العنف .. الرأسمال الاحتكاري للدين


 

العنف، ذلك السلوك العدواني الممجوج من الفطرة الإنسانية والأخلاق السوية والقوانين البشرية.. ولكنه، شئنا أم أبينا، احتل خلال التاريخ البشري تواجدا رئيسيا في مراحل تطور الانسان، وفي مراحل تشكيل الدول والمجتمعات وفي مراحل تغير وتبدل وزوال الحضارات على الأرض.

فمن أين استمد العنف وجوده، وكيف تأصلت فلسفته، وكيف مارسه الانسان، وتحت أي مبررات دفعته لذلك، والأهم في مقالنا لهذا الاسبوع، لماذا استمر العنف الي اليوم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل مبالغ به او بشكل يمكننا أن ندعي بأنه أصبح ظاهرة سياسية واجتماعية ودينية غالبة، بينما تقلص منسوبه في المجتمعات العلمانية والصناعية المتقدمة؟!!.

يرى فرويد أن العنف هو نزعه طبيعية في الإنسان، وتستند إلى رغبه تدميريه (ليبيدو سالب)، وهي تعبر عن نزعة تلقائية لكل كائن عضوي نحو الموت، ويقابلها نزعة طبيعية أخرى نقيضه لها هي نزعه الحياة (نزعة الإيروس)، والتي تدفع الإنسان إلى الإبداع. بينما يقول إيريك فروم “أن العنف ليس سلوك طبيعي أساسي، وان علم النفس الحيواني يؤكد أن الحيوانات لا تكون عنيفة إلا في حالات معينه، وان العنف في هذه الحالات هو وسيله وليس غاية. أما ستانلي ميلغرام فقد قام بإجراء تجربه أطلق عليها اسم (حدود الخضوع للسلطة)، واستخلص منها انه رغم أن هناك نزعه عدوانيه طبيعية لدى الإنسان، إلا أن الظروف التاريخية والاجتماعية هي المحدد الأساسي لظهور العنف.

وفي الفلسفة السياسية الحديثة، اتخذ العنف أيضا عدة مسارات تعريفية، ولكنها تتفق في غالبيتها على وجود العنف كمحرك ضمني بشري وتاريخي. حيث اعتبر ميكافيلي أن للسياسة قواعد خاصة بها، والتي لا علاقة لها بالقيم الدينية والأخلاقية، ومن هذه القواعد التي يجب أن يتمسك بها الأمير، هي اللجوء إلى العنف، فالعنف عند ميكافيلي يعد من المكونات الأساسية لكل فعل سياسي ناجح. أما توماس هوبز فيرى أن العنف يمثل عنصرا أساسيا في العلاقات الاجتماعية، ذلك أن الباعث الأساسي لسلوك الإنسان هو حب البقاء والحفاظ على الذات، وبالتالي فكل إنسان بحكم أنانيته الطبيعية يمثل خطرا بالنسبة لكل إنسان آخر، ففي الحالة الطبيعية السابقة على وجود الدولة يكون “الجميع في حرب ضد الجميع”، لذا يتحتم تأسيس دولة قاهرة لإيقاف الحرب ولضمان الحياة واستمرارية المجتمع.

من هنا، يمكننا الإقرار بأن العنف في إطار العلاقات والمعاملات، تتحكم فيه اعتبارات ذات صبغة تقريرية، وذات صبغة استبدادية، وذات صبغة منفعية مادية. كما نلاحظ بأن ظاهرة العنف اذا ما استوطنت الذات او المجتمع فإنها تعتبر من أهم العوامل المساهمة في نشأة التضخم النفسي والعقلي والمؤديان بالضرورة الي تخريب المجتمعات وتشويه الإنسانية المتمثلة في التطور الذي يقوم به ويؤديه الآخر المختلف باعتبار ان العنف موجه في أحد صوره الي الآخر المختلف دينيا وفكريا كمجال مشروع لتفريغ طاقات العنف والكراهية والتخريب.

وفي نظرة سريعة الي المجتمعات الصناعية او العلمانية او التى لا تحكم بمشروعية العنف سبيلا الي ضبط الأفراد والمجتمع، نرى ان القوانين المدنية والفلسفة المادية نزعت الي توعية الإنسان الغربي بحاجته إلى تغيير مفهوم العنف وعدم اعتباره وسيلة شرعية للوصول إلى أهداف معينة، أو اعتباره وسيلة أساسية لتقدم هذه الدول الغربية كما حصل في التاريخ الاسلامي باعتبار العنف او الغزو او الغنيمة وسيلة لبناء ما يسمى بالحضارة الاسلامية. وكذلك سعت قيم العلمانية والحداثة والتنوير بعد تبنيها تعليميا واجتماعيا واقتصاديا بتصحيح القيم الثقافية والدينية والسياسية المنحرفة التي تشكل مفاهيم العنف وأفكاره وقيمه داخل المجتمعات الغربية قبل الثورة الصناعية, لأنه لا يمكن انتظار أي تغيير أخلاقي ما لم يتغير أساس البنية الأيديولوجية والفلسفية التي تأسست عليها القوة المادية للحضارة الغربية.

فالتاريخ الطويل للعنف في الغرب امتد قرونا عديدة وبين المسيحيين أنفسهم، وكان علامة مميزة ورئيسية للتاريخ الثقافي لأوروبا، ووصل إلى القمة في الأزمنة الأخيرة بظهور الاستعمار والنازية والفاشية والشيوعية، وهذه الأيديولوجيات العنيفة تسببت في قتل الملايين من الناس على الكرة الأرضية.

وفي مجتمعاتنا العربية والاسلامية، نشهد اليوم، كما في الماضي قضية تنامي العنف بتوجهاته الدينية والمذهبية والسياسية، فكل الدلائل تؤكد باستمرار ما يفيد أن العنف في العقل العربي ليس ظاهرة عابرة أو سلوكا منحرفا يمكن تصويبه بيسر وإنما هو لصيق بالإنسان العربي ولا يمكن إلا عقلنته وذلك بتحويل مجراه والتقليل من ضحاياه. فمن أين أستمد العنف جذوره؟ وهل هناك ترابط عضوي بين الدول العربية والعنف؟ وما مدى ارتباط الدولة بثقافة العنف والاكراه؟. وما مدى ملاءمة مجتمعاتنا للنوستالجيا التي تعيشها المجتمعات القبلية والدينية نحو الحالة السابقة للدولة ما قبل الحداثة؟ والأهم كيف تم توظيف العنف في قبول العنف؟.

يحمل كل انسان جانب للخير وجانب للشر، ليكون فعل الثقافة السائدة تغليب جانب على الآخر, فالثقافة هى المرتكز الوحيد الذى يستقى ويتشرب منها الإنسان سلوكياته، لذا تبرز خطورة الثقافة المهيمنة فى توسيعها لمساحات الشر داخل الإنسان وإيجاد حضور مبرر وشرعي لها لتطغى وتهيمن على جوانب الخير لتنتهك فى طريقها إنسانيتنا وتعايشنا فلا تبقى منها شيئاً.

وتشكل الثقافة الاسلامية او الدين الاسلامي في مجتمعاتنا العربية، الموصومة بالعنف والقسوة والكراهية، ذلك الوعاء الحاضن لكل سلوكياتنا وأفكارنا وتاريخنا. فهل الإسلام يدفع الي العنف؟ وهل فعلا نحن ضحايا للإسلام؟ أم نحن شعوب ومجتمعات مكتوب عليها الفشل والانحطاط الي مالا نهاية سواء التزمنا بالإسلام أم لم نلتزم به؟!!

من الأهمية بمكان إدراك أن نهج الإسلام نحو الإستقطاب والحدة الشديدة فى تصعيد العداء والكراهية والعنف تجاه الآخر المختلف ليس كونه مشروع مؤامراتي او شيطاني كما يروج له كهنة الدين والسذج من الشعوب، ولكنه مشروع سياسى حدد توجهاته بتجييش المشاعر ضد الآخر الذى يمثل العدو الرئيسي للإسلام. إذ لا قيام لدولة الخلافة الا بإسقاط هؤلاء الأعداء، الداخليين منهم والرافضين لفكرة حكم الشريعة، او الاعداء الخارجيين الذين بالضرورة هم أعداء الله لانهم كفار لم يلتحقوا بالإسلام وجماعته البشرية.
من هذا المنطلق، وأمام فشل تحديث مجتمعاتنا علميا وأخلاقيا وحضاريا، استسلمت الغالبية من شعوبنا أمام فكرة العنف كمحدد للتعامل وكثقافة مجتمعية ألقت بظلالها على المرأة والتقاليد والتعليم، وكقوانين تشريعية ودستورية في غالبية الدساتير العربية والاسلامية.

ففي القرآن مثلا نرى آية في سورة التوبة ( قاتلوا الذين … ) شديدة الوضوح ولا تحتاج الي شروحات تبريرية، فهى دعوة صريحة لقتال اهل الكتاب حتى يؤمنوا بالاسلام رغماً عنهم او يدفعوا الجزية أو يقتلوا، فهكذا إنتشر الاسلام وفرض نفسه على الشعوب المختلفة. كما ان ثقافة كراهية الكفار، وهم ليسوا فقط غير المسلمين بل تم اضافة العلمانيين وكل من يصدر بحقه فتوى تكفيرية، تجد حضورها فى التأسيس الثقافى للمسلم وهى تمظهر للعنف الذى يعتبر منهج وفلسفة الفكر الإسلامى وتجد حضورها فى الحوارات الفكرية وفي العمليات الجهادية المنتشرة مؤخرا للدفاع عن الاسلام او لتحديد الفرقة الناجية بين المذاهب الاسلامية.

ان علاج العنف في النص الديني، يتم بردم منابعه وليس بتجفيفها، وخلق وعي وإدراك حقيقين بلا أى تزييف أو نفاق أو تخدير أو تمييع بأن إستحضار التراث الإسلامى هو الطامة الكبرى التى ستستدعى حضور العنف والارهاب. فالعنف إذا استمر مغلفا بالدين والمقدس، لن يكون مجرد مرحلة تاريخية تنتهي مع زوال مسبباتها، بل سيكون الرأسمال الإحتكاري للدين من خلال تواجده في الوعي والثقافة والمجتمع.

لا تعليقات

اترك رد