نجوى الأمين

 

غالباً ما يحمل الشاعر والفنان هموم وذكريات طفولته وصباه معه أنّى سار وحيثما ذهب، فتكون ذكرياته علاماتٍ فارقةً في فنّهِ وبصمةً ظاهرةً في نتاجِه مهما تعاقبت السنون والأزمنة غير آبه بما يحدث من حوله من متغيرات.

بل وتجد البعض منهم يهاجر بعيداً تاركاً وطنَه وملاعبَ صباه، غير انه في اعماق نفسه وواقع شخصيته يظل متمسكاً بوطنه لا يكاد يفارقه وان شطت به السبل وبعدت به المسافات

والمتابع للرسامين العراقيين المهاجرين يجد في اعمالهم عاطفةً بائنةً ومتوهجةً كالظاهر في لوحات الرسامة العراقية المغتربة نجوى الأمين ، والتي وان كانت تعيش خارج وطنها منذ عقدين الا ان غربتها لم تستطع أخذها بعيدا عن ما طبعه في نفسها مواطنُ طفولتِها ومعيشتِها الإوَلْ.

وبالرغم من المتغيرات الكبيرة والكثيرة في حياة كل الفنانيين العراقيين المهاجرين، لكني اجد ان نجوى الأمين لم تتغيّر في هذا الشأن فهي تتبع مبادئ لا تحيد عنها وقاعدةً لا تتحول الى سواها في رسوماتها الا وهي العاطفة، والمتمعن في لوحاتها جيداً يجد انها تترجم العاطفة في عدة اساليب وطرق، ولكنها في الغالب ترتكز في امرين وهما؛ عاطفة الوطن، وعاطفة الأهل، وربما نستطيع جمعها تحت مسمى العاطفة الاجتماعية.

فأما عاطفة الوطن، فنجوى الأمين لا تكاد تنفك من ان تدل عليها بدلالات واضحة جلية في معظم لوحاتها. ففي اشاراتها الى القباب والابواب والشبابيك مشيرة بذلك الى الزقاق أو الحي او المدينة مع اختيار الالوان القاتمة، بالاضافة الى الاشارة الى النخلة والتي جعلت منها دلالة اخرى لما تتمتع به النخلة من ركيزة عاطفية في مخيلة اغلب العراقيين سيما المهاجرين منهم من رسامين وشعراء وكتّاب، فهي تشير الى لوعتها وحنينها لبعدها عن وطنها من جانب والى هوسها وتعلقها بطفولتها وصباها من جانب اخر.
واما عاطفة الاهل فقد برّزتها في تعابير الوجوه التي تكررت في عدة لوحات مع حركة اليد وحركة الرأس لشخوص اللوحات والتي تعبر عن الحنو والحب مع تداخلات جميلة لا تفهم الا بكونها ترجمة عن عاطفة اجتماعية خالصة متمثلة بالاهل والعائلة والجيران وابناء الحي والمدينة خاصة في اشاراتها لاحياء معينة من بغداد او مدن العراق الاخرى.

نجوى الأمين الرسامة العراقية المغتربة والتي تبعد مسافة نصف كرة أرضية، لم تبعدها عن موطنها شاسعات البحار والمحيطات ولا مقفرات الوديان والصحاري، بل بقيت روحها معلقة ببغداد وان كانت تعيش بجوارحها في مدينة بالتيمور في الولايات المتحدة
انها الرسامة التي تجسد الوفاء بريشتها مبرهنة ان الاجساد وان ضاقت بها الجغرافيا شرقا وغربا الا ان الارواح لا تكاد تبارح الوطن وان شطَّ بها المكان أو تقادم عليها الزمان.

المقال السابقحكاية عم سيد
المقال التالىميشيل اوباما وقوة اﻻمل
حسان الحديثي كاتب وناقد عراقي من مواليد مدينة حديثه، محافظة الأنبار ويعيش حالياً في المملكة المتحدة يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية الرصينة منها وكالة أنباء الشعر له مخطوطتان تحت الطبع هما " حديث الخميس " ، " والسياب شاعر الانسانية الاكبر " هو أيضا رجل أعمال ويدير شركات في الامارات العر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد