أيام التوت

 
الصدى- ايام التوت
لوحة للفنانة رشا عكاب

دوما ما يكون ذلك في أواخر أفريل وبدايات شهر ماي.

تلك الأيام التي تتسلّل فيها الشمس حافية من خلف الغيوم، وتسحب ستارة الشتاء الكثيفة لتختلس النظر من شرفتها نحو الحدائق والبساتين. ثم تفتح نافذتها على مصراعيها وتبدأ في تسريح شعرها الأشقر المتموّج المسدل فوق كتف الجبال.

تنتظر لمياء هذه الأيام من كلّ سنة.

منذ أكثر من عشرين عاما، وهي تحافظ على موعدها مع التوت.

لم تفوّت أبدا تلك الأيام..

تبدأ لمياء مراسم التوت السنوية المقدّسة لديها بفتح نافذتها قبيل الفجر لاستقبال نسمات الصباح البكر. تسمح بذلك للنسمات الصباحية الباردة أن تربّت على خدّ أشيائها الصغيرة في غرفتها المتواضعة.

وواقفة أمام المرآة، تفتح لمياء ضفائرها ببطء.. خصلة خصلة.. تمدّ ذراعيها وتبسط أصابعها لتمسك خصل شعرها الطويل وهو ينسدل على أردافها كرداء أسود..

وككلّ سنة منذ أكثر من عشرين عاما تستعدّ الخالة ربح لطقوس التوت.

تحضّر البخور.. وتملأ أركان البيت بالملح وحبّة البركة. وتضع في جهاز التسجيل اسطوانة سورة مريم بصوت المقرئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد. وتمتنع عن غسل الثياب، وطبخ اللحم بكلّ أنواعه. وتترك المصابيح الكهربائية مضاءة ليلا ونهارا. وتمتنع عن استقبال أحد خارج أفراد الأسرة. ولا ينطق لسانها بغير التسبيح لله.

أيام التوت بالنسبة إلى الخالة ربح هي أيام ينطلق فيها الجن من محبسه الذي وضعه فيه الشيخ حسان، لتصول وتجول في البيت عابثة بمحتوياته قبل أن تتملّك جسد لمياء.

أما لمياء فلهذه الأيام نكهة خاصة بالنسبة إليها. ينتظرها جسدها بكل شبق. ذلك الجسد الذي ناهز الأربعين، وبدأت الغضون تحفر أخاديد واعدة على صفحة وجهه، والذي أخذت منحنياته وكثبانه في التآكل. ولكنّها في هذه الأيام، التي تشكّل استثناء سنويا في مدار أيامها – التي يعصف بها الخبل في معظم الأوقات- فإنها تستعيد عنفوانها، وتعيدها إلى تلك الفتاة ذات السبعة عشرة ربيعا التي تفتّحت مثل زهرة على الحبّ والرغبة.

موسم التوت هو كرنفال من المشاعر والأحاسيس.

شلال من الصور والذكريات.

موكب من الهمسات والآهات.

بحار من الحلاوة السائلة على الشفاه.

كان ذلك منذ أكثر من عشرين عاما، عندما استفاقت لمياء بعيد الفجر بقليل، ففتحت نافذتها لتنهل من نسمات الصباح البارد المبلّل بالندى. ولتكون أوّل من يستمع إلى صوت الكون وهو ينفض عن نفسه خدر شتاء بأكمله. لدى فتح النافذة أبصرت لمياء شبحا في الحديقة.

لم يكن شبحا. كان ملاكا.

هكذا خمّنت لمياء في نفسها.

أطلّت من النافذة دون أن تهتمّ بوضع شال على كتفيها. كانت حرارة الشباب في عروقها تمنع عنها الإحساس بالبرد، فبدت بغلالتها الرقيقة وشعرها الأسود المسدل على كتفيها كلوحة رسمها فنان رومانسي، مربّع النافذة إطارها، وتنهل ألوانها من شفق الفجر.

لم يكن الشبح ملاكا. ولا حتى شيطانا.

كان فقط مجرد لص يسرق التوت من شجرة الحديقة.

وعندما وقع بصره على لمياء بدت له جنّية أو ملاكا نزل لتوّه من السماء.

بدت له دعوة واضحة عليه الاستجابة لها.

فاقترب من النافذة دون أن يحيد ببصره عن عينيها العسليتين وفمها الذي يرسم قبلة من دون كلام.

أيّام توت عشرة.

قد تكون أكثر أو أقلّ حسب المواسم.

لكن موسم التوت في حديقة لمياء امتدّ سبعة أياّم وأكثر من عشرين عاما من الانتظار.

في اليوم الأوّل اكتفى سارق التوت بالاقتراب قليلا من النافذة. ملئ البصر بجمال المشهد، ثم أسرع الخطو هاربا خشية أن يفطن له أحد.

عندما توارى عن ناظريها، اعتقدت لمياء أنه ملاك من السماء جاء يبشّرها بحدث عظيم لا تعرف كنهه بعد.

بقيت تسرح بصرها بعيدا نحو الأفق حيث اختفى، ثم عادت لتنام علّها تعثر عليه في أحلامها.

في فجر اليوم الموالي استفاقت لمياء في نفس موعدها. فتحت نافذتها وكأنها تمارس طقسا من طقوس التعبّد، وبقيت تنتظر إشارة من ملاكها الذي حتما سينزل من السماء.

وكان سارق التوت تماما في الموعد.

فتى أسمر في العشرين من عمره. لم يكن وسيما أو مميّزا. غير أن لمياء رأت فيه ملاكها الذي سيأخذها معه إلى السماء حيث أنهار الخمر والحبّ واللذة.

اقترب أكثر هذه المرّة من النافذة. مدّ يده إليها، وسارعت هي بمدّ يديها. فوضع في كفيها حبتي توت ثم ابتعد مسرعا دون كلمة أو التفاتة. وهل من حاجة إلى كلام كي يخفق القلب وتصفّق الجوارح ، وتلمع العين، وينسكب العرق بين الكثبان ليبلّل الجسم ويرطّب المسام، وتشرئب حبتي التوت تحت الغلالة.

في الليلة الموالية عاد رجل التوت، وله فتحت لمياء نافذتها مجدّدا. مدّت يدها بلهفة فأمسكها هذه المرة. لحظة خاطفة اخترقت فيها المشاعر حدود السماوات والأرض. عاصفة هزّت أعماق بحيرة راكدة. زلزال هدّ الأرض التي تفتّقت عن كنوز مخبوءة لم تداعبها خيوط الشمس قط.

أصبح للفجر ثمار على شكل حبات توت.

أصبح للفجر مذاق حلو. ولون كلون التوت.

وأصبح للمياء سببا يجعلها تعشق الكون والوجود، أزهار الحديقة، وتغريد اليمام.

أصبح للمياء ملاك من السماء تصلي له كلّ فجر كي يعود.

حبّتا التوت صارتا سلّة من التوت تحت نافذتها. ستة أيام ومذاق التوت على شفتيها يغري بالمزيد. لم تسأله عن اسمه، وهل يسأل الملاك عن اسمه. وفي الفجر السابع مدّت له اللحاف. فأمسك بطرفه وتسلّق الجدار ودخل من النافذة. جلب معه كيس توت من حديقتها. وعلى سريرها ألقمها ثمار التوت واحدة واحدة. وبشفتيه قطف توت النهدين. بصمت مقدّس طفقا يجنيان ثمار الفجر حتى بزوغ أول خيوط الشمس. عندها رحل. وعلى ملاءة السرير ترك لها زهرة أينعت بلون التوت.

ولمياء كالمسلوب عقلها تراه يقفز من النافذة. فتسأله عيناها متى ستعود. يجيبها في صمت بأن ذلك سيكون في موسم التوت القادم.

أيام من الحمى والهذيان والنحيب. أيام الحمى الحمراء تعقب عادة أيام التوت. أيام لم ينفع معها علاج ولا رقية شرعية ولا تعويذة الشيخ حسان ولا نصيحة الجيران. والخالة ربح وهي تخفي اللحاف المغطى بآثار التوت تفهم ما حدث دون الحاجة إلى مزيد من التوضيح. تفضّل أن تساعد لمياء على الجنون.

وتمرّ الأيام والسنون ولمياء بين الحلم وأضغاث الأحلام تنادي ملاكها فلا تجد له اسما غير كلمة توت. في مواسم التوت من سنوات الغياب الأولى، تنتظر لمياء خيوط الفجر الأولى لتفتح نافذتها عسى أن يمرّ الملاك مجدّدا. وعندما ينقضي الموسم دون أن تراه. يتحوّل رجاؤها إلى غضب عارم وكأن يدا أخرى غير يدها تحطّم أثاث البيت. وكأن صوتا آخر غير صوتها ينادي التوت. ما الذي فعلته حتى يهجر التوت مذاقه ولونه وشكله. لماذا لم يعد الملاك ليقطف ثمار التوت من حديقتها فتعطيه ثمرتي توتها المخبّئ تحت القميص. انقطعت عن الكلام إلا عن ترديد كلمتي توت وملاك. حتى الشيخ حسّان عجز عن المساعدة. وعندما أمر بقطع شجرة التوت مسكن الجان، لم يتصوّر الشيخ حسّان أنّه سيثير غضبا عارما كاد يكلّفه غاليا. فضّل الشيخ الهرب ناصحا الأم بالصبر والإكثار من البخور والأدعية.

في الحقيقة، الخالة ربح كانت تعرف تماما ما حدث مع لمياء. فقد عاشت هي أيضا موسم التوت عندما كانت في سنّها. غير أنّ ملاكها عاد في موسم المشمش وبقي ليتذوّق ثمار كلّ موسم.

لمياء كانت تؤمن بأنّ ملاكها سيعود يوما. ولماذا لا يعود. أليس موسم التوت يعود. إذن لابدّ أنه في الطريق إليها من أقصى السماء أو من أقصى الأرض. أكيد هو سيعود. وككلّ سنة منذ أكثر من عشرين عاما، تترك لمياء نافذة مفتوحة وتسدل شعرها الذي بدأ يخطّه بعض البياض، وترتدي غلالة رقيقة.

ما دام قد وعد بأنه سيعود، فإنه حتما سيعود.

المقال السابقماتَ العراقُ
المقال التالىمن الدولة العميقة إلى الدولة الغنائمية
روضة السالمي صحفية من تونس. حازت على الجائزة العربية مصطفى عزوز لأدب الطفل لسنة 2009، المركز الأول عن مسرحية "غيمة الأحلام الدائرية". لديها قيد الطبع: مجموعة قصصية "أبعد من اللون" عن دار زينب للنشر والتوزيع و مجموعة قصصية الكترونية "لاشيء في السماء مجموعة مسرحية الكترونية: عصابة جندب ومسرحيات أخرى ل....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد