفولة مثل حرية العمل النقابي ، والحريات العامة والخاصة ، ولم يكن النظام يتدخل فيما يأكل الناس وفيما يشربون او يلبسون او كيف يسهرون ويقضون اجازاتهم، او كيفية التعليم الذي يرتضونه لاطفالهم، باتاحة الفرصة للتعليم الخاص وتعليم اللغات مع مدارس الدولة التي تتيح التعليم مجانا لابناء البلاد، وجعل تونس مركزا من مراكز الاستقطاب السياحي، قبل ان تصبح السياحة صناعة وتجارة ، في بقية انحاء العالم.
وساعد ابورقيبة ، في انشاء مجتمع عصري في تونس، ان المستعمر الفرنسي ، صنع قاعدة ثقافية فرنسية ، لم يدخر النظام البورقيبي جهدا في تعريبها، في مجال التعليم، ثم في دواليب الدولة، ومؤسساتها ووزراراتها، حتى ترسخت وصارت هي اللغة الاولى في البلاد، والفرنسية لغة ثانية ، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فقد ساعده على ترسيخ قيم الحداثة وروح العصر ان المجتمع التونسي، بعكس الجارين الليبي والجزائري، حيث تشكل الطبيعة البدوية الصحراوية العنصر الغالب في ليبيا، وتشكل حياة الجبال وحياة الصحراء العنصر الغالب في الجزائر، فان العنصر المدني ، لاسباب تتصل بخريطة تونس والبعد الديمغرافي، هو العنصر الغالب، فكان سهلا ان يجد ارضا خصبة لدعواه في التحديث والتجديد، وهي قيم بقدر ما ترسخت واستقرت في عقول وقلوب الناس من ذكور واناث، بقدر ما صنعت ردود فعل لدى بعض الناس، وجيوب مقاومة ورفض لهذا التوجه المدني العصرى العلماني، وهي التي تحولت فيما بعد الى هذه البؤر الارهابية التي استطاعت بعد سبات طويل وعميق ، ان تستيقظ على اصوات قرع الطبول التي تحركت في جبال وكهوف افغانستان ووجدت اصداء لها في جبال الجزائر واحراجها، قبل ان تتحول الى وباء ينتشر في مشارق ومغارب العالمين العربي والاسلامي، وقد وجدت الدعم والمد على ايدي فرانكشتاين الغرب، الذي يصنع الغيلان والكوابيس ، دون ان يعبا بان يكون بعض اهله من ضحاياها.

العدو الذي يسكن داخلنا
تختلف الحالة كثيرا عندما يأتي التهديد من عدو خارجي، عنها عندما يتمثل هذا التهديد في عدو يهاجمنا من داخلنا.
وكانت الحالة الاولى هي الشائعة في العالم العربي، الذي خاض اقطاره شرقا وغربا، نضالا تعددت انواعه، حربا وسياسة ، مقاومة شعبية وجيوشا نظامية ، لحسم الصراع مع العدو الذي ياتي من الخارج، سواء عندما كان غزوا اجنبيا استعماريا ، وصل الى احتلال اقطار عربية، او عندما كان في شكل تحرشات وصدام وحروب قصيرة الامد، مثل تلك الحروب التي خاضتها دول عربية تقع على خط المواجهة مع دولة الاحتلال الصهيوني، في حروب 48 و56 و67 و73، وما بعدها وقبلها من كر وفر على جبهة لبنان اوفي غزة او مع مصر اثناء حرب الاستنزاف.
حروب الاقطار العربية هذه الايام، تتركز اغلبها، ان لم تكن كلها، باستثناء الحالة الفلسطينية، في عدو يسكن بداخلنا، ويتمدد في عمق ارضنا، ويلقى المدد، في اجناده ومحاربيه، من ابناء الوطن نفسه ، وضحاياه في الجانبين من اهل البلاد نفسها، حيث يحارب الوطن وقواه الشرعية، وجيشه الرسمي، تنظيما متطرفا متوحشا موغلا في الاجرام، وفئة من ابناء البلاد تمكنت جرثومة التطرف من ادمغتهم ، وصورت لهم ان هذه الحرب التي يخوضونها ضد اهلهم وشعوبهم، انما هي حرب مقدسة، يبذلون من اجلها ارواحهم، في سبيل اخضاع اوطانهم لحكم الله الذي يرونه حسب هواهم، والتمكين لشريعة الله كما يتصورونها، والرجوع الى كتابه ليكون هو الدستور بدل الدساتير الوضعية.
ولسنا هنا في صدد مناقشة هؤلاء المتطرفين في قناعاتهم، او ردهم عنها، بالاقناع والحجة والبرهان، لانه من الواضح ان الامر ليس فكرا فقط، وانما هو شروخ في النفوس، وميول اجرامية تاصلت فيها، جعلت هذا المريض المصاب بهذه العلل العقلية والنفسية التي تدفعه الى جريمة ، يريد ان يغطي امراضه وميوله الاجرامية ، وربما الانتحارية، بغطاء مقدس، ليذهب الى مهمة القتل والتفجير والانتحار، التي تقتضي ان يتزنر النار، ويفجر نفسه في حشد من الابرياء، يقوم بهذه المهمة البشعة القبيحة، وهو يشعر بالارتياح والطمأنينة ، اكثر مما يشعر بهما القاتل المجرم، الذي يتبع المافيا مثلا، والذي لا يجد غطاء ذهبيا مصنوعا من دين لا يقر به الدين، بظن انه يخدم رسالة سماوية ، ويلبي نداء من خالق الكون، وسوف تكون المكافأة دخوله الى فراديس الله، حيث سيجد اعدادا لا تحصى من الحور العين، ينتظرنه بالفرح والغناء والزغاريد، واحظانهن مفتوحة لاستقباله .
ومهما عرف التاريخ من نزاعات داخلية، وحروب اهلية ، وانقسامات وصراعات سياسية، انتهت بان صارت صراعات مسلحة، فانها لا تتماثل ولا تتشابه مع الحالة التي تعيشها اقطار الوطن العربي، مع التطرف الديني، صانع الارهاب، ومفجر الحروب بين ابناء الوطن الحرب.
ولن اكرر ماذكرته من اسباب ودوافع لهذاالارهاب ، لكنني اضيف بان هناك بالتأكيد خلطة من الاسباب والدوافع، يأتي في مقدمتها ما حصل من تحريف وتجريف وتصحير للفكر والثقافة والقيم الاخلاقية وحقوق المواطنة، وتسطيح الدين وتسخيره اداة للحكم والسيطرة ، ونتاج لعهود من الاستبداد ونزوات عدد من الطغاة ، حكموا اقطار الوطن العربي، وكانوا مثالا للجهل والعته والشر، ولا احد يمكن ان يقول لي ان دواعش العراق، ليسوا ثمرة من ثمار الاستبداد الصدامي، وان دواعش سوريا ليسوا حصادا مرا للاستبداد الاسدي، وان دواعش مصر وتونس والجزائر والسودان ليسوا ثمرة اساليب في الحكم غابت فيها الرؤية الحضارية والاعتبارات الانسانية ، وغابت فيها روح الخير والمحبة والحق، وساد فيها حكم المغالبة والقهر والكبت وغياب الحقوق والحريات الخاصة والعامة ، ولا احد يقول لي ان دواعش ليبيا، برغم ما يحصلون عليه من مدد خارجي، لم يكونوا نبتات انبتتها تربة الاستبداد والاجرام والقهر الذي ساد في عهد الطاغية الليبي، وانهم اجنة مشوهة خرجت من رحم نظامه.
اما المثل الاعلى الذي لا زال ماثلا للعيان ، نراه يظهر على الشاشات، ويلقي التصريحات، ويقدم لنا حالة للتأمل والدراسة المعاينة ، فهو الرئيس اليمني المخلوع ، على عبد الله صالح، الطاغية الذي حكم اليمن ثلاثة وثلاثين عاما، مستخدما اساليب المافيا ، بعد ان وصل الى منصبه بالدم والجريمة والخيانة والاغتيال، حيث لا تكفيه الجرائم التي ارتكبها طوال سنوات حكمه ، وما اقترن بهذا الحكم من كوارث، وما تسبب فيه من جرائم ، وما انزله باليمن من نكبات، يابي اليوم الا ان يواصل هذا الدور الاجرامي التخريبي ، الذي لا يتستر باي غطاء ، ولا حتى ورقة توت يداري بها سوأته، وانما ياتي عاريا قبيحا، شنيعا ، فظيعا، ليضع يده في يد العصابات المسلحة، ويؤسس لنفسه جيشا يشتري افراده بالمال الذي سطى عليه ونهبه نهبا من خزائن اليمن، ونراه اليوم بعد ان تحالف مع كل ميليشيات البلاطجة والاجرام والخروج على الشرعية ، يمد يده جهارا نهارا لتنظيم القاعدة في المكلا، ليعطي لمجرمي هذا التنظيم قواعد جيشه، لكي تبدا تلك العصابة المارقة الكافرة انطلاقها في ممارسة التوحش ضد الشعب الذي صبر ثلاثة عقود ونيف على حكمه ، ويابي بعد ان كان رئيسا مجرما، الا ان يكون خارجا على القانون ، ويهبط بنفسه واتباعه الى الدرك الاسفل من الخسة والخيانة، ليعطينا جميعا عينة لهؤلاء الحكام الذي كانوا يسيطرون على مقدرات الوطن العربي عدة عقود ، فهل يحق لاحد ان يسأل بعد هذا المثال ، من اي ثقب اسود خرجت غيلان الدواعش ووحوشها؟

التوحش الداعشي في ليبيا
ساتوقف فيما تبقى من هذا الجزء، عند ليبيا باعتباري اعرفها كثر من غيرها، وباعتبارها تصلح ان تكون مايسمى دراسة حالة او ما يسمونه في مراكز البحوث العالمية Case study
وتوضيحا للصورة اقول انه يعيش في ليبيا شعب كان مثالا للسلام والامان، وكل من كتب في ادب الرحلات من الاجانب يذكر انه تجول في ليبيا شرقا وغربا ولم يقابل ما يثير خوفه او يهدد امنه، واضرب هنا مثالا برحلة قام بها الكاتب المصري المعروف المرحوم الدكتور مصطفى محمود الى ليبيا والى مدن صحراوية فيها عام 1968
وذكر تفاصيل هذه الرحلة في كتاب موجود في السوق هو مغامرة في الصحراء حيث زار مدن الدواخل الليبية مثل سبها وغدامس واورد الكاتب الكبير الراحل مدى تأثره واعجابه بما تنعم به هذه المناطق من اجواء السلام والامان ، ربما بشكل لا يوجد الا في مدن اليوثوبيا، والى حد يعجز معه القاريء اليوم الذي يرى ما يحدث في بلادنا عن تصديق كلمة واحدة مما قال،واذكر هنا قصة واحدة مما قاله عن مدينة غدامس، فقد حدث ان التقي في احدى العزومات، مع حكمدار المدينة، وكان واردا لكاتب صحفي مثله ان يساله عن طبيعة الجرائم التي تحدث في المنطقة، فرد الرجل الامني الاول في غدامس، بانه لا وجود لاية جرائم، وتسهيلا لمهمته الاستقصائية ابدل كلمة الجرائم، بكلمة مشاكل بين الناس، فقال الرجل، انه كحكمدار للمنطقة لم يتصل باية مشاكل بين الناس، وهنا اراد مصطفى محمود ان يضع امامه سؤالا محددا لا مجال للهروب منه، فقال اليس لديكم مركزا للشرطة، فقال له نعم وعمره الان خمسة وعشرون عاما، فساله اليس به سجلا للحوادث وكتابة المحاضر كمثله من المراكز، فاجاب الرجل بنعم هناك هذا السجل، وهنا احس مصطفى محمود بانه اوقعه في الفخ الذي لا مهرب منه، فقال له انه يريد ان يخبره عن طبيعة الاحداث التي تصل الى المركز ويتم تسجيلها واخذ محاضر بها في هذا السجل، فقال الرجل بانه لا وجود لاي حادث وصل السجل ولا محضر كتب فيه، فظنه مصطفى محمود يراوغه فقال بانه لا يتحدث عن اليوم او هذا الشهر او هذا العام ولكن خلال عمر المركز كله ، ماذا وصل اليه من حوادث، فقال الرجل الامني بان الدكتور مصطفى محمود يستطيع ان يرى السجل بنفسه وانه منذ يوم ان فتح منذ خمسة وعشرين عاما لم تخط به كلمة واحدة عن حادث او محضر.
هذه هي القصة التي رواها مصطفى محمود في كتابه مغامرة في الصحراء، باندهاش واستغراب، وكانه يتحدث عن مدينة موجودة في فراديس السماء، وليس في ارض البشر الخطائين. قصة حقيقية وليست من خيال لان المشاكل في المدن الليبية لم تكن تصل مراكز الشرطة وان هناك نظاما اجتماعيا يفض النزاعات وينهي المشاكل في مهدها، فلا تصل الى مستوى الجريمة التي يباشرها رجال الشرطة.
مقابل هذه الصورة، نجد الان صورة مناقضة تماما لها، فلا تكاد توجد قرية صغيرة وليس مدينة كبيرة مثل غدامس لا تتكرر فيها حوادث القتل والسطو الخطف بشكل يومي، والعاصمة نفسها طرابلس تحظى بعدد قياسي لهذه الجرائم، مما يدعو الى السؤال ان كان يكمن هذا الشر، وكيف
تولد وتخلق ومن اين جاء، وساقف عند ابشع هذه الجرائم التي وصلت الى كل اركان المعمورة واستنكرتها البشرية جمعاء، وفي مقدمة المستنكرين، السلطات الشرعية في ليبيا التي عبرت عن شعورها بالصدمة والاسى والالم، للجريمة النكراء التي ارتكبها التنظيم الداعشي في حق واحد وعشرين مواطنا مصريا، والقيام بذبحهم بدم بارد، لمجرد انهم ينتمون لملة تختلف عن ملتهم، وقدمت هذه السلطات خالص عزائها لاهل الضحايا، ورحبت ترحيبا كبيرا بالتعاون مع القيادة المصرية في توجيه ضربات انتقامية لاوكار هؤلاء الدواعش، وانزال القصاص بهم ، لكي لا يظنوا انه بامكانهم قتل الابرياء ثم الهروب من العقاب، وكانت تلك الضربات الجوية التي قام بها سلاح الطيران المصري، بمشاركة سلاح الطيران الليبي، ضد مراكز تجمع هؤلاء المجرمين، ومخازن اسلاحهم، ومعسكرات تدريبهم واقامتهم ، في منطقة درنة بالذات،باعتبارها مركز القيادة والتدريب .
الحقيقة ان هذا التنظيم الداعشي في ليبيا لم يولد من فراغ، ولم ينمو وينتشر ويتمدد ويخرج من منطقة صغيرة محصورة قريبا من درنة، الى حواضر ليبية اخرى، ويكون له مراكز في بنغازي، ثم احتلاله لعاصمة المنطقة الوسطى سرت، ثم وصوله الى العاصمة الليبية طرابلس، دون عون ومساعدة من عناصر اسلامية متشددة في الداخل، تسيدت في فترة من الفترات، على المشهد السياسي والعسكري الليبي ، واعلنت على شراسة تعاملها مع المناوئين لها وازاحتهم من الطريق ، ربما منذ مقتل قائد الثوار ورئيس جيش الثورة الشهيد عبد الفتاح يونس، وبطريقة بشعة وصلت الى التمثيل بجثمانه وحرقه مع اثنين من رفاقه، وواصل هؤلاء المتشددون الاسلاميون الليبيون القادمون من كهوف تورا بورا في افغانستان، اغتصابهم للسلطة، بعد نجاح الثورة في الاطاحة بنظام العقيد ، بمساعدة القوات الدولية التي امر مجلس الامن بان تشارك في الحرب ضد نظام الطغيان في ليبيا، عبر القصف الجوي والصاروخي ودون وجود قوات على الارض ، وما ان انتهت الحرب وبدا الامل في بناء النظام الجديد، عبر صناديق الاقتراع ، وانتخاب مجلس يقود المرحلة الانتقالية حتى زحفوا عبر الميليشيات المسلحة، واختطفوا هذا المجلس، وسيطروا عليه بالمغالبة والقوة، والتهديد والوعيد، وصار لعبة في ايديهم، يفتح لهم الخزائن، وينفق عليهم من الارصدة المجمدة، ومن دخل النفط ، حتى صارت لهم قواعد وانصار واحتلوا مواقع ومعسكرات ، ولم يعد ممكنا ازاحتهم بالامكانيات المحدودة لقوى الدولة المدنية، ومن آمن بها من بقايا المؤسسة العسكرية والامنية، وكان يمكن عبر دورة اخرى من دورات الاقتراع، وانتخاب مجلس وطني جديد ، تحقيق هجوم معاكس ضد هذه القوى المتطرفة ، وافتكاك القرار السياسي منها، واعادته الى المواطن الليبي، باعتباره هو مصدر السلطات وفقا للاعلان الدستوري، الا ان هذا التيار لم يكن ممكنا ان ينهزم بسهولة ، او ان يرضخ لصندوق الاقتراع، او يسلم سلطة اتخاذ القرار السياسي لسلطة غير سلطته ، وكان اعتماده هذه المرة على المدد الخارجي اكثر مما يستطيع استنفاره من قوة الداخل، كان هناك دعم علني من ثلاث دول هي قطر وتركيا والسودان، ودعم مضمر وخفي من قوة عظمى دولية هي امريكا، وقد تكررت التصريحات التي اطلقتها السيدة السفيرة الامريكية المسماة ديبورا الجونز ، بمالأة التطرف الاسلامي والمطالبة بان يكون له مشاركة في السلطة، رغم انه صار منبوذا من الحراك الشرعي، بفضل صندوق الاقتراع لا غيره، ومع الوضوح الذي تكلم به الصندوق والرفض القاطع لاهل التطرف الديني، فان السيدة السفيرة ديبورا الجونس ترى ان هناك اعتبارا لقوة اخرى غير قوة صندوق الاقتراع، هي قوة السلاح، وقوة الميليشيات، وقوة الحقائق الواقعية الماثلة فوق الارض، وهو ما يعني ايض ان داعش وهي ميليشيا ذات سلاح وذات مواقع تسيطر عليها فوق الارض، وذات جيش اممي، وذات دعم دولي ، يجب ان يكون لها بالضرورة، وبحكم هذا المنطق، حق المشاركة مع اهل الشرعية الذين جاءوا عبر صندوق الاقتراع ، منطق شاذ وغريب ، ويناقض ما يسميه الغرب القيم الديمقراطية الغربية، ومع ذلك فعليكم ايها الليبيون الرضوخ له ، والامتتثال للسيدة التي تسميها مواقع التواصل الاجتماعي سلحفاة النينجا، باعتبار شكلها وعصبيتها وتحيزها للسلاح واهله ، فهي سلحفاة محاربة ولكن في صف الباطل والاجرام والتطرف.
ليس غريبا اذا قلنا ان هذا الدعم الامريكي للتطرف، صار واضحا بعد نجاح مصر شعبا وجيشا في كسر حلقات المؤامرة ، وانقاذ مصر من براثن التطرف ، واعادتها الى مسار ثورة 25 يناير بعد عملية الخطف التي تحققت لها ، فصار ضروريا ان تسعى سلاحف النينجا على مستوى خط النار الارهابي والمتطرف، لخلق حلقات جديدة من الحصار، تعويضا لحلقات الحصار والتآمر التي تحطمت بفعل ارادة الشعب المصري، فاسفر الارهاب في سينا عن وجه اكثر قبحا، عبر انصار بيت المقدس وبعض عناصر حماس، وغيرهم من اهل التطرف الاسلامي ، ليقوم بمهمته في شرق مصر، وفي غربها لابد من خلق حلقات من الارهاب الداعشي في ليبيا ذات الحدود المنتهكة، والسلطة المتهالكة، والجيش الذي مزال في مراحل التأسيس، وازداد الحصار تكاملا بمناطق البحر الاحمر وباب المندب باعتبار ما يحصل من زحف لانصار الله الحوثيين على مقدرات اليمن واستلام السلطة فيه.
الجانب الايجابي ، هو انه تكتل لانصار الباطل ، وانصار الجريمة ، وانصار الارهاب ، وانصار التوحش والتطرف، منبوذ من كل شعوب العالم، ضد انصار الخير وانصار التقدم وانصار الدولة العصرية وانصار المستقبل وانصار الحرية ، ولهذا فهم يدخلون معركة محكوم عليها بالفشل ، كل ما نريده الان، هو استنفار هذه القوى التي تؤمن بهذه القيم، ضد معسكر الشر ، والتعاون الليبي المصري ضد دواعش المناطق الغربية لمصر، يجب ان ياخذ نسقا وزخما، ويتاسس على قواعد متينة عسكرية وسياسية ، فلابد ان يكون وفق معاهدة للدفاع المشترك بين البلدين، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فلابد من الاستجابة لنداء السيد امين الجامعة العربية الذي يطالب بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك العربية، فحرام ان نرى تحالفا دوليا تقوده امريكا، للقيام بهذه المهمة في بلاد عربية، ولا نرى عملا عربيا لمقاومة الارهاب والتطرف والدواعش، ينبثق من الارض العربية، ومن الدول العربية، ثم لابد ان نرى ميثاق شرف تتبناه الجامعة العربية كما تتبناه ايضا امانة المؤتمر الاسلامي، بطرد ونبذ كل قطر يناصر الارهاب، كما تفعل قطر وتفعل تركيا وتفعل السودان ، ليظهر قادة هذه الدول على حقيقتهم امام العالم ، ويتلقون هم ايضا، العقاب على مواقفهم وافعالهم من شعوبهم قبل شعوب العالم.

عندما احتل الارهابيون لمنطقة الوسطى
قبل ان يتصدى الليبيون بعون خارجي الى داعش في عاصمة المنطقة الوسطى سرت، كان هناك اجماع في العالم، عربا وعجما، شرقا وغربا، على استنكار الاجرام الداعشي الذي تعرض له سكان مدينة سرت، والمذابح التي طالت اهلها المدنيين العزل من السلاح، الذي ذهب ضحيته عددا كبير من الضحايا، من نساء ورجال واطفال، قتلوا بدم بارد، نحرا مثل الخراف، وفي وضح النهار، وقد ذكرت الاحصاءات الاولية ان عدد القتلى يزيد على 17. قتيلا، دون وجود قوة تستطيع حمايةهؤلاء المدنيين، فالجيش الليبي محاصر في جزء من البلاد، اقصى الشرق، تحت طائلة حظر دولي، يمنع وصول السلاح اليه، من اي مكان في العالم ، اما الميليشيات بما فيها تلك التي تدعي انتسابا لثورة 17 فبراير، فهي مشغولة بتثبيت ملكها في البلاد، وسيطرتها
على مناطق اعتبرتها حيازة لها، بما في ذلك العاصمة طرابلس التي تقع تحت سيطرة ميليشيات تسمي نفسها فجر ليبيا، ولا صالح لها في الخروج من المدن التي تسيطر عليها، معنية بالتمكين لحكم الجماعة في الجزء الغربي من البلاد، تخشى اذا تحركت لنصرة المدنيين في سرت، التي تقع على بعد اربعمائة كيلومتر من العاصمة طرابلس، ان تفقد سيطرتها على هذا المركز الذي احتلته احتلالا، وقد تاتي قوة منافسة ، تاخذ مكانها، وهي التي سبق ان طردت قوات موالية للزنتان، كما دخلت في معارك مع قوى تتبع للجيش الرسمي ، ولم تقم بزحفها وترتكب ما ارتكبته من انتهاكات وما حصل بينها وبين خصومها من حرب وما سقط من قتلى في صفوفها والصفوف المقابلة لها، لكي تترك العاصمة دون ثمن، او ان تضمن لنفسها شراكة في حكم البلاد في المرحلة القادمة، وهناك حراك ميليشياوي غير الموجود في طرابلس، متواجد في جنوب البلاد، وربما في جزء من شرق البلاد وغربها ، يدخل في تحالفات ومساومات مع الدواعش انفسهم وتجمعهم بالدواعش اواصر الايمان باسلام سياسي متطرف واحد، ولا يضيرها ان تجد داعش قد حققت نصرا في هذه المدينة ذات الموقع الاستراتيجي من مدن ليبيا الرئيسية.
فمدينة سرت ، تتمتع بموقع استراتيجي على الساحل الليبي، لانها حلقة الوصل بين شرق البلاد وغربها وجنوبها، توفرت لها بنية تحتية اكثر من اي مدينة اخرى ، حيث كان النظام السابق يعتبرها العاصمة، وضخ المليارات من اموال النفط ليجعلها كذلك، ولها ميناء ولها مطار وبها قواعد عسكرية، بحرية وجوية، وتحظى باستقبال اكثر مقدار من المياه التي تاتي عن طريق الانابيب العملاقة للنهر الصناعي، وفي خليجها المسمى خليج سرت يقع الهلال النفطي بمواني التصدير الشهيرة مثل البريقة والزويتينه وراس لانوف الذي يضم مصنعا للبتروكيميات ايضا، وقد حظيت خلال العقود الاربعة من حكم القذافي باهتمام خاص، فهي مدينة اهله وانصاره، وبمثل ما كانت مسقط راسه، فقد كانت المكان الذي قطع فيه هذا الراس، ولعل هناك من اراد الثأر له من اهل هذه المدينة بمساعدة داعش على الوصول الى حكم سرت، نكاية باهل الحراك الثوري الذي اطاح بالاخ العقيد وتسبب في قتله، لكنه بالتأكيد نادم، اشد الندم، لانه دخل في صفقة مع الشر والاجرام والتوحش، وتنظيم ليس له صديق ولا صاحب ولا حليف الا الشيطان.
نعم، توالت صيحات الاستنكار والاحتجاج لما حصل في سرت، وخرجت بيانات الاستنكار من اغلب عوالم العاصم، الكبرى والصغرى، وتهاطلت دموع التماسيح من اهل السياسة في المجتمع الدولي، التي لا تصحبها مشاعر صدق ولا الم ولا تعاطف حقيقي، يدفع الى الفعل والعمل، وتصاعدت الة الاعلام تصنع جعجعة لا يصحبها طحينا، ودعت جامعة الدول العربية الى اجتماع طاريء لمندوبيها، يعقد في مقرها في القاهرة، ليناقش الجرائم التي ترتكبها داعش في سرت، ولا احد يتوقع ان تكون للاجتماع فعالية، مثله مثل اجتماعات روتينية سابقة له تتناول الشأن الليبي، لا يصدر عنها الا بيانات الشجب والادانة .
هناك عذر تقدمه قوى المجتمع الدولي، وتستخدمه ذريعة في عجزها عن الفعل، فيما يتصل بالحالة المؤسفة في ليبيا واضاعها المتردية، وتجعل تحقيق مطلبها المرتبط بهذا العذر، شرطا لتقديم اية معونة الى ليبيا في اخراجها من الحالة المتأزمة التي تعيشها ويعيشها شعبها، بما في
ذلك رفع الحظر على تسليح الجيش الليبي، وهو انهاء حالة الانقسام التي يعيشها اهل الحراك السياسي الليبي، والتي نتج عنها وجود حكومتين ، احدهما في الشرق والثانية في الغرب، ووجود مجلسين للبرلمان شرقي وغربي، ووجود اكثر من جيش ، غير الجيش الشعبي الرسمي الحكومي، في شكل ميليشيات اكثر قوة واكبر عددا من الجيش نفسه، وهو وضع يجب ان ينتهي على ايدي الليبيين، والوصول الى اقامة حكومة وحدة وطنية عن طريق المفاوضات التي تشرف عليها بعثة الامم المتحدة في ليبيا، تملأ الفراغ الذي تراه القوى الدولية سببا في انتشار الدواعش وقوى التطرف وسيطرتها على مناطق كثيرة من ليبيا، مع بقاء البلاد مسرحا لعصابات الاجرام الدولية التي تتاجر بالهجرة غير الشرعية ، واسهمت في ان تجعل ليبيا مركز تجمع وترحيل لقوارب الموت التي تنطلق من شواطئها. ولا شك ان هذا المطلب الدولي، واستفحال الازمة الامنية في البلاد، وتفاقم المأساة التي يعاني منها اهالي سرت على يد التوحش والاجرامي الداعشي واستمراره وتناميه، يضع تحديا امام اهل الحراك السياسي، واطراف النزاع المشاركين في المفاوضات، يجعلهم مطالبين ومن شعبهم قبل اي اية جهة اخرى، بالارتفاع الى مستوى المسئولية ، والاسراع بانجاز حكومة الوحدة الوطنية لانقاذ ما يمكن انقاذه قبل فوات الاوان، وقبل ان تتحول ليبيا وامنها المنهار الى مشكلة عصية على الحل، مثل حال الصومال

داعش والوحدة الوطنية
لم تتحول ليبيا الى مركز من مراكز الارهاب الداعشي، يدمر مقرات البلاد، ويعبث بتراثها الحضاري، ويرتكب جرائم القتل لفاعلياتها وناشطيها وضيوفها، ويضرب بالقصف العشوائي احياء سكنية في مدن كما يفعل في بني غازي، ثم يفيض بارهابه على دول الجوار ويجعلها تجأر بالشكوي، الا بسبب الفراغ السياسي الذي حصل في البلاد، وغياب الدولة غيابا مؤسفا فاجعا، مما جعل الامن في حالة انهيار، والجيش في حالة ضعف وشح في السلاح، والحدود تتعرض الى انتهاكات مستمرة، نتيجة غياب السلطة التي تفرض سيطرتها على كامل التراب الليبي.
ويعلم اغلب الليبيين، ان هذا الفراغ ناتج عن اجندات اجنبية ، وصنعته افكار ذات بعد ايديولوجي ، منفصلة عن الواقع ، تتبناها جماعات الاسلام السياسي، غير المتطرف وغير الداعشي، ولكنها بطريقة واعية او لا واعية اسلمت البلاد الى داعش واشباه داعش من جماعات التطرف والغلو والارهاب، لان ولاء جماعات الاسلام السياسي، يتحول دائما الى وصفة للخراب والدمار، ويأتي على حساب الولاء للوطن، ومصالحه العليا، وعلى حساب الولاء للثورة والقيم التي انطلقت لتحقيقها، ويتحول هذا الولاء الايديولوجي الذي تؤمن به، الى اسفين يشق الصفوف، ويطعن الوطن في موقع القلب، ويقصم ظهر الثورة نفسها التي يدعي هؤلاء الناس انتسابهم اليها، ولمن يرى ان ما اقوله ليس كلاما صحيحا، خاصة من اهل اليمين الاسلامي ، اضرب لهم مثلا يؤكد صدق وسلامة ما اقول، فالليبيون جميعا يعرفون ويشهدون، ان اكثر مدينتين قادتا الثورة ضد النظام الاستبدادي، في الغرب الليبي، وحملا لواء التصدي للمجابهة لكتائب الطغيان، هما مدينتي مصراته والزنتان، وكانتا صخرتين منيعيتين تحطمت عليهما غطرسة وغرور نظام العته والطغيان والاجرام، الذي كبل ليبيا بالاغلال لاكثر من اربعين عاما، وكان هذا الموقف الصامد للمدينتين، سابق لتدخل الشرعية الدولية لانقاذ البلاد، واستخدامها لقوات الناتو في قصف كتائب النظام السابق والمواقع التي تشن منها الهجوم على المدن الثائرة، وكانت المدينتان تشد من ازر احدهما الاخرى وتقاتل صفا واحدا معها ، فهل يقول لي اي معارض لهذا الطرح، لماذا حصل الشقاق والافتراق بين ثوار
هذين المدينتين، وكيف تحول رفاق السلاح والنضال، الذين دخلوا المعركة متحدين متلاحمين، الى اعداء يشهرون السلاح في وجه بعضهم البعض، ويعمدون الى تدمير بعضهم البعض، ويفعلون بانفسهم ما لم تفعله بهم كتائب الطاغية.
لا اجد احدا مسئولا على هذا الاقتتال الفاجع المؤلم الذي يحدث بين ابطال ثورة 17 فبراير، الا دخول اجندة الاسلام السياسي على الخط، وهي اجندة فاسدة، تبدأ بافساد الدين، وافساد السياسة ، وتنتهي بافساد النضال الوطني، وافساد الوحدة الوطنية ، وكانت النتيجة هي ما رأيناه واقعا على الارض ، وهو افساد العلاقة بين ثوار الزنتان وثوار مصراته، عندما اشتغل تيار سياسي اسلامي، معروف باعتداله ووسطيته، على استغلال ثوار مصراته، وشحنهم بمقولات واطروحات معادية لبقية انحاء الوطن، واستخدم قوة هذه المدينة المناضلة، لفرض ارادته وسيطرته على المشهد السياسي الليبي، بعد ان فشل في الحصول على هذه السيطرة عن طريق التفويض الشعبي وصناديق الاقتراع، فكانت النتيجة انه شق الصف الوطني، واحدث هذا الصراع القاتل بين ابناء الولاء الثوري الواحد، وضرب كل الاستعدادات التي كانت تتهيأ لنشوء الدولة الجديدة، وعبث بمبدأ الانتخابات التي كانت تلقى توافقا واجماعا من كل فئات الشعب، وحصل هذا الفراغ السياسي المهول، الذي وجده الارهاب الداعشي فرصة سانحة لاستباحة الارض الليبية ، وجعلها موئلا ومقرا لعناصره، ومصدرا لارهابه وساحة يتحرك فوقها دون رقيب ولا حسيب ولا رادع، الى حد ان الخليفة الداعشي، امير المؤنين في الموصل، اعتبر ليبيا اولى ولاياته خارج مقر دولته في الشام والعراق، وقام بتعيين وكيله فيها ووالي الولاية اليمني الجنسية، ومعاونين له من غير الليبيين، تأكيدا لطبيعة التنظيم العابر للجنسيات والقارات والثقافات، ولانه لم يجد من العناصر الليبية المحلية، ما يكفي لسد المناصب القيادية في التنظيم، ولانه في حقيقته تنظيم لا جذور له في الارض الليبية، ولا بيئة حاضنة ، غير الفراغ والفوضى، وهو بالتالي تنظيم عارض وطاريء، وصنيعة هذه الظروف المؤقتة، التي احدثها الشرخ بين اهل البلاد وثوارها، وسيتبخر من ليبيا كما تتبخر فقاعة صابون اذا انتهت حالة الفراغ ، وتنتهي مع هذا التنظيم، الارهاب الاسود الذي طال اهل البلاد وضيوفها، وستنتهي الظاهرة التي ارعبت دول الشمال الاوروبي، والتي لم تكن الا احدى توابع الزلزال الداعشي في ليبيا، اي ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي صارت ليبيا دولة العبور الاساسية من افريقيا الى سواحل اوروبا.

ليبيا التي لا نعرفها
اعتقد انني مدين باعتذار لعدد كبير من الاصدقاء، الذين كنت ادخل معهم في جدال، اميل فيه الى جانب التفاؤل، وتغليب الصورة الزاهية المشرقة التي اراها تلوح في الافق، على الجانب المعتم الذي يرونه، ويعبرون عن ياسهم من الحالة الليبية التي تزداد تدهورا كل اليوم ، واثبتت الايام انهم على حق، وانني كنت مسرفا في التفاؤل، متشبتا بما اتضح انه سراب وتيه ، وكنت في الحقيقة قد بنيت موقفي على عدد من العوامل، التي رايتها تمثل الجانب الايجابي الذي سيخرج البلاد من الازمة، وينقذها من الفوضى، ولكن هذه العوامل للاسف الشديد ظهرت هشاشتها، ولم تصمد امام الانهيارات السياسية والامنية، بل والاقتصادية التي شهدتها البلاد، وسوف اتي في الحال على ذكر بعضها، واشرح كيف تهاوت، وتهاوى معها الامل الذي ساقني للوقوف في مواجهة المتشائمين، الذين اكدت الايام صحة نظرتهم وخطأ نظرتي ، وابدا بالعامل الاول الذي كان يدفعني للتفاؤل، وهو الاستحقاق الانتخابي الديمقراطي الذي اعطى اشارة البدء لتاسيس سلطة شرعية بديلة لسلطة الطاغية، بعد انهيار نظامه ونجاح الثورة في استرداد البلاد من مختطفيها، واعادتها الى اهلها، وكان انشاء مؤتمر وطني عام عن طريق صناديق الاقتراع، يؤسس لنظام ديمقراطي ويقوم على اختيار الشعب لممثليه، تدشينا لعصر جديد تدخله البلاد، وكان امرا مبهجا ان يتم هذا الاستحقاق الانتخابي بامانة ونزاهة وشفافية، وياتي خاليا من امراض القبليات والجهويات والعصبيات الايديولوجية وغيرها ، فكان هذا الاداء، وهذه النتيجة مبعثا للتفاؤل ، وان البلاد تمضي في الطريق الصحيح، وكان ايضا مؤشرا ايجابيا ان اليمين المتأسلم الذي افلح في خداع جماهير الربيع العربي في مصر وتونس ، واجه في ليبيا حالة من الوعي
الشعبي الذي لم يخضع لابتزازه ، ورغم النسبة الصغيرة التي اعطيت في الانتخابات الليبية للكيانات السياسية، فقد تحقق الاكتساح للتحالف الوطني الذي ينادي بالدولة المدنية ، فاخذ اغلب المقاعد المخصصة للكيانات ، ومنى الاسلاميون بهزيمة كبيرة ، امام التحالف بحيث لم يتحقق لهم ربع ما تحقق له، بل ان حزبا نال ترويجا كبيرا ودعما من من القوى الاسلامية في الداخل والخارج اسمه حزب الوطن لم يستطع رغم امكانياته الهائلة بالوصول حتى بمرشح واحد الى كرسي النيابة .
الا ان هذه الصيرورة الانتخابية الديمقراطية سرعان ما تم اجهاضها، عن طريق الميليشيات المسلحة ، التي اغتصبت السلطة وافرغت المؤتمر الوطني من محتواه، وجعلته مجرد يافطة بلا محتوى ولا مضمون، واذا بهؤلاء الاسلاميين الذين لم يكن يزيد تمثيلهم على اصابع اليدين، هم من يناور ويداور ويفرض اجندته، ويملي بالمدفع والبندقية ارادته على بقية الاعضاء غصبا وترويعا ، ثم يجعل البلاد كلها رهينة له ، فيتم اختطافها لصالح هذه التيارات العنيفة التي جاء بعضها من كهوف تورا بورا، ومن بقايا القاعدة، عدا مايسمى تنظيم الاخوان الذي يعمل بانسجام مع كل اهل التطرف والغلو، مستعينا بشيخ من اصحاب التزمت في موقع المفتي، لتسويغ القرارات التي يريدون لاخونة البلاد، وتكفير كل من يدعو الى الدولة المدنية والنظام الدستوري.
هذا العامل الاول الذي اوقعني في خطا النظرة المتفائلة الزاهية ، العامل الثاني هو ما تبدى اثناء الثورة من تضحيات، وما ظهر من صور الاستبسال والشهامة وروح الفداء والبذل والعطاء، مما جعلني اوقن ان ثورة قادتها هذه المثل والقيم النبيلة، وهذه المشاعر الوطنية الجليلة ، لابد وان تمضي في الطريق الى اخره ، طريق الخير والولاء الوطني ، وبناء المستقبل الزاهر الذي خرج الشهداء ينشدونه لاهلهم ، ولكن هذه الصورة الجليلة الجميلة صارت تتراجع مع الايام ، ولا استطيع شخصيا شرح ما حدث في هذا الحيز الصغير ، لان هناك بالتاكيد جانبا مضيئا في الانسان وجانبا معتما ولا تعني اشراقة الجانب المضيء ان الجانب الثاني قد توارى وغاب نهائيا فهو قد يجد الفرصة ليطل براسه ويفاجيء الناس بهذا الوجه المعتم الذي لا يعرفونه.
العامل الثالث هو المعدن الاصيل الذي كنت اثق انه موجود في الشعب الليبي ، ودليلي ان الطاغية نفسه كان يحرض الناس على الفتنة، وكان يدفعهم للدخول في معارك ضد بعضهم بعضا،بما كان يسميه زحوفا، وما يسميه معركة طلابية واخرى عمالية واخرى ادارية واخرى ثقافية يرد ان ينشب القتال بين الناس ومع ذلك ورغم هذا التحريض الرسمي، كان الناس يرتفعون فوق هذا التحريض فلم نر استجابة لما يريده الطاغية من مجازر ، فكان يضطر الى ان يقوم بها بنفسه من خلال جلاوزته ، فيشنق الطلاب في الجامعة اويصفي الخصوم في السجون. ولكن للاسف راينا صورة لهؤلاء الناس بعد ان ارتفع التحريض على القتل والاحتراب ، يظهرون فيها على صورة وحوش ، يقتلون ويحرقون وينهبون ويخطفون ، مما يحتاج الى دراسات نفسية يقوم بها اهل الاختصاص لهذه التحولات التي تطرا على نفس الانسان. ولعلني اعود بالشرح لمثل هذه العوامل النفسية الفاعلة في وعي ولا وعي البشر .
وهناك عوامل اخرى كثيرة لا يتسع لها هذا الحيز كانت تدفع بي للتفاؤل ، ولكن هذه العوامل كانت تنهار وتتقوض امام زحف الموجات الظلامية السلبية التي تاكل موجات الضوء والهواء ، وتترك الصورة بهذا التعتيم وهذا السوء ، الى درجة انني ارى الان ليبيا اخرى، لا اعرفها ولم اكن قد عاينتها في ازمنة سابقة بما فيها ازمنة تازم واحتقان ، فهذه المرحلة التي تمر بها البلاد اليوم هي اسوا المراحل وهي اكثر المراحل سوءا في التاريخ الليبي الحديث .
لقد دخلت ليبيا نفق الفوضى والارتباك وانعدام الشرعية وسيطرة القوى الظلامية،وما عملية الاختطاف الاجرامية التي تعرض لها رئيس الحكومة المؤقتة السيد على زيدان الا حالة من حالات التجلي لهذا التازم الذي وصلت له الحالة الليبية ، وهي مرشحة لمزيد من الاستفحال والسقوط في اودية الفوضى والخراب والاجرام ، ما لم نر حالة استنفار دولي لانقاذ هذا القطر الذي يربط بين قارات العالم ويشكل منطقة حيوية لكثير من الاوطان والشعوب ، ومرحبا بقوات الامم المتحدة لاعادة النظام والقانون لوطن صار الان اشبه بغابة لا يحكمها نظام ولا قانون.

مصادر الارهاب الثلاثة
تعيش ليبيا حالة تازم وارتباك وفوضى، اعطت فرصة لجماعات الارهاب السياسي ان تقبض على زمام الامور، في بعض مناطقها وحواضرها، الى حد جعل الحكومة المؤقتة، تصدر بيانا اسمته بيان غات، خاصا بالارهاب، والاعتراف بوجوده في البلاد، ودعوة الشعب الليبي لان يستعد لدخول المعركة الحاسمة معه، ووجهت نداء الى المجتمع الدولي بان يهرع لمساعدتها، في التصدي له، واسمت مدنا بعينها، هي بنغازي ودرنة وسرت، باعتبارها مدنا وقعت في قبضة الجماعات الارهابية، وصارت ضحية لانشطة يومية، تتعقب المواطنين الامنين بالاغتيال، وقد شملت هذه الاغتيالات رجالا من العسكريين المنتمين للثورة، وعناصر الشرطة، وعناصر القضاء، والاعلاميين، والناشطين السياسيين والحقوقيين، ومعناها فانها لم توفر احدا، لم تجعله هدفا لاجرامها الاسود، وكان الحادث المرعب الذي فجر الالام، واسال العبرات، وانفطرت له قلوب الليبيين، في مشارق الوطن ومغاربه، هو الحادث الارهابي الذي استهدف حفلا للتخرج في كلية فنية عسكرية في بنغازي، فاطاح بعشرات القتلى والجرحى، واحال تلك الفرحة الى حمام من الدم، وموعد مع المآثم والاحزان، وبرغم جسامة الجريمة فان الاجهزة الحكومية الامنية والعسكرية، لم تستطع ان تصل الى احد من مرتكبي هذه الجريمة، التي بلغت حدا اقصى في بشاعتها، وقطفت ارواح شباب في عمر الزهور، ينتمون الى اشرف مهنة، هي مهنة الدفاع عن الوطن، في مؤسسة تعليمية عسكرية، التقوا هم واهلهم ومعلميهم للفرح بوصولهم الى لحظة التخرج ، فاذا الفرح يتحول الى مأساة والحفل يتحول الى مأتم كبير للوطن .
البيان الذي اصدرته الحكومة لا يعفيها من مسئولية البحث على الجناة، ولا يغطي على ما تعانيه من عجز وفشل وخيبة ، بل ولا يستطيع ايضا ان يغطي على حقيقة ان هذا الارهاب ليس معزولا عن سياسات وقرارات وخطط فاشلة، تبناها الحراك القيادي في الحكومة والمؤتمر، وميليشيات فرضت اجندتها على المؤتمر والحكومة، وارغمتهما على اصدار قرارات لتعزيز مركز هذه المليشيات وتمويلها واعطاء غطاء من الشرعية لافعالها التي يدخل بعضها في اطار الجريمة والارهاب، وضحايا حادث الكلية العسكرية سوف يضافون الى اكثر من 4.. ضحية من ضحايا الارهاب، لم تستطع الحكومة ان تضع يدها على واحد من الجناة الذين قتلوهم، فهم يرتكبون جرائمهم في امن وامان من اي ملاحقة او عقاب، مما جعل الامر يستفحل، ويزداد سوءا يوما بعد يوم، وفي البيان نفسه لم تجرؤ الحكومة على ذكر اي تنظيم بعينه، مع ان تسمية الاماكن، مثل درنة وبنغازي وسرت، يشير في مضمونه وفحواه، الى جماعات الاسلام المتطرف، مثل انصار الشريعة التي ترفع رايتها السوداء في درنة ، وهي مدموغة دوليا وامريكيا بانها من الجماعات الارهابية، وطبعا يكاد بيان الحكومة يحدد جماعة التطرف الاسلامي عندما اضاف معلومة اكيدة وهي ان من بينهم عناصر غير ليبية، ومعلوم ان هذه الجماعة بالذات تحتضن اهل التطرف والغلو الديني وتحمي بعض المطلوبين دوليا ، وتكررت اسماء بعض هذه العناصر ووجودها في اماكن نفوذها في درنة والجبل الغربي تقوم بالتدريب وتوريد السلاح ، غير ان ما يحدث في ليبيا من ارهاب، لا يمكن ان يكون محصورا بهذه الجماعة ، فهناك سواها يرتكبون الاجرام ، لم تستطع للاسف الاجهزة الامنية، والعدلية، والثورية، في ليبيا، ان تضع يدها على قرينة واحدة تقدمها للجمهور، وتكون دليلا على هوية الارهابيين، ولكن التكهن والتخمين يذهب مذاهب شتى ، وهناك شبه اجماع على ان للارهاب في ليبيا مصادر ثلاثة ، رئيسية، ولعل هناك مصادر فرعية ، وهذه المصادر الثلاثة الرئيسية هي :
اولا ، اصحاب الاسلام السياسي، وطبعا ياتي علي راسهم اهل التطرف ، الذين يجاهرون بتكفير المجتمع ، بل وخرجوا علانية يحطمون مراكز الاقتراع في ليبيا لعدم ايمانهم بالديمقراطية باعتبارها مضادة للشريعة ، ويرفعون رايتهم السوداء، وهم لا ينقصهم المدد الخارجي عتادا ومالا ورجالا . وهناك طبعا من يضيف الى اهل التطرف والغلو كل اهل الاسلام السياسي لانه يجدهم مثل الحالة المصرية يخدمون بعضهم بعضا ويناصرون بعضهم بعضا وفي المواجهات مع الاخرين تنتهي الفروق بين ان يكون هذا اخوانيا معتدلا والاخر قاعديا متطرفا فالجميع يصطفون بجوار بعضهم بعضا ضد من يسمونهم العلمانيين واتباع الدولة المدنية، كما يصطفون ايضا كتفا الى كتف، عندما تجود الخزينة القطرية بكرمها المعهود، على مختلف اطيافهم، مالا وعتادا ودعما سياسيا لوجستيكيا.
ثانيا – اهل الاجرام الجنائي ، وخريجو سجون القذافي من اصحاب السوابق ، وهؤلاء يشكلون جزءا من المشهد الميليشياوي الاجرامي والارهابي ، وقد استفادوا من حالة الفوضى التي اعقبت الثورة ، فقد اخرجهم القذافي من السجون، وبعضهم اخرجهم الوضع الثوري والاحتراب، عندما قام الثوار باطلاق سراح المساجين السياسيين، وتهديم السجون، فخرج مع السياسيين والثوار، اصحاب الجرائم الجنائية، وارتدي بعضهم البذلة الكاكي، وانتسب لبعض الجماعات التي تحرس الطرقات او غير الطرقات ، كما استفادوا من وجود السلاح مرميا على الارصفة، فامتشقوا اسلحتهم واستعانوا بها على تنفيذ اجندة اجرامية لا علاقة لها بالثورة ولا الاسلام ولا غير الاسلام ، التربح بالجريمة، ومن اجل الجريمة، وهناك بالتاكيد، من استفاد بوجودهم باعتبارهم، بندقية للايجار، في تصفية الحسابات مع الخصوم، سواء كانت حسابات سياسية او اقتصادية اواجتماعية .
ثالثا – الفلول، ومهما كان الشعب قد انخرط في الثورة، واسقط من حسابه النظام الانقالابي، والطاغية الذي كان يسوقه بالارغام للعمل حسب اوامره وتعليماته، فان بعض القبائل، وبعض الفئات، وبقايا الكتائب، وجدت نفسها في الصف المضاد، واستهدفها مجتمع الثوار والثورة بالعداء، فتمترست في مواقعها المعادية لثورة 17 فبراير، وصارت ان لم تستطع المواجهة، فانها تستطيع القيام باعمال اجرامية تخريبية في الخفاء ، واذا حانت الفر صة، اطلت بوجهها الحقيقي، كما حدث في بعض المواجهات ، حيث رفع ازلام النظام الخرقة الخضراء ، اعلانا لولائهم لنظام الطاغية ، ولاشك ان في جعبة ابنه العائد اخيرا من النيجر عن طريق الانتربول، ما يكشف صفحات عن هذا المصدر من مصادر الارهاب الرئيسية.

لكي تنتهي هذه الشرور
قرأت وصفا للحالة الليبية كتبه احد اصحاب الصفحات في موقع الفيس بوك، يتمثلها في صورة مدينة طفحت فيها المجاري، فصار اهلها يخوضون وسط العفونة ، ويتنفسون النتانة، ولا يلتقون الا بالحشرات الخسيسة، التي تملأ الاجواء طنينا وازيزا، يعلو على صوت منطق والعقل الذي يتكلم به البشر ، وهي صورة قاتمة وصلت حد المبالغة والتهويل في رسم الالحالة الليبية، ولكنني لا الوم صاحبها ولا غيره ممن يراودهم مثل هذا الاحساس بالاشمئزاز والقرف من الدرك الاسفل الذي وصلت اليه الامور.
بتفاؤل وامل الى ما تقوم به بعثة الامم المتحدة في ليبيا لقد تطلع الليبيو من دور، وما تولت ترتيبه من حوارات، كان اخرها حوار الصخيرات بالمملكة المغربية، وما نقلته تصريحات المندوب الاممي في ليبيا السيد برناردينو ليون، من بشرى الى اهل البلاد، كانت تحدث عن قرب الوصول الى حل للنزاع وخروج من الازمة، مصدر فرح لهم جميعا، عندما شارحا كيف ان اطراف الصراع المتواجدة على مائدة المفاوضات تحت اشرافه، قد وصلت الى توافق يبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية تدير البلاد، وتملأ الفراغ الذي شكله انهيار الدولة ، المنظمة ، وتفاقم خطر الجماعات الارهابية ، مع ما وغياب النظام والقانون، وانتشار الجريمةصارت تشكله الحدود الليبية المنتهكة ، من مخاطر الهجرة غير الشرعية، التي تنطلق من شواطيء ليبيا المفتوحة بمساحة الفي كيلو متر على فضاءات اوروبا وسواحلها، وكانت اطراف س النواب، والحكومة المؤقة المنبثقة عنه، كثيرة من مناصري الحراك الشرعي المتمثل في مجلينتقدون الحوار، من منطلق انه لم يكن صوابا، ان يشمل ما يسمى المؤتمر الوطني العام، الذي انتهت صلاحيته منذ انتخابات مجلس النواب، بل كانت هذه الصلاحية منتهية قبل ذلك بفترة ائه ، ورفضهم هيمنة الميليشات المتطرفة طويلة، عبر انتهاء مدته، واستقالة عدد كبير من اعضعليه، وسيطرتها على قراراته، وما شاب هذه القرارات والسياسات من عوار، انتهت باستقالة رئيسه السابق الدكتور محمد المقريف ونائبه، ثم انتهى هذا المؤتمر، وبليت عظامه وصارت ان بعض الميليشيات المسلحة التي رميما، بعد ان استقرت الامور لمجلس النواب الجديد، الااحتلت العاصمة ، رات اعادة احياء هذه العظام الرميم، لاستخدامها واجهة سياسية، تحقق بها شرعية زائفة كاذبة، ولهذا استنكرت الطلائع المستنيرة والمثقفة من ابناء ليبيا، ان تعتمد البعثة الذي تبرأ منه اغلب اعضائه القدامي، طرفا في الاممية في البلاد ، هذا الكيان الكاذب المفتعل، الصراع، وتدعوه ليتبوأ مركز الصدارة في المباحثات والمفاوضات، ويجلس ندا لمجلس النواب على موائد الحوار، وبعد جولات فاشلة شهدتها مدينة جنيف، وقبلها مدينة غدامس ، وحواضر لرباط في المغرب، تحقق ما يمكن ان يشكل عربية مثل القاهرة والجزائر وتونس، وصولا الى ا
بادرة امل، ورأى الناس انفراجة يأتي منها النور، ويمكن عبرها الخروج من الحالة المتأزمة ، حالة طفح المجاري التي وصفها المدون الليبي، الى حالة تضمن عودة الحياة الطبيعية في البلاد، لفوضي، وتمنع انتشار الجريمة، وتنهي الانتهاكات وتمضي باتجاه ستئناف حكم القانون ، تعالج ا المستمرة لحقوق الانسان قتلا وخطفا واغتصابا، ولم يكن احد من المراقبين، يتصور ان يأتي الاعتراض على فرص الحل، من هذه الجثة التي بعثت فيها الحياة، المسماة المؤتمر الوطني يوافق على تشكيل حكومة الوحدة، ويبادر بقفل العام، ليخرج رئيس وفده، ليقول ان مؤتمره لاالكوة التي تسرب منها شيء من النور على المشهد السياسي الليبي، ليعود المشهد الى عتمته وظلامه، بل ونرى هذا المؤتمر الميت ، يطالب اكثر من ذلك، بانهاء دور المبعوث الاممي السيد ويرفض استمرار مهمته في ليبيا، امعانا في (قبل وصول خلفه السيد كوبلر)برناردينو ليونالتحدي، ورغبة في استمرار المسار الاجرامي الارهابي الميليشياي، الذي ادخل البلاد في حالة الفوضى والارتباك بل والارهاب والاجرام، لكي تبقى ميليشيات التطرف وجماعة القاعدة وداعش رضا مستباحة، مفتوحة لممارساتهم، تمرح وتسرح في طول البلاد وعرضها، باعتبارها اواستدعاء اهل التطرف من انحاء العالم ، لاتخاذ ليبيا ملجأ وقاعدة لعملهم.
وهذا الرفض ، الذي ياتي من جهة لم تكن تملك اية صفة لتمثيل الشعب الليبي، مكافأة يستحقها المندوب الاممي، لأنه اعطى اعتبارا وقيمة لهذا الكيان الكاذب، أولا ، ولانه ثانيا، تأخر في استخدام ما تملكه الامم المتحدة من اسلحة ضد الخارجين على القانون، واهل التطرف والاجرام والعمليات الارهابية، ومعرقلي المسار الديموقراطي، فلم نر لائحة تقدم لمحكمة الجنايات الدولية ، ولم نر اية مراقبة للمرافيء والموانيء التي تصل منها الاسلحة لهذه الجماعات المسلحة، ولم نمر حظرا يشمل الدول التي تقدم الاسلحة لاهل التطرف والارهاب، وقد ضبطت هذه الاطراف وهي في حالة تلبس بالجرم المشهود، وطالبت السلطات الشرعية في ليبيا المجتمع الدولي بان يصدر حظرا على هذه الدول بمد السلاح الى ميليشيات ليبيا وجماعات الارهاب فيها، ولكن المجتمع الدولي بدلا من ذلك، شدد حظر السلاح على الجيش الليبي، الذي يحارب الارهاب، ويقدم التضحيات نيابة على المجتمع الدولي، في محاربة الجماعت التي طالت جرائمها بشرا من كل الاجناس والاديان.
لقد حان الوقت لان تستخدم الهيئة الاممية ما لديها من قوة، وما بين ايديها من اسلحة، لفرض النظام والقانون، ومعاقبة المسئولين عن الفوضى، والمتسببين في عرقة الحوار، وانشاء الدولة المدنية، لكي تحدث تأثيرا ايجابيا في الحالة الليبية ، بدلا من استمرار هذه اللعبة العبثية، التي تتم تحت اشرافها، وبادارة ممثلها في ليبيا السيد برناردينو ليون.

الذين يدعمون الارهاب
في تصريحات متكررة لاهل الحراك السياسي القيادي يشيرون الى دول بالاسم باعتبارها داعمة للارهاب والتطرف في ليبيا، وهي التي تمد الجماعات التي تحتل مناطق من ليبيا، وتتخذها قواعد للقيام بهجماتها الارهابية، وممارسة التوحش والقتل، ضد الابرياء، في ليبيا وخارجها، وهو ما سبق ان ورد في احاديثه، ولكن بدرجة اقل من الوضوح والصراحة ، تاركا مثل هذا الوضوح لاعوان عسكريين وسياسيين يطلقون صرخات النجدة ويطلبون معونة المجتمع الدولي، ويسألونه ان يتدخل لايقاف هذا المدد الدائم سلاحا ورجالا ومالا، القادم الى دواعش ليبيا من هاتين الدولتين ، واستخدام عدد من المواني والمطارات، ومنافذ الحدود الارضية، لتسهيل تنقل الجماعات الارهابية التي تزداد اتساعا وتمددا وانتشارا في ليبيا . .
المشكلة حقا ان هذه التصريحات التي تاتي الان من راس السلطة التنفيذية الشرعية في ليبيا ، لا تلقى انتباها، ولا تجد من ينصت اليها، من الفاعلين في المجتمع الدولي، وقواه الكبرى المعنية بمكافحة الارهاب، فهي صرخات يطلقها في البرية، حيث يرفعها الريح، وتردد اصداؤها الشعاب، دون ان تصل الى اذان البشر الموجه اليهم، وهم من يقول اعلامهم وتقول تصريحاتهم انهم يحاربون الارهاب ويطاردونه ولهم ثار معه، الا ان الكيل بمكيالين يبدو هنا في صورة جلية واضحة، فهناك مكيال يتعاملون به مع الدواعش في شرق العالم العربي ، حيث يخوضون حربهم ضده بالاساطيل التي تحمل الطائرات، والقاذفات التي تنتمي لاحدث طراز، تقصف مواقع المتطرفين، وتدك حصونهم، ويؤدون واجبا انسانيا ، ومطلبا دوليا ، تشترك المجتمعات البشرية كلها ، في مباركته ، وهو محاربة هذا الاجرام، وهذا التوحش ، الذي اطل برأسه، يعبث بقيم الحضارة الحديثة ، ويدمر مكتسباتها، ويعيد عجلة التاريخ الى اكثر مراحله اظلاما وتخلفا ، وتعرف دول الغرب التي تؤلف هذا التحالف ، كما تعرف الولايات المتحدة الامريكية التي تقوده، ان التصدي لهذه الجماعات الارهابية المتوحشة، انما هو حماية لشعوبها، لانها جماعات تمارس ارهابا يكتسح الحدود ويعبر القارات، وسبق له ان وصل الى دول الغرب ، واوقع الضربات الموجعة باهلها ومؤسساتها، فكانت هذه الحرب على الارهاب ، وان تمت خارج الحدود ، فهي دفاع على النفس، ودرء لخطر داهم يهدد كل مواطن في بلدانها .
ويبقى السؤال معلقا فوق رؤوسنا جميها، شرقا وغربا ، عربا وعجما ، وهو لماذا هذا التقاعس، وهذا الاحجام، عن مواجهة الدواعش في ليبيا، وقد فاض هذا التوحش الذي تمارسه دواعش ليبيا على المحيط الاقليمي ، وقام بعملياته الاجرامية والارهابية في مصر متسللا من ليبيا ، وكذلك قام بها في تونس والجزائر، واكثر من ذلك فقد صارت ليبيا الملجأ الامن الذي يهرب اليه دواعش هذه البلدان بعد تنفيذ عملياتهم في دول الجوار، بل وصل الامر الى ابعد من الدول المتاخمة لليبيا، مثل مالي ونيجيريا ، كما يتخذونها قاعدة للانطلاق نحو هذه البلدان، ويهددون علنا، بان هدفهم القادم سيكون الشاطيء الشمالي للبحر الابيض المتوسط،
كما جاء على لسان الناطق باسمهم، اثناء عملية ذبح العمال الاقباط المصريين، في عملية استعراضية ، يندى لها الجبين ، تباهيا بالاجرام وافتخارا بارتكابه .
هل نكون مخطئين، اذا قلنا ان هذا التقاعس، وهذا الاحجام، هو تواطؤ مع هذا الارهاب ، وهذا الصمت ازاء صرخات النجدة، وطلب العون، التي يطلقها اهل الحراك السياسي الشرعي في ليبيا ه نوع من التضامن الصامت مع الدواعش في ليبيا وصورة من صور الرضا عما يقومون بها في ليبيا دون غيرها ، ام نذهب اكثر ونقول ان هذا التوحش في هذا المنطقة بالذات، المسماة ليبيا ، يلقى الدعم، ويلقى التشجيع ، ويلقى المباركة والاحتضان ، وان ما يقوله الليبيون من ان المدد، الذي يصل الى هذه الجماعات من كل من قطر وتركيا، انما هو مدد يتم باوامر الغرب وبالتوافق معهم، وان جماعة التطرف في ليبيا التي كانت محصورة في منطقة صغيرة اسمها درنة ، واحتلت الان عاصمة المنطقة الوسطى سرت ، وصارت لها موانيء ومطارات وقطعة بمئات الكيلو ميترات من الشاطيء المطل على اوروبا ، لم تحقق هذا التوسع وهذا النمو، الا بفضل الدعم المادي الذي كان يتدفق عليهم عبر موانيء جوية وبحرية وبواسطة طائرات وسفن مرصودة ومعروفة من قبل اقمار الغرب الصناعية ومراصده المدنية والعسكرية ، العائمة والثابتة، ان لم تكن طائرات وسفن ، هم اصحابها وهم من وضعها تحت تصرف هؤلاء المتطرفين.

ويبدو غريبا ايضا، ان حظرا على السلاح كان اساسه، قرار ضد جيش النظام السابق الذي يحارب شعبا خرج يطالب بالتغيير، ويدك المدن الليبية على رؤؤس سكانها، يستمر اليوم ضد الجيش الذي ينتمي الى حكومة الثورة ، وحراكها الشرعي، ويحارب ارهاب الدواعش والمتطرفين في ليبيا ، افلا يدل الاصرار على استمرار هذا الحظر، ومعارضة رفعه، من دول مثل امريكا وبريطانيا ، على وجود موقف معارض بالتالي لمحاربة الارهاب الداعشي في ليبيا، وانهم يحاربونه في شرق الوطن العربي ، ويعملون على دعمه والتمكين له ولاصحابه في هذا الجزء من العالم، وفق اجندة سرية ابليسية لا يستطيع ان يفهم اسرارها ويفك شفرتها الا عبقري بارع في ابطال التعاويذ السحرية الشريرة التي يجيد حبكها خبراء الظلام من جهابذة المخابرات الغربية .

جريمة تستحي منها الابالسة
واعود الى الجريمة البشعة التي تصدرت نشرات اخبار العالم، متمثلة في قتل 21 مواطنا مصريا بريئا، جاءوا الى ليبيا سعيا وراء الرزق، لمجرد انهم ينتمون للملة القبطية ، بدم بارد، وجرأة على استعراض التوحش، والتباهي به، واعلانه بصورة استعراضية للعالم، وهو عمل بربري يؤكد بما لا يقبل مجالا للشك، مدى استفحال الخطر الداعشي في ليبيا، وسيطرته على مناطق كاملة، يبسط عليها نفوذه، بعد ان كان وجوده يقتصر على جزء من مدينة درنة ، محتميا هناك باحراج وادغال وكهوف الجبل الاخضر، فقد تمدد في الاشهر الاخيرة وانتشر، ووصل الى العاصمة طرابلس، يستعرض فيها طوابير عناصره الملثمة ، مدججين بالسلاح ،
رافعين الاعلام السوداء، بل ويباشر تنفيذ عملياته في اكثر مناطقها استقطابا للضيوف ، حيث فندق كورونتيا ، الذي يجده الصحفيون والديبلوماسيون، مكانا امانا للاقامة ، فاذا بعناصر التنظيم الداعشي تداهمه، بعملية اجرامية تسفر عن تسع ضحايا يفقدون حياتهم، بينهم اثنان من الانتحاريين الداعشيين.
استهداف المصريين الاقباط ، له سوابق كثيرة، بعضها حصل في بنغازي منذ سنة مضت، حيث تمت مداهمتهم في مقر سكناهم واقتيدوا الى شاطيء البحر لتقص روؤسهم، وكانت اخر عملية قبل هذه العملية ، طبيب يعمل في منطقة قريبة من مدينة سرت ، تمت تصفيته هو وعائلته، لا لشيء الا لانه يخالف الدواعش في اعتناق الدين المسيحي، ثم ياتي اخيرا اختطاف هذا الحشد الكبير من العمال المصريين، واحتجازهم لعدة اسابيع، قبل الاعلان عن قتلهم، في المنطقة الوسطى من ليبيا ، وعاصمة هذا المنطقة سرت، بعد ان صارت واحدة من مراكزهم، استولى فيها التنظيم على ابنية حكومية ومقرات اعلامية ، وصار هو الذي يديرها لصالحه ، بعد ان تراجعت الدولة وغابت مؤسساتها الامنية والعسكرية ، وقد جاء هذا التمدد والانتشار الداعشي ، بسبب اهمال متعمد من المجتمع الدولي لمحاربة هذا التنظيم في ليبيا، رغم انه موجود منذ بضع سنين، وتجرا منذ اشهر على اعلان ولائه للدولة الاسلامية في الموصل بقيادة الخليفة ابوبكر البغدادي، مقدما له البيعة ، بل وتصريح هذا الخليفة الدجال نفسه، بان ليبيا صارت مقرا لتنظيمه يعين فيها الولاة والوكلاء، بل ويرى فيها الموئل لتنظيمه في المستقبل والدولة التي ستخضع بكاملها لسيطرته .
وارى هذا التقاعس وهذا الاهمال، كما يراه كثيرون غيري، لغزا يحتاج الى تفسير ويبحث عن مبرر، وراءه اجندات سرية لم تفصح عنها هذه القوى الدولية التي تحارب التطرف والارهاب الديني في كل بقاع العالم، واغمضت عينيها عن وجوده في ليبيا، وهي تراه يرتكب الفظائع، وينتشر ويتمدد وينمو دون رادع ولا قوة محلية قادرة على ايقافه عند حده، تاركة اياه لسلطة محلية ليبية، لا حول لها ولا قوة، تعاني اعباء فترة انتقالية مليئة بالمشاكل والفوضى والارتباك، تعوزها الامكانيات والموارد، وتدخل في صراع مع تيارات سياسية ذات مدد ودعم خارجي، مع نواة جيش، يحاول ان يؤسس نفسه، على انقاض ما تبقى بقايا الجيش الوطني، لا زال يعاني من اثار الحرب االمدمرة التي دارت بين نظام الطاغية ، والثوار المدعومين بدعم جوي من قوات الناتو، وفوق هذا وذاك فهو ما زال يخضع لحظر على التسليح ، لم يرفعه مجلس الامن رغم تبدل الاحوال والظروف، ويتلقى في نفس الوقت الطعنات والضربات من جماعات مسلحة مدعومة من بلدان مثل قطر وتركيا والسودان التي تناصر تيار الخلافة الاسلامية المزعومة.
وفي حين كان التحالف الدولي يطارد التنظيمات الارهابية الداعشية، في مناطق الشرق العربي، ويقدم الدع لمحاربة هذه التنظيمات في بعض مناطق المغرب العربي، وبلدان افريقية اخرى مثل مالي ونيجيريا، فانه يهمل مثل هذا الارهاب في ليبيا، رغم انها اكثر احتياجا
للدعم من غيرها، حتى تحولت الارض الليبية الى ارض جاذبة للدواعش نظرا لسهولة اختراقها، والتسلل من حدودها التي لا وجود لجيش يحرسها، فتكاثرت فيها العناصر الارهابية التي لا تنتمي لليبيا، وانما هي عناصر من شتى اصقاع الارض، ومختلف جنسيات العالم، بعضهم هربوا من تونس ومن الجزائر ومن مالي ونيجيريا،بعد ارتكابهم جرائم هناك، بحثا عن ملجأ آمن تقدمه لهم ليبيا، وهناك شهود عيان، فروا هاربين من مداهمة التنظيم الارهابي الداعشي لحقل نفطي هو حقل المبروك، قالوا ان ستين سيارة صحراوية حاصرت المكان واستولت عليه كلها تحمل عناصر من غير الليبيين، وقد اعطى هذا الاهمال الدولي لليبيا، وتسلميها لهذا الخليط من سقاطة الشعوب، من اهل التوحش والارهاب، انطباعا لدى المراقبين للشأن الليبي، بان هناك اجندة سرية ، لدى قيادة التحالف العالمي ضد الارهاب، وهي الولايات المتحدة الامريكية، تقضي بان تبقى ليبيا ورقة للمساومة، واستخدامها ربما في صفقة مع الاسلام السياسي، وربما مع اهل التطرف انفسهم ، بان تتركها لهم، ينعمون بثرواتها ، وبراحات ارضها التي تعادل مساحة قارة من قارات العالم ، شرط ان تكتفي بها ، وتكف أذاها عن امريكا والغرب ، وهي سياسة تعادل في اجرامها اجرام داعش نفسها ، ان لم يكن يفوقه بشاعة ، لانه اجرام دولة هي الاكبر والاقوى في العالم ، ولكن المعروف ان الشر كان دائما قرينا بالامبراطوريات الكبرى في العالم، التي تعميها القوة، وتعميها المصلحة، عن تمييز الخير من الشر.

بوكا الميت وبوكا الحي
عرفه الشعب الليبي مقاتلا في صفوف الثوار، وانبهروا بادائه وتصريحاته، في الاشهر الثمانية الاولى، من الحرب الشعبية التي خاضها الشعب الليبي ضد نظام القذافي وكتائبه، لحظة ان هبوا في مظارهرات سلمية، يطالبون باسقاط النظام، اسوة بما حدث في تونس ومصر، فقابل الطاغية مظاهراتهم بامطار الرصاص، وامر القناصة بالصعود فوق العمارات لمنع حشود الناس من الوصول الى الميادين، فكان الرد هو ان تنادى الثوريون لخوض المعركة المسلحة، وبين الذين لبوا النداء شاب في مقتبل العمر اسمه بوكا، يعمل في حفرة معدة لتغيير زيوت السيارات، باحدى الورش ، وتسمى هذه الحفرة باللهجة الشعبية الليبية”بوكا”، التي صارت اسما لهذا الشاب، ونسوا اسمه الذي ولد به محمد العريبي، بسبب وجوده طوال مدة العمل في هذه الحفرة، والتحق هذا الشاب بجبهات القتال، وتلقى تدريبا، وتاهل ليحمل السلاح ويخوض
المعركة، وظهر في الاعلام، ففاز بشعبية كبيرة باعتباره نبتة من نبتات الارض الليبية، تصرف بتلقائية وعفوية ، وانخرط في هذه الحرب ضد الطاغية بسبب احساسه بالظلم والحرمان، كما كان يحس به اي مواطن بسيط، دون تلوينات سياسية ولا استجابة لهوى ايديولوجي، لانه رجل بسيط، لم ينل تعليما، ولا قدرة له على تكوين وعي خارج الشعور الفطري، الذي كان كافيا لان يدفع به كي يذهب مع الذاهبين الى المعركة ، مستعدا لبذل روحه، والتضحية بحياته في ارض المعركة ضد النظام، الذي راي فيه تجسيدا لما كان يعانيه من ظلم وعوز وحرمان، وفعلا سقط رفاق له شهداء في ميدان المعركة ضد الطغيان، وكتبت له النجاة، ليصبح احد رموز الثورة ، واحد المعبرين عن مدى عمق تواصلها مع الطبقات المسحوقة في المجتمع.
ما حدث بعد ذلك صنع، مأساة لبوكا ومأساة لوطنه ليبيا، اذ انه بدلا من ان يعود الى ورشته، كما كان قبل المعركة، مواطنا محبوبا، محاطا بالتقدير والتوقير لدوره البارز في المعركة، مستقطبا الزبائن لورشته بسبب السمعة التي نالها ، مستفيدا من مردود هذه السمعة، مالا حلالا زلالا، عمل العكس من ذلك، استجاب لنداء لوردات الحرب، ورؤساء الميليشيات، ليستمر في العمل ثائرا يحمل السلاح، ولكنه هذه المرة لا يثور لصالح الوطن ويعمل لتحريره، ولكنه يستمر ثائرا لصالح الدور الجديد كعضو في ميليشيات التسلط والنهب والجريمة، واغتصاب الحكم من الحراك الشرعي ، وفرض واقع جديد غير واقع الانتخابات، وحصاد صندوق الاقتراع، ولكنه واقع الحكم بقوة الميليشيات والسلاح، واصبح بوكا واحدا من القادة المساعدين لاحد لوردات الحرب، يقود احدى الميليشيات المنتسبة الى التطرف الاسلامي، وصدق فعلا انه قد صار حاكما الى حد انه قاد احدى ميليشياته لمحاصرة المؤتمر الوطني العام في طرابلس، قادما من بنغازي، ولعله استطاع في احدى المرات الاستيلاء على منطقة تضم فرعا لواحد من البنوك، استولى على امواله، وصار بوكا الخارج من حفرة الزيوت الفاسدة في ورشة السيارات، يتبوأ مركزا في هرم السلطة الميليشياوية، كما صار صاحب عدد من ملايين الدولارات، الا ان شظية دخلت راسه في احدى المواجهات، اودت بحياته، مات\ بوكا تاركا الملايين التي سطى عليها، والمكانة التي تبوأها بقوة السلاح في التراتبية الميليشاوية المتسلطة على المشهد الليبي، واقام له الاسلام السياسي جنازة واسموا باسمه شارعا في طرابلس، ولكن بوكات مثله مازالوا يواصلون التحكم في مسار الحياة السياسية الليبية الراهنة ، ومازالوا يصنعون التازم ويكرسون الواقع المأساوي، ويعيثون فسادا في البلاد سطوا وخطفا وقتلا، وهم بالتاكيد وراء اغتيال كل مبادرة للسلام وكل احباط للمحاولات الاقليمية والعربية والمحلية التي تسعى لتأمين حد ادنى من الاستقرار، وربما كانت ابشع واقبح ما صنعوه هو الحالة التي اشاعوها في البلاد الى حد ان راينا ان اهل السياسة انفسهم ، الذين تم اختيارهم عبر صناديق الاقتراع، سواء في المؤتمر الوطني العام الماضي، او في بعض المجالس البلدية المنتخبة، او في لجنة الستين المكلفة بصياغة الدستور ، وايضا في مجلس النواب الجديد المتقادم، الذي اعطى لنفسه رخصة حياة جديدة بعد انتهاء ولايته اقتداء بسلفه المؤتمر الوطني، يدخلون في مبارايات ومنافسات مع هؤلاء الميليشياويين، تربحا وتسلطا ونهبا للمال العام ، وافسادا للحياة السياسية ، وتعطيلا للمسار السلمي الذي يتيح الاستقرار ويمهد الطريق لبناء المؤسسات الدستورية الثابتة والدائمة.
نعم لقد مات بوكا الذي اعجب به الليبيون واختطفته غيلان التوحش والاستغلال والحرب الدامية ضد الشعب
ومات نموذج بوكا الثائر المحارب من اجل الوطن والكرامة الانسانية
وبقى بوكا الاخر، بقى حيا ، يتناسل في الاخرين ، وينتشر فوق الارض الليبية، ويسيطر على مشرقها ومغربها وشمالها، وجنوبها
ويلوث بدخان اسلحته سماء واجواء البلاد
وينشر رائحة زنخة كريهة في ليبيا ارض الزهر والحنة وترابها الذي ينتمي الى تراب الجنة، كما تقول الاغنية الشهيرة، ويحيلون جنائنها الى جحيم
فاحذروا ايها الليبيون
لكي لا تصابوا جميعا بمرض اسمه بوكا، ولكي لا يدخل في دمائكم فيروس اسمه بوكا، وتذهب بلادكم ضحية مرض خطير يسرى سريان الامراض المعدية اسمه بوكا
رحم الله بوكا الثائر النقي
ولعن الله بوكا المسعور الذي صار عنوانا للتلوث والفساد والاجرام

لا تعليقات

اترك رد