مهمتنا


 

يكمن خطأ المثقف في اعتقاده أنه يستطيع أن يعرف من دون أن يفهم، وعلى الأخص من دون أن يحس ومن دون ان تثور حماسته…” غرامشي

يرى كارك ماركس ان ثقافة الجماهير تبدأ من الوعي بواقعها، على عكس سابقه هيجل الذي يرى ان الوعي يبدا من العقل لينطلق الى الواقع، كان هذا السجال قبل ان يفرض العالم الافتراضي كما يسميه البعض وجوده، ويخلق بيننا مساحة واسعة ليس للتعارف فحسب بل لتبادل المعلومات ونشر الافكار، ثم ليقوم ايضا، بتمويه الواقع وتشويش العقل، واصبحت المعرفة مثل فاكهة مفروشة على مائدة ياكل منها الجميع دون ان تنقص، فالعالم الافتراضي يقدم لنا الاشاعة مفبركة الى حد الايمان بها كحقيقة ، مثلما يقدم لنا الحقائق وكانها اشاعات زائفة، اصبح من الصعب علينا معرفة النوايا وتزايدت شكوكنا لتخرج من اطار المنطق وتتحول الى احكام مسبقة، كما ان الحقائق كحقائق اصبحت محط شك وتدقيق وتدليس، اختفى اليقين تماما، في السياسة كما هي علاقات الحب الذي كان أغلبه عذريا، سادت المصالح الخاصة واختفت وتسربت الجماهير ومصالحها وكأنها اصوات برية لايمكن سماعها إلا مع الصمت المطبق وهو بعيد المنال امام قعقعة السلاح وزمجرة الرصاص وهدير المدافع، وانات الجياع والارامل المسفوكة حقوقهن كوجود حي، قبل ان يتحولن الى ارقام لاحصاءات مفترضة تستخدم كاوراق لعب البوكر في سجالات السياسة والتامر والانتخابات.. الانسان هذا الكائن الذي كان في عالمه الوجودي قبل ان يُخلقَ العالم الافتراضي مزمجرا، الى حد انك تعد اسماء مشاهيره باصابع يدك، اصبح بضاعة بائرة، والمال الذي كان وسيلة للتبادل الوثيق بين الناس وفي خدمتهم وتسهيل تعاملاتهم، اصبح سلطة عابرة للحدود تستعبدهم اينما كانوا، وتحدد مستوى معيشتهم وقوتهم الشرائية، حتى ان حسابات الحمل والولادة باتت تحسب على اساس المداخيل ومخرجاتها..
لم يكن ماركس ولا هيجل يتخيلان هذه اللحظة التي كلما يشب فيها بريق، ينطفيء الف بريق، ولم يتوقعا يوما ان الجماهير ذاتها ستضم بين حناياها جماهير أُخر وأُخر وأُخر، حتى بات من المستحيل قراءة قوانين وشروط واتجاهات (الكتلة التاريخية) التي نادى بها غرامشي، حين اكتشف آنذاك ان لاسبيل للنجاة الا بالاتحاد..

قبل العالم الافتراضي، كان الناس بعيدون عن السياسة، كانت السياسة ترفا لبعضهم، ونزوة لبعضهم، وهدفا انسانيا نبيلا لاخرين، وهؤلاء النبلاء غالبا ما اعتلوا المشانق وهم يهتفون بالحياة لفكر ولاخرين على الطريق..كان ثمة شيء اسمه المبادئ، قبل ان يفترض العالم الافتراضي مبادئ مفترضة لكل منا، وقبل ان ينشر هذا العالم، السياسة داخل كل بيت وكل جامع وكل جامعة، فتفرقت اراؤنا، وما عاد الحديث يلقى صدى الا نزرا يسيرا،

اصبح الوعي الذي ارتكز عليه هيجل وماركس في حديثهما عن العقل، مشاعا باتجاهات الجهل اكثر من المعرفة، والمعرفة ذاتها اصبحت ترفا لايحبذ الاقتراب منه، ان لم تستخدم اساسا كترس في خدمة الجهل، حتى بدونا كبشر، مثل (رؤس البصل) كما هو تعبير الشاعر النجفي العراقي (علي الشرقي) يصعب التقاؤنا واتحادنا، فكل منا على وعيه ومعرفته وجهله يظن انه لوحده فقط يمسك بخيوط الحقيقة ..
مع العالم الافتراضي، ازداد عنادنا مثلما ازداد نسياننا، فما زلنا نحمل فكرة حتى محتها فكرة اخرى ولم تكن النتيجة سوى تعطيل ادائنا، وتوقف حركتنا، فالحيرة هي الوشاح الذي يغطي عقولنا، ولم تعد بوصلتنا مستقرة على اتجاه ما..
مهمتنا، نحن الذين نجد اسماءنا مكتوبة على صفحات هذا العالم الافتراضي، اصعب مما قدمه الاقدمون لعالمهم، كانت الكلمة الخالدة تنتقل بكل امان وثقة بين عقل وآخر، بين ارادة واخرى، ومعها ينتقل الشرح والتوضيح، فكر يليق بمن يؤتمن عليه، فترى كلمات كتبت في اقاصي الشرق ترددها السنة في الغرب وتصدق بها وتؤمن بها الى حد التضحية بالنفس ، جيفارا واخرون يتنقلون من مكان لاخر في عالم حي وقائم، يحملون مشاعل الحرية والاستقلال، ويكتبون على صفحات التاريخ بالعرق والدماء، غرباء ولكن يعاملون كما يعامل الرسل دون تشكيك ودون تدليس،فقدموا ارواحهم على مذابح الحرية من اجل جماهير كانت تنصت لهم وتسمع منهم وتمنحهم ثقتها ومحبتها، حتى خلدتهم وخلد ايمانها، كانت الجماهير قلبا واحدا وعالما ليس افتراضيا بل حيا واحدا موحدا.. مع قلة المعرفة كان الجهل اقل، والتشتت والفرقة اقل، وكان الايمان بالمستقبل اكبر حماسة واكثر ثورية من عالم اليوم..

ماذا يمكن ان نقدم اليوم نحن الذين مازلنا نحب الاستراق الى العقول، الفرحون باسمائنا مكتوبة على لوح عالم لاوجود له إلا على الاثير، عالم اقل مافيه الصدق، واندر مافيه الثقة، ولا نملك سوى الكلمة، التي خضعت هي الاخرى لسعر السوق، فراحت تباع اسهمها كما تباع الاراكيل، لاتوجد قيمة محددة للكلمات، كل مكان له سعر، وكل مجال له سحر، في حين كانت الكلمة شرف وعهد وموقف، فهل مازلنا نصدق ان الشرف لايباع، وان العهد لا يشترى وان الموقف يصان؟؟..

هل علينا ان نصدق ما يكذبه الاخرون، وما تقدمه براهينهم، فحتى الله الذي نفترض ولا نفترض الا وجوده، اصبح هو الاخر سلعة بيد سحرة ماهرين مارقين، يضعون اسمه على فوهات بنادقهم، ويلفظون اسمه حين يتعرون وحين يَذبحون ، والجماهير تلك التي يشغلنا فقرها، وتؤلبنا معاناتها وضياع مستقبلها وفقدان فرصتها وتمزيق اوطانها وسفك دمائها،تهلل وتكبر وتصلي على نبي لا نظن انه فخور بما آلت اليه رسالته..

مهمتنا محاربة الجهل بالمعرفة، وربما والادق محاربة المعرفة الجاهلة، لاننا خلقنا وقد مسنا الشيطان، فجعلنا كنخبة نعيش في عالم فوقي لايسمع صوتها، ولايقرأ كلماتها إلا الذين مسهم السحر..

في الصدى لنا مهمة كمثقفين موضوعيين او عضويين، ولكنها لن تكون اسهل من مهمة صالح وهود ، ونحتاج لتحقيقها الى معجزات لنُسمِعَبها من به صمم ولنفجر النور في عين من اصابه العمى، انها مهمة الفرسان الذين يمتطون الريح افتراضا ..

1 تعليقك

  1. احسنتم اخي ابوعلي …مقالة اكثر من رائعة لا استطيع ان اضيف لها اوعليها لكنها فتحت لي بابا لا بل منحتني مساحة ان اسجل ملاحظة صادفتكم جميعا -( نخبويون ..مثقفون …متابعون ) – وبشكل يومي خلال تصفحكم اوراق العالم الافتراضي .. الا وهي : اسفاف الذوق العام وتفاهة افكار تصدر عن عناوين ينظر الناس لهم بوقار ويرسمون لهم صورة راقية في اذهانهم على اعتبارهم نماذج راقية السلوك في المجتمع فاذا ببعض هؤلاء: اساتذة الجامعيين ، ..اطباء حاذقين… مهندسين مبدعين،… ادباء مرموقين،…فنانين رائعين ….رياضيين معروفين …،مثقفين مشهورين …اذا بهؤلاء الذين توسم بهم المجتمع النخبوية وكما يقول العراقيون ( النمونة ..او راس السلة ) اذا بهم بعيدون كل البعد عن هموم ومعاناة ومصائب مجتمعاتهم وكأنهم في عوالم اخرى ..ماتت ضمائرهم ومشاعرهم … تبلدت احاسيسهم ….سفهت افكارهم ..تفهت تصواتهم …انحطت ذائقتهم … كل ذلك رأيته انا ورأيتموه في منشوراتهم البليدة السخيفة الساذجة التي تعج بها صفحاتهم وصفحات اصدقائهم الذين هم على شاكلتهم . المصيبة انك اذا نبهت احدهم : ان هذا المنشور لا يليق بك .. او لا يتناسب مع الظرف العام . انهال عليك برد بارد سمج وبادر الى حضرك !!!!. طبعا هذه حسنة تحسب للعالم الافتراضي ارتنا كم نحن مغشوشين بخداع العناوين .

اترك رد