العلاقة بين الادب والسينما


 

ما دفعني الى الكتابة حول ” العلاقة بين الادب والسينما ” هو قراءتي للمادة التي كتبها الاستاذ خالد ساحلي حول النص المقلق والمخرج السينمائي ، أي مخرج لهما ؟

فأحببت ان أدلو بدلوي في هذا الموضوع الذي كتب الكثير عنه سابقا ومازال الجدل دائرا حوله العلاقة بين الادب والسينما،علاقة وطيدة تعود الى البدايات الاولى لاكتشاف عالم التصوير ومن ثم عالم السينما المدهش وخلال سني العلاقة هذه قامت السينما بتحوي لالعديد من الاعمال الادبية الى اعمال سينمائية مهمة. ففي البدايةقام صانعوا الافلام باختيار روائع الاعمال الادبية ليصنعوا منها افلاماً ذاع صيتها وبقيت خالدة في ذاكرة الجمهور وبذلك تكون السينما قد وفرت نوعا اخر من القراءة للأعمال الادبية وهي القراءة المرئية.. وساهمت الى حدما بانتشار العديد من الاعمال الادبية عالميا من خلال تحويلها من عمل مقروء الى عمل مرئي يشاهد ابطاله يتحركون ويتكلمون كذلك كانت الاعمال الادبية مادة غنية وثروة وفرت للسينما مواضيع استطاعت السينما من خلالها ان تحقق نجاحات هامة.
بذلك تكون العلاقة بين الادب المحكي الروائي والسينما ( المحكي الفلمي ) علاقة منفعة تصب في خدمة الفنين،ولكن هل نجحت السينما دائما في تحويل المحكي الروائي الى محكي فيلمي؟ نعم قد تكون نجحت هنا او هناك فلايستطيع احد اغفال روائع سينمائية هامة جاءت منرحما للاعمال الادبية مثل ” المريض الانكليزي ” للروائي مايكل اونداتيو ذهب مع الريح لمارجيت متشل، والعراب لماريو بوز وغيرها.

المتخيل الروائي،المتخيل الفلمي
الرواية تقدم للمتلقي متخيلا واسعا للمكان والزمان الروائي، وحتى لو حدد كاتب الرواية مكانا معروفا، مدينة او قرية، موجودة على ارض الواقع، لكن هذا لايعني بضرورة معرفتها من قبل جميع القراء، فلو اخذ كاتب ما من لندن او باريس او بغداد، اوغيرها من المدن مكانا لروايته، فربما تكون هنا كنسبة كبيرة من قراء هذه الرواية لم يزر لندن او باريس ولم يسبق له ان مر ببغداد، وقديقول البعض ان السينما و التلفزيون قد وفرت مشاهدة هذه المدن عبر عديد افلامها الروائية والوثائقية والبرامج التلفزيونية، لكن لكل مدينة ضواحيها وقراها،والحكاية لاتقع بالضرورة في ميدان عام فياحد هذه المدن و بالتالي فالجهل بها وبتفاصيلها موجود ولو بنسبة متفاوتة،الامرالذ ييستدعي مخيلة المشاهد الى تصور المكان وتفاصيله، بقدر اطلاعه وقراءته، اضافة الى الفعل المحرك للحكاية يضفي بعدا جديدا للمتخيل واحيانا يفرضه عليه، فتخيل مكان تحصل فيه جريمة قتل،يختلف بالتأكيد عن تخيل نفس المكان تدور فيه احداث قصة حب رومانسية .

الزمان الروائي، قد يحيل هو الاخر القارئ الى خيال يفترض زمان الميعشه، يتحرك فيه من تخيلهم من شخصيات، رسمها هي الاخرى ىخياله،وان يكون قد تأثر بالوصف الذي يوفره الراوي لكليهما، الزمان والمكان، لذلك يذهب خيال القارئ بتصور زمان يفترضه ذهنه، مع الاسقاط الثقافي والاجتماعي عليه ،بالقدر الذي يؤثر علىه ذلك التصور،

الشخصية الروائية، هي شخصية يحاول الراوي جاهدا ان يقدمها لقارئه من خلال التوصيفات الدقيقة لها، ليس على مستوى بنائها الجسماني ولون بشرتها، الملابس التي ترتديها، او التقاطيع التي تتصفبها، بل كذلك على مستوى ىسلوكها النفسي والاجتماعي، محاولا ان يحببها لقارئه او يستدعي كره هذا القارئ لها .

لكن كل من الزمان و المكان و الشخصية الروائية،تختلف تماما عنداقتباس هذه الرواية وتحويلها الى فيلم سينما،هذاالاختلاف اسهالا ولهو الوسيط التعبيري للسينما وهي الصورة،لان الصورة تضع امام ابصارنا المكان والزمان والشخصية مجسدة ضمن اطار ثابت،الامرالذي يلغي المتخيل الذي تخيلناه، من خلال احتلال الصورة السينمائية لمكانه،والسؤال هنا ايهما اكثر جمالية من الاخر، المتخيل الروائي ام المتخيل الصوري السينمائي المقتبس من الرواية؟

بين جماليات المحكي الروائي و النص الفلمي
في البدء ان الجماليات التي توفرها الرواية للقارئ هي جماليات تعتمد على الزمن و المكان المفصل،الذي يساهم فيه الوصف الروائي المحكم والمعتمد على دراية مفصلة بفن الرواية مسندة ببلاغة لغوية عالية المستوى، ويعمل المؤلف هنا على استحضار كل ادواته المعرفية لكتابة عمله، والفعل الروائي هو فعل فردي في الواقع، بمعنى ان الرواية يكتبه اشخص ما فيظل ظرف ما،استدعاه لهذه الكتابة،ظرف الكتابة يساهم بشكل كبيرفينجاحهذهالروايةاوفشلها،لذلكلاتأتيكلالرواياتبذاتالمستوى،وبالتأكيدليسهذاهوالسببالوحيدفيذلك .
اذن نحن امام متخيل فردي، يجسد على الورق، ويبقى تحديد جماليات هذا المتخيل من عدمه خاضع لنوع القارئ الذي يقرأ الرواية، ورغم تفنن كاتب الرواية بوصف المكان،الزمان،الشخصيات،حد الاسهاب احيانا،محاول ااضفاء اكبر قدر من الجمالية على مايكتبه ويصفه، الا ان الامر في الاخر يخضع لمزاج القارئ،فمثلما هنا كمن يحب البحر او القرية،او الثلوج،او الصحارى،هناك بالتأكيد من لايحبها . ونتيجة ثنائية الحب و الكره هذه،يختلف المتخيل،و بالتالي يختلف مستوى الاعجاب بهذه الرواية او تلك .
الامر مختلف في الفيلم لان المبنى الحكائي الفلمي لهو سطيه التعبير المختلف، وهو الصورة،وبناء جماليات الفيلم هنا،لاتعتمدعلى صانع واحد فهنا كفريق عمل متكامل، يعمل على انجاز النص الفلمي المتكامل و اخراجه الى الجمهور بصيغته النهائية التي يشاهدها الجمهور .
الوسيط التعبيري الصورة، هي التي تحتوي كل الجماليات التي حاول صانعو الفيلم رسمها بدقة، فعناصر اللغة السينمائية تعمل هنا مجتمعة لإظهار هذا المبنى الجمالي ” عناصر اللغة السينمائية بتعريف بسيط هي كل ما يحتويه الكادر السينمائي ” .
لذلك يحد الفيلم وبشكل كبير منسعة المتخيل الروائي، من خلال وضعه ضمن كادر من صور متسلسلة ومتحركة، تضع الزمان والمكان والشخصيات امام المتفرج، ولامجال هنا لتخيل كل هذه الاشياء .

ولكن الا يخضع النص البصري الى تأويل، اي تأويل ما وراء النص الفلمي،بالتأكيد نعم، فالنص البصري يحمل دلائل ورسائل ورموز،يحرص صانعو الفيلم على ايصالها للمشاهد،الامر الذي يعني بقاء المتخيل في هذا النص، رغم وجود الصورة، فالصورة الايقونية لها دلالاتها، وان اختلفت من شخص لأخر، وبالتالي نحن امام متخيل جديد، غيرالمتخيل الذي توفره الرواية،وبالتالي فان جماليات المتخيل الروائي هي غير جماليات المتخيل الفلمي .

المتابع لردود افعال العديد من الروائيين على تحويل رواياتهم الى افلام،يلاحظ عدم الرضا الكبير على ذلك،والاسباب واضحة، فلايمكن لأي نص بصري ان يضاهي الخيال الكبير الذي كتب الروائي روايته من خلاله .

الكاتب الكبير نجيب محفوظ الذي حولت معظم رواياته الى افلام سينمائية، بموافقته طبعا،لم تحض معظم تلك الافلام على رضاه،فهو يرى ” زقاق المدق ” غير زقاق المدق الذي وصفه في روايته،وشخصية ” سي السيد ” غير ” سي السيد ” في ثلاثيته الشهيرة،بين قصرين،قصرالشوق،السكرية،رغم ان السينما المصرية ساهمت وبشكل كبيرفي الشهرةالتي حققتها روايات محفوظ .

روايةالكاتب محمدشكري ” الخبز الحافي ” تلك الروايةالتي اثارت ومازالت لغطا كبيرا ومنعت في معظم الدول العربية،لم يوافق محمد شكري على تحويلها الى فيلم،رغم تقدم الكثير من الجهات الانتاجية السينمائية الاوربية بطلب تحويلها الى فيلم سينمائي،خلال لقائي بالمخرج رشيد بالحاج،سألته عن كيفية موافقة الروائي محمد شكري على تحويل روايته الى فيلم،اجاب : وافق بعد ان اشترط علي،ان يختار مواقع التصوير بنفسه،وبقيت معه ستة اشهر هي مدة كتابة السيناريو لأنه اراد الاطلاع على السيناريو اولا بأول .
هذا ما يؤكد قلق الروائي من تحويل منجزها ونصه الروائي الى نص بصري، هذا القلق نابع من خوفه على فقدان المتخيل الجمالي الذي اجتهد في وضعه،والجمالي هنا ليس خاضع لتعريف الجمال السائد بالتأكيد .

لا تعليقات

اترك رد