إنفعالية التجسيد التشكيلي عند الفنان كاظم حيدر

 

لابد من الإشارة هنا، بأن مكنونات الأثر الإبداعي لدى الفنان، أو صفة الإبداع بشكل عام وبتنوعاته المختلفة، لابد من إرتباط تلك التحليلات بمدى أبعاد العمق السايكلوجي له، حيث تتجسد انعكاسات الذات الباطنية عبر مراحل الزمن، على تركيبة الصيغ التكوينية للمفردات، بدءا من الجزئيات وانتهاءا بنتائج الصيغ النهائية للتركيبة – النصية – للتكوينات التشكيلية، وهنا تكمن الأهمية كلما تزداد متطلبات تلك الضرورات الأساسية، كلما تطلب الأمر الإستعانة بوسائل الإقتراب لمعونة التفسير، ونحن من خلال معايشتنا له كأستاذ عاصرناه أبان السبعينيات وبداية الثمانينيات، قبل رحيله المفاجيء عام 1985 ، تلك السلوكيات تفصح لنا عن توافق نتائج المضامين الفكرية مع تركيبة سلوكياته النفسية، إنها سلوكيات نكران الذات، وطيب المحبة، وتجاوز حب الأنا، مقارنة مع بعض أقرانه، وهي صفة قد تحصل عند أوساط المنافسات الإبداعية، لقد كان الفنان التشكيلي – كاظم حيدر- من خلال قراءتنا التحليلية لأعماله التي تجمع بين الواقعية والتجريد، فيها دفق من تجسيد إنفعالات مباشرة في اللوحة ، دون وازع من التراخي والتأني والهدوء البارد للأعصاب، يتجسد ذلك في تركيبة الألوان بطريقة فرشها الواسع والجريء والحاد في النطق الإشاري والتموج، وكذلك نفس الأمر ينطبق على حركة الخطوط الحادة في مسار اتجاهاتها أو قياسات سمكه، أو,حدة نطقها الأنفعالي، سواء بفواصل المساحات، أو تداخل بعضها البعض، إن تركيبة الصيغ التكوينية للمفردات بدءا من الجزئيات وانتهاءا بنتائج الصيغ النهائية في المضمون التراجيدي, هو إستجابة لهواجس كامنة في الذات، حيث يجسد أحداث مثيرة تاريخية – واقعة الطف ، أو معاصرة مثل إنتكاسة عام 1967، ولكن بصيغة تنفيذية خارجة عن المألوف التقليدي، كما إن الأمر ينطبق على إختيارات لأساطير مثيرة للإهتمام، أما في مايخص إمتلاك حرية التعبير بالإضافة أو التحوير للمفردات، فإنها تكمن في الذات بشكل مبكر، على سبيل المثال عندما قام الأستاذ محمد صالح زكي بتكليف طلبته رسومات واقعية، فكان للفنان – كاظم حيدر- صيغة مختلفة لرسم سمكة مستديرة الحركة، مقارنة مع أقرانه الذين رسموها بشكل طبيعي، إذ أوضح مغزى تلك الحركة الإضافية هي ديمومة الحياة لها، في الوقت الذي، نادرا ماتوضع حركات الإضافة لمحاكاة الطبيعة أو مختلف الكائنات الحية ، خاصة في تلك المرحلة من العمر،

من ذلك نستنتج إن بدايات التفرد والوحدانية في إختيارات الصيغة الأسلوبية والمضامين، تتزامن مبكرا داخل الذات المنفتحة الفاعلة في الوعي الإدراكي منذ النشيء المبكر، إلى مراحل النضوج المتطور، وبرغم وحدانية الجذور للميول والتفكير، إلا إن رؤيته من خلال الحورات تؤكد بتنوع مرحلة الشباب الذي يجعل الفن ضمن اطار التمتع حتى في تراجيدية المضامين عن مرحلة الوعي المتجانس مع شدة الأحداث، وفي إطار آخر يرى إن الفن هو نوع من اللعب الذي يمتلك الإحساس بما يراه – كروتشه – والخبرة كما يراها – جان ديوي – إذ يحمل أهداف إجتماعية وسياسية يرتبط بالنفس والإنسانية، لقد كانت مميزات الفنان التشكيلي – كاظم حيدر – هي الخروج عن نطاق النص الفكري للمضمون من خلال إدخال تغيرات في صيغ الإسلوب الادائي للأعمال كأظافة مفردات من مواد غير فنية للعمل الفني، كساق شجرة، أو طوق المغزل، والخيوط، وفي كلا الحالتين والمراحل يكون هنالك انشداد متفاعل مع ديمومة العطاء الإبداعي، وهو ما يتوافق مع رأي الكاتب – هربرت ريد – بقوله – الفن تعلق دائم ,ومن الملاحظ ان اعماله التعبيرية في بنية تركيباتها تتكون من حافات متناوبة الاعمدة في الطول والافق بشكل تماثلي متناوب وبايقاع متكرر,والامرلايقتصر على النهايايت الخارجية ,وانما بواطن تلك التكوينات بهذه الصيغة تتناوب تاملات المتلقي بتلك البنية التكوينية ضمن مراحل الشد والتنقل عبر تموجات متضادة ومتناوبة ,ان تلك الايحاءات تتناسب مع مفاهيم الاحداث التراجيدية الانفعالية

– مراحل الإنجازات –
الفنان التشكيلي – كاظم حيدر – كانت بداية إنجازاته المجسدة لإمكانيته المتميزة والقريبة إلى النفس هي بداياته مع المسرح عام 1950مع الفنان حقي الشبلي مخرج مسرحية – يوليوس قيصر – وغيرها من المشتركات منها مع الفنان الرسام نوري الراوي الذي تجسد بتصميم ديكور البالية – جبيزيل – وكذلك مع الفنان جواد سليم في مسرحية – أوديب – وكذلك إشتراكه مع الفنان فائق حسن ديكور غرفة الفنان – فان كوخ – وكذلك مع الفنان إسماعيل الشيخلي ضمن ديكور لمحة شعبية في أعوام 1950- 1954، إلا إن رؤيته قد تحولت بعد دراسته فنون الرسم والديكور المسرحي والسينوغراف في الكلية المركزية في لندن، بعدتخرجه منها هام 1962 وأصبح من أهم مصممي الديكور وخاصة المسرحيات الشعبية منها – القربان – والنخلة والجيران 1969وديكور – المفتاح – ومسرحية الشرينة – ليوسف العاني، هنالك صفة تميزه باشارات النطق التعبيري والتطبيقي هو التأكيد على أهمية الإنسان كعامل رئيسي وفعال في مضامين التكوينات الفنية للأعمال،

كما إن الحياة والموت شكلت لديه عامل مهم في جدلية التفكير، ولقد هاجس الألم، منذ إصابة والدته بمرض – اللوكمبيا – الذي توارثه هو الآخر في أزمته الصحية، ولقد كانت أعماله الأخيرة أبان أزمته الصحية هي تجسيد تعبيري شديد الألم وصخب حدية الألوان والخطوط التي تمثل الأوردة والشرايين والخلايا والتفاصيل التي تختبيء تحت جلد البشر، عكس ما يجول في الأمور السائدة لنطق اللغة التشكيلية ، الرسم والنحت على الغطاء الخارجي للأجسام البشرية، قد تتجسد في حالة الإستقرار الصحي، أو تجسيد مظاهر المشاكل الإجتماعية خارج نطاق الأزمات الصحية، وفي مجال آخر قبل هذه الأمور كان يجسد سيف ذو الفقار، وكذلك واقعة الطف، وبشكل عام أعماله مضامينها تتناحر مع موجة الظلم في كل زمان ونوع، إذ عالج في مضامين أعماله فكرة الخير والشر والمأساة في أبرزها ، وتركزت بمجموعته المؤلفة من 40 قطعة من الخامات الملونة بالزيت وبالقياس الكبير، ولقد تجسدت تجربته الأسلوبية الفنية للميل إلى التكعيبية والاختزال، مستوحيا واقعة الطف بمعرض منتصف الستينيات – ملحمة الشهيد – على سبيل المثال وجود خطوط وهمية تمثل منظور خيالي، إذ جردها من واقعيتها ليشير فيها إلى المتلقي، كما إن أعماله تتسم فيها تشكيلات مسرحية ذات قيمة تعبيرية عالية كما في – صورة الموت – في الموروث العربي الإسلامي، ويضاف إلى تلك الإنجازات المهمة كتابه – التخطيط والألوان – الذي يعتبر مصدر ومنهج دراسي مهم ضمن الإختصاص التشكيلي، وليس الرسم تحديدا، لأنه يأخذ مديات عناصر وأسس الفن التشكيلي بشكل عام .

المقال السابقما بال ليلي يتوجع
المقال التالىمسلمة ماضية كالسيف
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد