زهير حضرموت…تصوير اللحظات الهاربة

 

منذ ما يقارب العشرين عاماً، يعمل زهير حضرموت بصمت وهدوء في مدينته السورية حماة، متفرغاً لعالم الرسم والموسيقى، ومنذ ذلك الزمن يصور عوالمه الفنية من خلال شخصيات شكّلها بتعبيرية محوّرة تتناول الحياة اليومية بمفرداتها البصرية، مؤكداّ على محلية البيئة الحموية من مظاهرها وتقاليدها، كما يصور العديد من اللحظات الإنسانية والأمكنة.

اللغة التشكيلية:
يعمل حضرموت بروح عالية العفوية والبساطة حيث تأتي الشخصيات والتكوينات بانسيابية، يبدو عليها الحس التعبيري الموسيقي والتناغم في الحركات والعناصر، وكأنك أمام مقطوعة بصرية موسيقية. عالم الفنان حضرموت غني بالتفاصيل لا يعير اهتماماً للمنظور التقليدي ولا التشريح الواقعي، يلعب بالنسب والمكان مستعيراً هنا بعضاً من عين الطفل وعين الفطرة.

منذ معرضه في مطلع التسعينات من القرن الماضي في صالة نقابة الفنون الجميلة وهي البداية منذ عودته من تلفزيون جدة عازفاً، يؤسس حضرموت لخط بصري واضح المعالم وأسلوب جديد أعطى انطباعًاًجديداً في المشهد التشكيلي السوري، أقام فيه كوناً خاصاً استمد فيه محلية البيئة الحموية بموروثها كمعرض “العرس الحموي” بكل تفاصيله، في بانورامية تتمتع بالحنين والنوستالجيا. ثمة حكاية لونية وخطية وذاكرة غنية عبر أكثر من عشرين عملاً عرضهم في دمشق عام 1987. اعتمد حضرموت في لغته التشكيلية على التحوير المبسط الذي لا يخرج عن الواقعية بكثير، لكنه يغير من البناء الواقعي للشكل، فيقيم نوعاً من التداخل للكتل ويرمي في فراغها عناصر ومفردات بصرية ، في العموم، خطوط الكتلة عنده تأتي بانحنائية بعيدة عن الهندسية الصارمة، لنكون أمام عمارة موسيقية حالمة للوحة.

في أعماله إيقاظ للمشهد، وإيقاع تسمع في جوانيته موسيقا خاصة كأنه يعزف، لا يرسم فقط. وتعينه في حاضرته الذهنية ذاكرة بصرية لايمكن أن تترك التفاصيل العادية التي ينقلها على سلمه الموسيقي اللوني ليجعل من يشاهد اللوحة يكتشف تفصيلاً كان يراه كثيراً ولكنه يحبه الآن أكثر. في كثير من لوحاته حشد لوني لكنه ليس ثقيلاً على لوحة القماش، بل كل زاوية فيها تبدو وأنها علامة موسيقية في معزوفة على كمانه الذي يحب. ورغم كتلة الحنين التي تحملها أعماله، إلا أنها تحتفي بالبهجة والحياة في ألوانها وإيقاعاتها وحتى طريقته الخاصة في ضربات الفرشاة التي قد لا تختلف كثيراً عن عصا العزف على الكمان الذي أبدع في العزف عليه.

في أغلب موضوعاته هناك شخوص يأخذهم من حياتهم اليومية، ويصورهم في لحظاتهم الإنسانية المختلفة، فيعمل على الجوانية الإنسانية وعلى التقاط اللحظة الهاربة. ويميل حضرموت في مراحله الأخيرة نحو الثراء اللوني ويدخل عناصر جديدة، كالجرار والزهور والبحرة يوزعها في ساحة الدار ولا يخلو ذلك من بعض الحمائم والعناصر الأخرى. تتكثف ضربة الفرشاة اللونية بتنوع لوني كبير تغني شاعريته الموسيقية. زهير حضرموت ومنذ تخرجه من كلية الفنون الجميلة أقام العديد من المعارض في سوريا وخارجها وأخذ شهادة تقدير من وزير الثقافة في الشارقة عام 1995، ومثل سورية في السمبوزيوم الدولي في بيروت واشبيليا. له مؤلفات موسيقية منها لحن أغنية (ضاع عمري) للشاعر الحموي المعروف وليد قنباز، وسابقاً كان عازفاً في فرقة تلفزيون جدة.

المقال السابقمهمتنا
المقال التالىزوجة بهزاد
سامر اسماعيل.. فنان تشكيلي وكاتب.. اكثر من عشر معرض فردية في سوريا والخليج وأوروبا..يكتب في الصحافة السورية والعربيه/تشرين .العربي .الحياة التشكيلية .جريدة الفنون.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد