بأي عين يمكننا رؤية هذا العمل ؟


 

وجدتها وجدتها.. هكذا صاح عالم الآثار الفرنسي شامبليون في 14 من سبتمبر عام 1822 ولكن ترى ما الذى وجده تحديدًا !؟ خلال الحملة الفرنسية على مصر اكتشف أحد ضباط الحملة، ويدعى كابتن فرانسو أكزافييه بوشار، حجرًا بين أنقاض حصنٍ بالقرب من مدينة رشيد، يحمل نقوشًا يونانيَّةٍ وديمقوطيَّةٍ وهيروغليفيَّةٍ، كان الحجر من الجرانيت الأسود،وشديد النعومة والصلابة، ويبلغ ارتفاعه 36 بوصةً، وكتبت جريدة “لوكربيه إيجيبت – أخبار مصر” وقتها، أنه أخيرًا توصَّلنا لمفتاح هذه اللغة، ظنًّا منهم أن اللغة الديمقوطيَّة هي نفسها الهيروغليفيَّة، وكأنه نصٌّ مترجمٌ بعدَّة لغاتٍ، وربما كان هذا الاكتشاف البذرة الأولى لراهبٍ قبطيٍّ يُدعى شامبليون، والذي درس علوم اللغات في مدرسة الشرقيَّات، وذهب بعدها إلى كوليج دي فرانس لاستكمال تعليمه، واستحوذت تلك اللغة على خياله، خصوصًا أنه لم يستطع أحد فكَّ طلاسمها، فقد ذهبت مع آخر كاهنٍ من كهنة مصر القديمة، ولكن هذا الشاب الذي تعمَّق في دراسة اللغة القبطيَّة، لحد أنَّه يقوم بترجمة أيِّ حديثٍ أو نصٍّ لهذه اللغة التي كانت مفتاحًا لفهم وفكِّ طلاسم الهيروغليفيَّة.

في 14 سبتمبر 1822، أخذ يصيح (وجدتها وجدتها!)، وكانت تلك الصيحة هي فكُّ مفاتيح اللغة التي توغَّلت في الصمت لعدَّة قرونٍ، وكشف أسرارٍ لحضارةٍ عظيمةٍ، وأصدر كتابه (مصر في عهد الفراعنة)، وعند وصول السفينة بشامبيليون لأرض مصر للمرة الأولى، كتب إلى أخيه يقول: (أعتقد أنني خلقت في هذا البلد، حتى أن ملامحي قريبة الشبه بهم)، وخرج لاستقباله محمد علي باشا، ووضع له حراسةً كبيرةً، وقدَّم له الكثير من التسهيلات، واستمرت رحلته الأستكشافية ما يقارب العامين، عثر خلالها على خمسين موقعًا، ودُوِّنت تلك الرحلات في كتاب (صروح مصر والنوبة)، وأمام معبد الكرنك انحنى شامبليون قائلًا: (لسنا في أوربا سوى أقزامٍ، لا يوجد شعبٌ قديمٌ أو حديثٌ تصوَّر الفنَّ المعماريَّ كما تصوَّره قدماء المصريِّين)، وكتب يصف رحلته لمعبد رمسيس الثاني قائلًا: (كان ذلك المعبد بمثابة فندقٍ نقضي فيه ليلتنا، فقد كانت الضباع تنتظرنا في الخارج، وقد أكلت الحمار الخاصَّ بي)، ووصف رحلته لمعبد أبو سمبل: (لقد خلعتُ ملابسي باستثناء قميصٍ عربيٍّ وبنطلونٍ من الكتَّان، وفي درجة حرارةٍ تزيد عن 51 درجةً مئويَّةً، كان عليَّ الدخول في فوَّهة الفرن المحترق).

وبعد أن انتهى من اكتشافاته بعث يكتب لمسيو داسيه: (يسعدني أن أبشرك بأنه ليس هناك ما ينبغي تغييره، فالحروف الهيروغليفيَّة مثل ما توصَّلنا إليها تمامًا)، وفي حرصه الشديد وخوفه على الآثار المصريَّة القديمة، عقد لقاءً طويلًا مع محمد علي باشا، وطلب منه المحافظة على الآثار ووضع القوانين المشدَّدة للحدِّ من عمليَّات النَّهب والسلب، ففي هذا التوقيت كان محمد علي باشا يواصل مسيرته في البناء والتعمير، ولكي يحصل على الأحجار اللازمة لبناء معامل السكر والبارود، أصدر قرارًا يحتِّم على المزارعين تقديم قنطارٍ من الأحجار على كلِّ فدَّانٍ مزروعٍ، ولم يكن أمام الفلاحين والصعايدة سوى هدم المعابد للحصول منها على الأحجار وتقديمها للباشا.
وأمام عبقريَّة شامبليون في فكِّ رموز حجر رشيد، منحه لويس السادس صندوقًا من الذهب،وعرض عليه بابا الفاتيكان أن يكون كاردينيالًا، ولكنه رفض المنصب، واعتذر بأدبٍ واكتفى بحصوله على وسام الشرف، وعُيِّن في منصب أمين المعرض المصريِّ بمتحف اللوفر، وبذلك يمكننا الجزم بأن شامبليون مكتشف الحضارة الفرعونيَّة القديمة، والذي أفنى عمره وجهده في فكِّ رموزها، ودافع عنها، وطالب بحمايتها، ورفض مناصب عاليةً ليتابع اكتشافاته لها، وكان أمينًا عليها في معرض الآثار المصريَّة بمتحف اللوفر، لم يكن ليرضيه أو يعجبه هذا المشهد الذي نحته له النحات الفرنسيُّ (بارتولدي – 1871)، وهو يضع حذاءه فوق رأسٍ فرعونيَّةٍ لأنه أكثر من يعرف قيمة ونبوغ هذه الرأس الفرعونيَّة، والتساؤل هنا بأيِّ عين يمكننا مشاهدة هذا التمثال؟ فقد ألغى أيَّ رؤيةٍ فنيَّةٍ جماليَّةٍ، ووضع بدلًا منها رؤيةً عنصريَّةً،مهما كانت نيَّة النحَّات وقتها، حتى أننا لا نستطيع تطبيق مبدأ الفنِّ للفنِّ فقط أمام هذه القطعة الفنية، أعتقد أن عالم الآثار الفرنسيَّ والذي تخصَّص في علم المصريَّات، شامبليون بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب من هذه المنحوتة، والتي وضعت في مدخل الجامعة الفرنسيَّة بباريس، وهو الرجل الذي انحنى مسبقًا لبراعة المصريِّ القديم وحضارته، لم يكن بأيِّ حالٍ من الأحوال يعجبه هذه الشكل الذي وضع عليه .
والتساؤل هو ماذا كان في نيَّة الفنان عند نحته لهذا العمل؟ وما الذي كان بمخيِّلته؟ هل يعني به تجسيدٌ لانتصار شامبليون على العقليَّة المصريَّة القديمة، وتحطيم رأسها، وفكِّ أسرارها، وعزيمته في فهم اللغة؛ حيث إن الحذاء في فرنسا يعني القوَّة والعزيمة، وليس الاحتقار، أم قصده هو الإهانة؟!
وبارتولدي هو الذي نحت تمثال الحرية الموضوع في مدخل مدينة نيويورك، وكان في الأساس مطلبًا من الخديوي إسماعيل ليضعه في مدخل قناة السويس عند افتتاحها ، وعرض الفنان رؤيته الخاصَّة على الخديوي، وكانت عبارةً عن منارةٍ ضخمةٍ لترشد السفن على شكل إلهة الحريَّة في الميثولوجيا الرومانيَّة، وترتدي جلبابًا فلاحيًّا، وترفع يدها بالشعلة التي ترشد السفن للقناة، و يحمل اسم (مصر تجلب النور لآسيا)، وافق الخديوي على فكرة العمل، ولكن لضيق اليد وقتها، ومديونيَّات الخديوي الكبيرة، اعتذر عنه؛ حيث كانت التكلفة الإجماليَّة للتمثال 600 ألف دولار أمريكيِّ، فذهب النحَّات وأهدى فكرته لأمريكا، ومن يومها و هو موضوعٌ هناك ، ويعدُّ من أشهر المعالم الأميريكيَّة، فترى هل وجد النحات ضالَّته في هذه المنحوتة ليأخذ ثأره من الخديوي إسماعيل؟!

لا تعليقات

اترك رد