لماذا يلجأ تلاميذنا الى الغش في مدارسنا ؟


 

ان مشكلة الغش تعد من أخطر المشاكل التي يواجهها التعليم في تونس , ولاشك لها آثار سلبية على مستوى التعليمي للتلميذ وعلى تطور المجتمع وازدهاره . فهدفنا من طرح هذا الموضوع في هذا الظرف بالذات , الذي يتزامن مع انتهاء فترة امتحانات السداسية الأولى من هذه السنة الدراسية واقتراب الامتحانات الوطنية والنهائية (البكالوريا) , هو لفت انتباه الأولياء والمتعلمين والمربين الى خطورة هذه الظاهرة على الحياة المدرسية ومصداقية التربية والتعليم ببلادنا .
لقد عرفت المدرسة التونسية مسارا تصاعديا لظاهرة الغش , بل أصبحت أحيانا مكسبا عند الكثيرين وحقا من حقوق المتعلمين , لذا تجاوز الغش كل الحدود وانتشر ليشمل كل الامتحانات ويصبح ظاهرة متفشية في صفوف التلاميذ , فهي عملية يقوم بها التلميذ لنقل اجابة أسئلة الامتحان بطرق غير شرعية سواء بالنقل من زميله , أو من ورقة معدة مسبقا ,أو باستخدام آلة . وباعتبار تلك الممارسة افسادا لعملية القياس والتقويم التربويين والتي هي جزء من فلسفة التربية , حيث يسعى النظام التربوي الى تحقيق أهدافها في تكوين المواطن الصالح المنتمي لوطنه والمتحلي بالقيم الانسانية والمساهم في تنمية مجتمعه وبيئته , فلابد من معالجة هذه الظاهرة والحد من آثارها . فلماذا يغش متعلمونا ؟ وماهي آثارها على مستوى التحصيل الدراسي للتلميذ وعلى المجتمع ؟؟؟
لقد درجت معظم أنظمة التعليم على اجراء امتحانات رسمية للانتقال من مرحلة الى مرحلة أعلى في السلم التعليمي , أو للدخول الى الجامعة . لذلك تستقطب هذه العملية جهود المربين والوزارة وتستأثر باهتمامات التلاميذ والأولياء استئثارا كاملا , فتسبب القلق والخوف من الرسوب , ومن هنا أصبح الامتحان غاية لا وسيلة , فأدى ذلك الى انتشار الغش في الامتحانات , وهو نوع من التحايل والخداع الذي يستعمله المتعلم مهما كان مستواه أثناء الفروض , الاختبارات والامتحانات للاجابة على الأسئلة قصد الحصول على نتائج جيدة وضمان النجاح . ويعتبر هذا السلوك لا فقط مظهرا من مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية فحسب , بل تخريبا لعملية التقييم والغاء لأهدافه في نطاق التحصيل الدراسي . فالتلميذ يفترض منه الاعتماد على نفسه وقدراته الشخصية في أدائه للاختبارات والفروض , مبتعدا على كل أنواع الغش الذي يعد شكلا من أشكال الخيانة , تتعارض مع قيمة الأمانة وغيرها من القيم الانسانية . وبالتالي هو سلوك لا أخلاقي يمس بآداب التعلم وبمصداقية التعليم وله انعكاسات سلبية على مستقبل الدراسي للتلميذ , حيث يشوه مستواه الدراسي الحقيقي ونجاحه في مساره الدراسي مشكوك وغير مضمون , نتيجة فقدانه للقاعدة الأساسية في المواد التعليمية التى درسها , وهذا ما يفسر أحيانا مفاجأة الأولياء لنتائج أبنائهم حينما تنخفض بشكل ملفت للانتباه من التعليم الأساسي الى التعليم الثانوي في بعض المواد الأساسية وتراجع معدلاتهم . كما ينمي الغش لدى المتعلم روح التكاسل والتهاون وعدم الاجتهاد في الدراسة والاعتماد على الغير , وهو ما بجعل سلوكه الاجتماعي والأخلاقي عند سن الرشد وعند تقلد المسؤوليات , له قابلية للتحيل والغش .
اضافة الى ذلك , لهذه الظاهرة انعكاسات على منظومتنا التربوية , حيث تساهم في تدني وضعف المستوى الدراسي وتكريس الرداءة وفقدان مصداقية شهادات المدرسة التونسية .
واذا كان الغش منتشرا بين التلاميذ في مدارسنا , فان السؤال الذي يطرح نفسه : لماذا يغش متعلمونا في الامتحانات وماهي الأسباب التي تدفعهم الى القيام بهذا السلوك غير المقبول ؟؟من خلال بعض الدراسات والملاحظات والمتابعات الميدانية , يمكن ذكر الأسباب التي ساعدت على انتشار الغش المدرسي , وهي كثيرة ومتعددة , بعضها مباشر وبعضها غير مباشر . فالكل يقر بأن الفساد بكل أنواعه ( الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية …) أصبح مستشريا بشكل عادي في بعض مؤسساتنا ومنظوماتنا الخدماتية والمجتمعية بصفة عامة , دون تكريس ثقافة المحاسبة والعقاب , والكفاءة والمساواة وتكافؤ الفرص وترسيخ قيم المواطنة المسؤولة والمحبة لوطنها ومواطنيها . ولا ننسى أن التلميذ عضو من هذا المجتمع ويتفاعل معه سلبا أو ايجابا , وبالتالي يعيد فقط انتاج ثقافة الفساد السائدة داخل المدرسة بأشكال تربوية ليس الا !!!
الى جانب ذلك , هناك أسباب أخرى مرتبطة بالتلميذ منها : عدم أو قلة المذاكرة الجيدة , الرغبة في تحقيق نجاح دون مجهود , الظروف الأسرية , عدم اهتمام التلاميذ أثناء الحصص الدراسية , كثافة الصفوف الدراسية وضعف مستوى التلاميذ, محاولة الحصول على علامات نجاح عالية , تقييم أكثر من الاختبار في يوم واحد , عدم الثقة بالنفس والارتباك والخوف من الامتحان , عدم فهم المادة الدراسية وعدم الشعور بالمسؤولية , وخاصة ضعف الرقابة والاشراف أثناء تأدية الامتحانات .
ولعل كلما تتنوع الأسباب والدوافع التي تكمن وراء حدوث سلوك الغش , فانه تتنوع أيضا الأساليب والأدوات التي يتبعها التلاميذ لدى قيامهم بالغش . والثابت أن هذا السلوك بصفة عامة , طال مجالات شتى في مجتمعنا , لكن من أخطر أنواع الغش هو في المجال التربوي والتعليمي , لعظيم أثره على تلاميذنا ومجتمعنا ككل .
لهذا لابد من معالجة هذه الظاهرة والقضاء على أسبابها , مع اعادة النظر في المناهج والبرامج والكتب المدرسية , واعادة الاعتبار للمدرس والمتعلم والمدرسة , وتحسيس هؤلاء جميعا بالأهمية التربوية والبيداغوجية للامتحانات والاختبارات ودورها في تقدير المستوى الدراسي ومعرفة جوانب النقص والقوة , وبخطورة ظاهرة الغش على المستوى العلمي والمهاري والشخصي للمتعلمين , باعتبارها جزء من ثقافة الفساد السائدة اليوم في مجتمعنا .
لذا لا اصلاح حقيقي دون محاربة الفساد بكل أشكاله المجتمعية بما فيها التربوية , ودون العناية الجدية بالظروف الاجتماعية والمهنية للمربين , ودون توفير الشروط الصحية والضرورية لمدرسة عمومية مواطنة وجيدة , ودون تكريس لتقييم الاستحقاق والمحاسبة على الجميع .

لا تعليقات

اترك رد