صوت الفجر

 
الصدى - صوت الفجر
لوحة للفنان نمير نبعة

تسلل النوم من عيني سميرة… كانت تحلم وقد ضايقها ديك جارتها أم الهاني… صوت الديك قبيح يشبه صاحبته. متحشرج ومعقوف كأنفها… كسعال محتضر.. لا يتميز عنها سوى بالريش… عبثا حاولت سميرة أن تعود لنومها… لم تستطع… فكرت أنه ليس من العدل أن تحرم حتى من نعمة الغياب. وكان هذا الديك يصر على الإيذان بفجر كاذب…
تكورت فوق الحصير. أحكمت إغلاق عينيها.. تكورت أكثر.. حضنت رجليها بيديها المتخشبتين… بدأ الدم يغلي في عروقها رغم أطرافها المتجمدة وخواء معدتها…. من شقوق الباب يدخل الهواء البارد متلويا كأفعى برؤوس سبعة.. كأفعى بأنياب ومخالب.. نقاط الضوء الهاربة من مصابيح البلدية الهزيلة تحاول أن ترسم على الجدران الشهباء ظلالا… والغرفة هادئة…

كان من الممكن أن تتمتع سميرة بالنوم والنسيان لولا ذالك الصياح الذي خرق أذنيها معلنا عن لا شيء.. وكان حلما لذيذا ذاك الذي قطعه ديك أم الهاني… كانت تحلم أنها تأكل لحما.. لحما حقيقيا… سميرة لم تكن بخيلة على نفسها في الأحلام. فكثيرا ما تحلم أنها ترتدي أفخر اللباس. ولا تأكل في الأحلام سوى اللحم. ولا تعطي نفسها غير دور البطولة.. وكانت ستشبع في الحلم لولا صوت الديك المتحشرج المعقوف كأنف صاحبته..

منذ العيد الماضي لم تذق سميرة لحما ولا مرق لحم.. في ذلك اليوم أعطتها أم الهاني قصعة مليئة بالكسكسي تتوسطه لحمة كبيرة.. لحمة حقيقية.. يومها نسيها الجميع.. وحتى هي نسيت نفسها فلم تخرج للشارع كعادتها.. كل انشغل بنفسه. وأم الهاني فقط هي من تذكرها.. وفي هذه الليلة التي لم يغب فيها القمر كان حلمها لذيذا.. تتوسطه لحمة ضخمة بحجم الفيل.. لولا صياح الديك…

تعرف أم الهاني جيدا. تعرفها وتعرف أنها تصبح في بعض الأحيان رقيقة وناعمة كثوب داخلي شفاف.. رأت سميرة أثواب نسائية جميلة تتدلى من حبال الغسيل لكنها لم تفكر يوما في سرقتها… فسميرة لم ترتدي في حياتها ثوبا داخليا…

تعرف أم الهاني جيدا. تعرفها وتعرف أنها تصبح في بعض الأحيان فظة عنيفة وبغيضة إلى أقصى حد.. كأسلاك معدنية شائكة وصدئة.. كتلك التي غاصت في يديها وأدمتهما يوم حاولت التسلل إلى داخل البيت المهجور المغلق بالقوة العامة.. يومها حاولت سميرة معرفة ما بداخل البيت الكبير من باب الفضول لا غير. لكن الأسلاك التي غاصت مليا في يديها ووجهها حالت دون إرواء ظمأها للمعرفة…

وتعرف سميرة أيضا أن أم الهاني بعد أن ترملت بأحد عشر شهرا أخفت مولودها الذي تحول إلى كتلة من اللحم الفاسد في كيس القمامة ووضعته في الظلام تحت جدار الخربة المقابل لوكالتهم المتهدمة… في تلك الليلة أربعة فقط كانوا على علم بذلك السر. أم الهاني. الله. الشيطان. وسميرة التي تعرف أدق الأسرار دون حاجة للسؤال والتي آلمها أن ترى الكلاب تتخطف الجسد المتعفن المرتخي. وهي التي تجاوزت الخمسين ولم يفكر أحد في منحها طفلا. أو النظر إليها على أنها امرأة… أو حتى اغتصابها… كم كانت سميرة ستفرح لو فكر أحدهم يوما ما باغتصابها. كان ذلك سيعطيها على الأقل إحساسا ولو قاسيا بأنوثتها… تلك الأنوثة التي لا تشبه في شيء ما منحته الطبيعة لبنات جنسها..

الخريف بارد ينثر هوائه المشحون كراهية داخل الغرفة.. وتدمي أعواد الحصير المتهرئ ضلوع سميرة.. تدمي جوعها.. وحدتها.. إحساسها بالبرد.. وصوت الديك القذر يحول أعصابها أو ما تبقى منها إلى كتلة متوهجة من الغضب.. إلى إعصار يعصف بكل الصور التي اختزنتها ذاكرتها.. يحولها إلى سيل يجرف كل الآلام والذكريات البعيدة….

تململت سميرة تحت اللحاف. تكورت كقنفد عجوز. ثم نهضت بعزم.. من يعرف سميرة يمكنه دائما أن يتوقع الأسوأ حين تغضب. أما ما يمكنها فعله لو عقدت العزم على أمر ما فثلاثة فقط يمكنهم أن يدركوا ذلك. الله. الشيطان. وسميرة نفسها…

أركان الغرفة الواقعة في سطح الوكالة متهدمة الجوانب متقاربة. على الجدران المتشققة تحاول الأضواء المتسللة من الخارج رسم شيء ما.. تعبير معين. غير أن بقع الضوء تفشل في البقاء طويلا.. تتوحد مع الظلمة وتموت مشنوقة على ما تبقى من الجير.. من الشباك الصغير الذي نجا بلوره من التكسر بأعجوبة بدت بناءات المدينة الغائصة في وحل الخريف كسفينة توشك على الغرق في ذلك الفجر المتضايق. الفجر الذي يغالب الغثيان بعد ليلة صاخبة…

حبل غسيل يقسم الغرفة إلى نصفين غير متساويين… الحبل يتيم ككل ما في الغرفة… ولم تكن سميرة تملك ثيابا لتعلقها عليه. فيقي متأرجحا بين الريح المتسللة من فتحات الباب وتلك التي تتسرب من السقف المفتوح عند الزاوية على سماء بلا نجوم. بلا غيوم. بلا حياء.. لم تكن سميرة تملك ثيابا لتغسلها وتعلقها ثم تنتظر جفافها لتطويها أو ترتديها… لم تكن تملك شيئا أو تكاد. وما كانت لديها الرغبة حقا لتفعل لو كان لديها ثوب آخر غير فستانها العتيق ومعطفها الداكن المفتوح من عدة جهات. لذلك بقي الحبل اليتيم لا يفعل سوى أن يقسم الغرفة لجزأين غير متساويين…

فتحت سميرة الباب بحذر. أضواء البلدية تقاوم النعاس بضوء منكسر. وللهواء رائحة تجمد الأنفاس.. تقطع الأوصال. والفجر بعيد. بعيد.. أبعد من الغد.. ورغم ذلك لم يتوقف الديك عن الصياح بصوته المتحشرج المعقوف. في الجو رائحة ملوثة بالبول والزبالة المتكوّمة على جدران الوكالة… وكان الديك كاذبا في حدسه. وصفيقا كوجه المدينة..

من الخف البلاستيكي الأزرق المتهرئ تخرج أصابع أقدام سميرة كالإخطبوط.. كان خفا مسروقا… سميرة تختار بعناية الأشياء التي تسرقها. وتعمل على أساس قاعدتين لا تحيد عنهما أبدا. أن تسرق ما تحتاجه حقا. وأن تسرق ما يليق بها. لو سرقت حذاءا جديدا أو خفا جميلا لاشتبه في أمرها. لتتبعتها نظرات الجيران. ولتساءلوا همسا وعلانية عن مصدره. وقد يشي بها أحدهم. ويقبضون عليها. وهنالك شيئان تخافهما سميرة ولا تخاف سواهما. أن تنتفي أكوام الزبالة من المدينة. وأن يلقى بها إلى السجن. أما الله أو الشيطان أو المرض أو الآخرين فتلك مسائل ثانوية وليس لدى سميرة ما يكفي من الوقت كي تفكر فيها.

خف سميرة البلاستكي الأزرق الذي وهت أسلاكه وسقطت زهرته الحمراء الاصطناعية لا يصدر صوتا عند المشي… وكان الديك واقفا على حافة السطح مغمضا عينيه. فاردا جناحيه محتضنا الكون الرحيب. يلقي تحيته على من يمكنه الاستمتاع بشدوه المبكر.. مسترسلا في الزعق بأقصى ما يسمح به صوته المتحشرج المعقوف كأنف صاحبته..

مع كل خطوة في اتجاه الديك يتضاعف غضب سميرة. غضب عميق هي نفسها تجهل أسبابه. لكنه غضب يأتي من أعمق نقطة في ذاتها. يشبه الطوفان. يجمع في طريقه كل آلامها. يضغط على قرحة قلبها بكل عنفه. طوفان من القيح والتاريخ المشبع بالليالي السوداء يكاد يخرج من عينيها…

لم ينتبه الديك إلى وجودها. كان مستغرقا في مناجاته الطويلة. معلنا فجرا غير واثق من مجيئه. غير عابئ بالسواد المحيط به. ظل الديك مغمض العينين ومن منقاره الصلب المعقوف كأنف صاحبته ظلت تخرج صيحته الدائمة مبشرة بفجر كاذب… سرت في جسم سميرة الذي لا يشبه أي جسم آخر رعشة جعلت داخلها ينتفض بشدة. وتضاعف حقدها لسبب لا تدركه. أصبح الكون لديها، كل الحاضر والماضي وما سيجيء من أيام وكل الآخرين مشخصا في ديك لم تمنح الطبيعة ريشه من الألوان غير الرمادي.

تقدمت بخفة قط غير أن الديك حين اقتربت أكثر أحس بوجودها. فتح عينيه. قلص جناحيه. وصمت عن الصياح محاولا استيعاب الوقف. نظر أحدهما في عين الآخر برهة… في سماء المدينة المثقل بالنعاس بعض المصابيح ترسلا عبثا أسلاكا من نور باهت مخنوق… تقدمت سميرة بالخطوة الأخيرة. انتفض الديك. كاد يفقد توازنه. رفرف بجناحيه الثقيلين وسقط أرضا. ولم يصدر عنه أي صوت. خانته حنجرته هذه المرة.

تقدمت سميرة أكثر. تألق في عينيها وميض بارد وخاطف… من يعرف سميرة ويرى التعبير الذي اكتسبته عيناها لا بد أن يصاب بالرعب ويتراجع مذعورا. في عينيها موت محقق. شيء يشبه خاتمة الأشياء. يشبه عنف الاحتضار. أو شهوة الثور لطعن القماش في حلبة تغص بالمبتهجين بكل النصال التي تتدلى من ظهره الدامي…

مدت سميرة يديها… أصابعها شاحبة وطويلة كأغصان النباتات المتسلقة… مدت يديها كمن يريد أن يقبض على عنق السماء. كمن يقبض على عنق المدينة والكون وكل الموجودات… الديك ينتفض في الزاوية. صامتا. خانه صوته وفضحه الضوء المرتعش… كان لا بد من المواجهة. وكان يعلم مسبقا أن خاتمته توشك كل لحظة على مد لسانها المشقوق في وجهه. وتقهقه عاليا..

خيوط الضوء تربت برفق على ريش الديك… تعطيه لونا مشرقا رغم الظلام المثقوب برصاص الضوء… ولدى سميرة رغبة كبيرة ملحة في الانتهاء من كل شيء دفعة واحدة… وكان الديك مستعدا رغم جبن صوته على المواجهة. إلى آخر ريشة وآخر رمق.

غير أن لا شيء يثني سميرة عن عزمها… لا شيء بالفعل… من يعرف سميرة حقا يعرف أن لا سبيل لرجوعها عن شيء عزمت عليها…

ووحدهما يعلمان تماما عزم سميرة. الله والشيطان. ولم تكن سميرة لتهتم بهما يوما… مخالبه القوية وهي تمزق يديها المتخشبتين لم تزدها سوى إصرارا… شيء غامض يمتد على طول مشاعرها وفكرها يقطر كآبة لزجة ورغبة في الانتهاء من كل شيء… من صوته البذيء… من وجه أم الهاني المشقق والمعفر بحصى الأيام… من غرفتها واطئة السقف… من الكلاب التي تنكش قمامة أيامها… ومن سميرة في حد ذاتها… من المدينة المخنوقة… ومن الجميع… رغبة عارمة في إسدال الستارة على كل شيء… شيء واحد غامض استحوذ على كل مشاعرها جعلها لا تفكر سوى في الإمساك به من رقبته…

تناثر ريشه على السطح المليء بالكراكيب وكل ما يفيض عن الحاجة. وكاد بمنقاره الصلب أن يفقأ إحدى عينيها. لكن لا شيء كان باستطاعته أن يقف في وجه سميرة حين تعزم على أمر ما… تراقصا على السطح زمنا… لكنها كانت الأقوى. أحكمت قبضتها على عنقه الهزيلة. فازداد هياجه وتضاعف تخبطه. وظل زمنا يضرب وجهها بجناحيه القصيرتين. ويخدش بأظافره يديها وساعديها. لكنها لم تستسلم… تحدت ألمها وألمه. وضغطت أكثر على الحنجرة الصدئة.

خارت قوى الديك. غير أن سميرة استمرت في الضغط أكثر فأكثر… وتحت أصابعها المتيبسة تفتت الحنجرة الواهية. تسللت من بين أصابع سميرة المحكمة حشرجة نحيلة… ثم مات الصوت للأبد… انتهت أغنية الديك ككل الأشياء التي لا بد لها من أن تنتهي… غير أن حفلة سميرة كانت قد بدأت للتو…

جسمه الحار المرتخي بين يديها يزيد من حدة غضبها… أحست أن ما بين يديها ذلك الجسم المرتخي المتدلي بانكسار والذي تفوح منه رائحة عفنة هو كل الآخرين… كل العالم هنا يتدلى من بين أصابعها الدامية… كل الحاضر والماضي والآتي… كل الأشياء البغيضة وحتى الجميلة تتدلى فاقدة للحياة… كل المدينة معلقة برقبتها بين أصابع سميرة الخشنة الدامية…

نظرت إليه مليا. أمسكته من ساقيه فتدلت رأسه مفتوحة العينين كجرح قديم. منقاره المعقوف مفتوح كنصف ابتسامة. وعرفه مرتخي… نظرت إليه مليا. ثم ضربت الرأس على الجدار. ضربته مرة أولى. ثم ثانية فثالثة ورابعة وخامسة. ضاعفت الضرب. وفي المدينة التي تتململ في سريرها بقايا صخب وبقع حمراء وهواء بارد يجوس في الأزقة المظلمة… وعندما اختلط مخه بالطحالب النابتة على السطح. وسال الدم على أصابعها المتسللة من الخف. عندها فقط أحست سميرة بالارتياح…

دخلت غرفتها. رمته أرضا قرب الباب. ثم أخذت الحصير فأخرجته. وضعته أمام الغرفة ثم عادت إلى الداخل. أطرافها دامية وحول جراحها بدأ الدم يتوقف عن النزيف. أخذت الديك بين يديها. أمسكته من جناحيه ورمته خارجا على الحصير المتهرئ. نزعت الحبل من مكانه. ولما لم يكن في الغرفة شيء آخر خرجت مجددا. سوت وضع الحصير ورمت الحبل في المنتصف. وفوقه وضعت الديك برفق هذه المرة. بحثت مليا في جيوب المعطف الذي سقطت آخر أزراره في المعركة. أخرجت علبة ثقاب وبقايا سيجارة. تربعت أرضا أمام الحصير… بعض الضوء بدأ يتسرب من السماء التي فقدت وجهها في مكان ما… بعض الخطوات في الشارع أخذت توقع بدأ يوم جديد. يشبه غيره إلى حد بعيد…

أشعلت سميرة عود ثقاب. تأملته بعض الوقت. ثم رمته على الحصير قبل أن ينطفئ… أشعلت عود ثقاب آخر. أحست بفرح حقيقي. فرح ينسل من داخل الذات.. حقيقي وغير مفتعل. ملأها الضوء المنبعث من العود الهزيل بفرح لم تعتده… تأملته جيدا وأشعلت بقايا سيجارتها. غاب خيط رقيق من الدخان في البرد الصباحي. وبدأ الحصير في اشتعاله الحقيقي. استهوتها اللعبة. فأشعلت عودا ورمته على الديك. ثم عودا آخر. وآخر… أتت على كل ما في العلبة من عيدان كبريت. أخذت نفسا عميقة من سيجارتها. وتأملت الحصيرة التي تأكل ألسنة النار أطرافها. نفثت من فمها الدخان وهي تتأمل ما حولها وكأنها تراه لأول مرة…

أعجبتها لعبة النار فنزعت معطفها ورمته لألسنة اللهب… كتمت ضحكتها كطفل يطل من ثقب الباب على امرأة قبيحة عارية… سرت في الجو رائحة الحريق والريش الملتهب… انتهت سميرة من سيجارتها. رمت العقب في قلب النار. ونزعت فستانها المتهرئ. رمته للنار… ورغم البرد صفيق الوجه لم ترتعش. تصاعد اللهب الراقص… احترق الديك… مدت سميرة يدها عبر اللهب المتصاعد. أمسكت الديك أو ما تبقى منه. غرزت أظافرها في لحمه المسود. ومزقته بأسنانها. ولأول مرة منذ أن ولدت أحست سميرة بالدفء.. رغم أنها لم تكن ترتدي سوى الخف البلاستيكي الأزرق الذي سقطت زهرته الصناعية الحمراء… ولم تسمع في تلك اللحظة سوى سعادة شفتيها وهي تنزلق بوحشية على لحم الديك المتفحم… ولم تنتبه لأقدام أم الهاني على السطح.

من بقايا الحصير انتشر في الأفق لهب أصفر موحل بدأ يخبو تدريجيا. كادت سميرة تحس بالشبع… لولا صوت أم الهاني المتحشرج المعقوف الذي يشبه ديكها… أكملت أكلها كمن يوقن أنها اللقمة الأخيرة. وكادت تتجشأ لولا كف أم الهاني الغليظة التي أطبقت على رقبتها فمنعت الهواء عن رئتيها… سقطت من يدها بقايا الديك وأحشائه… بينما بقيت اليد الأخرى متشبثة بآخر لقمة…

لم تفزع سميرة ولم تندهش.. ومن يعرف سميرة يعرف أن أشياء قليلة ونادرة الوقوع يمكن أن تثير دهشتها… أحست كمن يستفيق من حلم لذيذ. ولم يكن لديها وقت كاف للتفكير في المقاومة… كانت عارية تماما إلا من خف أزرق متهرئ… لم تمهلها أم الهاني كي تستعيد أنفاسها… أم الهاني التي يمكنها في لحظات أن تصير ناعمة ومدهشة كثوب داخلي ناعم.. يمكنها في لحظات أخرى أن تتحول إلى كتلة من موت ومن صديد… سميرة لم تكن في الواقع مهتمة… في تلك اللحظة كان مذاق اللحم في فمها يثير لديها مشاعر دافئة… مشاعر لم تألفها..

بدأ سيل من الضرب والشتائم. وامتلأ السطح بالمتفرجين. لم يكن الأطفال ولا الرجال أو النساء محتاجون ليطلوا من الثقب على امرأة قبيحة عارية كي يضحكوا. كان عريها أمامهم من دون مقدمات. عريا قبيحا. داميا. عريا حقيقيا يتجاوز عري الجسد…

مزقت شعرها المجعد… أدمت وجهها بأظافرها… وأشبعتها عضا وركلا… استسلمت سميرة في البداية… استسلمت كمن يريد أن يتعود على وضع جديد… ثم بدأت في المقاومة تحت تصفيق وتصفير الجمهور المهتاج رغم الجوع والبرد الصباحي وآلاف الآلام… رفست سميرة برجليها النحيفتين المقوستين فاهتز كل جسمها… قاومت بصدرها الأعجف وكرشها الضخمة المتدلية… خدشت بأظافرها. وبصقت من خلال أسنانها النخرة التي مازالت نتف من لحم الديك عالقة بها في وجه أم الهاني… امتلأ السطح بالجيران وتحلقوا حول المرأتين.. قالت عجوز من الحاضرين بصوت واهن حرام عليكم.. غير أن أحدا لم ينتبه إليها فصمتت وعادت تتفرج…

استمر العراك طويلا حتى مل الناس وتفرقوا ولم يبق غير الأطفال… ولم تستسلم سميرة رغم عريها وتعبها… بدا لها وجه أم الهاني يختصر أزقة المدينة المتلفعة بعباءة من أكوام القمامة…. شبيها إلى حد بعيد بوجه الديك ذي الصوت المتحشرج… جمعت آخر قواها ودفعتها بعيدا عنها. لكن أم الهاني كانت تمسكها جيدا وسقطتا على بقايا الحصير الملتهب… بعد ذلك لم تعد سميرة تذكر شيئا… ربما كانت تحلم… غير أن الألم كان موجودا فعلا. ورائحة اللحم المحروق تزكم أنفها… ومن يعرف سميرة جيدا يدرك لا محالة أنها تتحكم في الذاكرة. تستطيع أن تسقط في بئر النسيان كل ما لا تود تذكره. وكذلك فعلت مع ما تلا ذلك الفجر من أحداث… ومن يعرف سميرة يدرك أنها تفعل ذلك كي تستطيع البدء من جديد..

المقال السابقشيوّخ المودّرن والقومية العربية
المقال التالىحــكـــومــة أشـــعــال الـوطـــــن
روضة السالمي صحفية من تونس. حازت على الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل لسنة 2009، المركز الأول عن مسرحية "غيمة الأحلام الدائرية". لديها قيد الطبع: مجموعة قصصية "أبعد من اللون" عن دار زينب للنشر والتوزيع و مجموعة قصصية الكترونية "لاشيء في السماء مجموعة مسرحية الكترونية: عصابة جندب ومسرحيات أخرى ل....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد