حق الشرعية في ممارسة العمل السياسي


 

إن التنمية تهدف إلى تغيير شامل لجميع مكونات المجتمع المادية والثقافية وبناءاً على ما تقدم وعند التصدي لتحديد مفهوم التنمية فإننا نجد، اتفاقاً بين الباحثين على إن التنمية هي عملية حضارية مدروسة ومخططة تهدف إلى إيجاد تحولات كبيرة، في القطاع الاقتصادي – الزراعي – الصناعي – الاجتماعي- والخدمي، وكذلك في الإطار السياسي، وبعبارة أخرى إن التنميةتهدف إلى نقل المجتمع من حالة التخلف إلى حالة التقدم في جميع مجالاتالحياة وتحقيق العيش السعيد للمواطنين، وتطوير الإنسان، وإنقاذه منحالة التخلف إلى حالة يمكن إن يساهم في عمليات البناء الشامل للمجتمع
وهذا الأمر بحاجة إلى وجود بلد مستقل ومحقق للوحدة الوطنية، وخالي من موضوع المشاكل العرقية والهويات الفرعية، ومتمتعة بقدر كافي من الاستقرار السياسي، إذ لا وجود للتنمية في ظل مجتمع تعاني وحدتهُ الوطنية من المشاكل وكثرة الانقلابات العسكرية التي يقوم بها أبناء الشعب ضد النظام القائم، وفي مقابل ذلك ما يقوم به النظام ضد أبناء الشعب في فرض القوانين الخاصة بمنع التجول وتشكيل المحاكم العسكرية والتغييرات الوزاريةالمستمرة وتطبيق الأحكام العرفية، وذلك من أجل السيطرة على أعمال العنفالتي تصدر من تلقاء ذلك، فالتنمية في الجانب السياسي في البلدان النامية،حيث تواجه معضلات ولاسيما ظاهرة عدم الاستقرار السياسي
وهذا ما يؤدي إلى تسخير كل الطاقات والجهود من أجل تثبيت أركان النظام القائم، وتدعيم حالة الاستقرار السياسي فيها لذلك فإن هذه البلدان، لم يكتبلها أن تعرف التنمية بالرغم من إنها غنية وتمتلك ثروات هائلة، حيث نلاحظ إنها تأتي في مراكز متدنية بالنسبة إلى دول العالم. فالأنظمة السياسية التي تتمتع بنوع كاف من الاستقرار السياسي، هي تلك الأنظمة التي تمكنت منبناء آليات ومؤسسات تتيح أكبر قدر ممكن من الحراك الاجتماعي وتداول القوة الاقتصادية والسياسية بين أفراد المجتمع، لذلك فإن الديمقراطية التي ينادي بها أي نظام سياسي لا تقاس من خلال عدد الأحزاب التي أجيز لها أنتمارس العمل السياسي، وإنما من خلال التداول السلمي والفعلي للسلطةبين الجميع، وعبر الطبقات الاجتماعية المختلفة، مما يترتب على ذلك من آثارعلى المستوى الواقعي بحيث تتاح المشاركة الشعبية، وتكافؤ الفرص لكافةإفراد المجتمع دون تمييز
تحتاج ممارسة الحرية السياسية بالإضافة إلي الضوابط المنهجية والأخلاقية أعلاه , إلي ضوابط إجرائية, يتم التوافق عليها بين الدولة و المجتمع من خلال الجهاز التشريعي حتى لا تتحول ممارسة الحرية إلىنوع من الفوضى, ولكن الضوابط الإجرائية يجب أن لا تعود على أصل الحرية السياسية بالبطلان, لان الوسائل لا يجوز أن تعود على المقاصد بالتعطيل, بل يجب أن تكون خادمة لها, فالإجراءات وسائل مكملة والحرية مقصد من المقاصد العامة في السياسية الشرعية
الانحراف السياسي يعني خروج رجل السياسة عن المبادئ التي ترعى هذه المهنة أو الرسالة، إذ أنّ العمل السياسي هو رسالة، وكلّ خروج عن روحية و أهداف هذا العمل يعتبر انحرافاً سياسياً يستوجب العمل على تصحيحه من قبل المعنيين إن وُجدوا، وإلاّ فينبغي الشروع بإيجادهم نظراً لحتميّة و أهميّة أعمالهم في المجتمعات والدول داخل السلطة وخارجها.
أصبح الانحراف السياسي اليوم ظاهرة شائعة في كل دولة ومجتمع،كأنّهالأساس. فالعادات والتقاليد والأعراف تكاد تكون الطاغية لدى الحكام و المعارضين معاً، أمّا القيم فهي من التمنيّات والمثاليات “الهيولية” غيرالقابلة للتجسيد عمليا. إنّ أولوية المصلحة الفردية على النفع العام،و الاستئثار بالسلطة وما يتبعه من تزوير للواقع وتشويه لسمعة الأشخاص المناوئين، وكل مخالفة للمبادئ السياسية، تعتبر من الانحراف السياسي، أيأنّها مخالفة لمبادئ العمل السياسي. وذلك ما يحصل عن قصد أو عن غير قصد لدى غالبية المسئولين والحكّام والجماعات الضاغطة أيضاً في معظم الدول، وهو ما يسبّب إحراجاً للسياسة ومراميها.
وقد صار لزاماً على كلّ عاقلٍ حماية العمل السياسي من الانحراف المؤدّي حتما إلى تفاقم الحروب والأزمات التي بدورها قد تساهم ربما بضياع وفناء البشرية. فالطبيعة والأرض بكاملها أصبحت اليوم، أكثر مما في الماضي،خاضعة لإرادة البشر الذين يحتاجون إلى تطبيق العمل السياسي القويم الذي ينقذ الجميع، إذ يصحّ القول إنّ”الطبيعة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى،تبدو كامتداد عضوي لجسد الإنسان، اليابسة والمحيطات والغلاف الذي يحيط بهذا الكوكب، كلها وحدة واحدة رغم أن العالم لا يزال ينقسم إلىمجموعة دول ومجتمعات، ونحن جميعاً نعتمد على محيط حيوي واحد للإبقاء على حياتنا، ولو أن كلّ بلد يكافح من أجل البقاء والرفاه من دون اعتبار لأثر ذلك على الآخرين”.
فالحكومات تخضع لضرورة تنظيم وتقنين العلاقة مع الطبيعة والبيئة، وتدركبصورة متزايدة أهمية التنسيق للحفاظ على هذا المدى الحيوي للحضارة و الإنسان إزاء الواقع الحالي للعمل السياسي، أي الانحراف السياسي الذي لا ينبئ بمستقبل أفضل للبشرية إذ ما استمر على هذا المنوال. هناك بعض الآراء تدعو إلى نبذ العنف كليا, وحتى لو أتى بصورة رسمية , ولغاية معاقبة المجرمين حيث دعا هؤلاء إلى إلغاء عقوبة الإعدام والاقتصار على عقوبة الحبس . هناك سبل عديدة لمواجهة العنف السياسي ومكافحة آثاره , والتقليل من أضراره , منها تبني تداول السلطة بشكل سلمي , بعيدا عنوسائل العنف والإكراه , وإجراء انتخابات دورية , يشارك فيها الشعب , ويؤخذ بنتائجها , واعتماد مبادئ الشفافية والعدالة والنزاهة .
ولعل منها تبادل المعلومات والتعاون المشترك بين أجهزة الدولة المختلفة, وكذلك من المفترض أن تعمل أجهزة الإعلام على صياغة أهداف القوى التي تستخدم العنف السياسي بشكل لا يكفل لهم مكاسب دعائية , ولا يمنحهم تعاطف الجمهور. ومن هنا , يبدو دور الإعلام السياسي الذي يستهدف من خلال ما يقدمه من أخبار وموضوعات وصور وتعليقات وتحليلات خلق المناخ الذي يهيئ مساندة الرأي العام لتوجهات العمل السياسي عبر تزويدالجماهير بالمعلومات والقرارات السياسية التي تساعد على تكوين رأي عام موحد يدعم من توجهات النظام السياسي في هذا المجال, والارتفاع بمستوى الوعي العام كوسيلة لتنمية روح الجماهير وحشد طاقاتها للوصول إلىتنمية المجتمع والارتقاء به .
إن القوة ليست غاية في ذاتها , إنما وسيلة لتحقيق غاية سياسية , لذلك كانلا بد من وضع ضوابط لممارسة القوة والإكراه , وهذه الضوابط يعبر عنها بالقانون , أي “مجموع القواعد الحقوقية التي تضعها السياسة من أجل استعمال القوة في خدمة هدف السياسة بشكل أكثر فاعلية , وبدون القانون تصبح القوة غاية بذاتها وتتناقض مع غاية السياسة , وبدون القوة يصبح القانون مجرد قواعد ل قيمة لها عمليا فالقوة والقانون ليسا سوى وسيلتين , لا معنى لهما بذاتهما , وإنما بالهدف الذي يطمح الإنسان إلى تحقيقه , عبرالتنظيم السياسي” .
إن القوة لا تمارس فقط من خلال التأثير في المسائل والقرارات السياسية , وإنما حاول أولو القوة إن يخلقوا من القيم الاجتماعية والسياسية , ومن الممارسات التنظيمية , ما يحيل العملية السياسية إلى الاهتمام فقط بالمسائل التي يرغبون في إثارتها , واتخاذ القرارات بشأنها . وهناك من الباحثين منيشدّد على الجانب الثقافي في إيجاد الحلول لمشكلة العنف المسلح , إذ يقولفي هذا الصدد : “إن الثقافة التي يحتاج إليها الإنسان اليوم وفي المستقب لالقريب والبعيد هي ثقافة الكشف عن مقاصد أيديولوجيا العنف بدءا , ثمالسعي إلى تجاوز وقائعها وأحكامها , فهذا الكابوس الذي استبد بحياتنا الراهنة يستدعي تفكيكا خاصا يعود إلى الأسباب الأولى عند توصيف الظاهرة , إذ العنف في مختلف الوضعيات , هو حادث لسالف , وهو الحادث الذي لا يمكن أن ينتج سوى حادث آخر , كالعنف المضاد” .
ووفقا لروستو Rustow تنشأ الديمقراطية عندما تقبل النخبة , إما بالتدرج أوعند مفترق تاريخي , مبدأ التعددية السياسية , وما يهم في هذه المرحلة وهوليس قناعات النخبة بل أفعالها , ويكتسب الخيار ألأداتي الذي تم قبوله قيمةأو يحول إلى قناعة في مرحلة التعود أو الترويض إضافة إلى ذلك فأن الإقراربمبدأ التعددية السياسية لا يعني وحده بأن الديمقراطية قد تحققت،فالديمقراطية تعني قبل كل شيء منع احتكار السلطة والثروة من قبل فريقواحد أو طائفة اجتماعية معينة، وبناءا عليه ولكي تحقق التنمية أهدافها المذكورة، بشكل عام، وهدفها المتعلق بتعزيز فرص التلاحم الوطني، بينأعضاء الجماعة الوطنية، بشكل خاص، وبالذات الجماعات الوطنية المتشرذمة أو التي تتكون من جماعات عدة، فأن الضرورة تقتضي أن تكون هذه التنمية متوازنة في مضامينها وإبعادها وأهدافها

لا تعليقات

اترك رد