نعمة ونقمة.. عن الفن اتحدث ….


 

أعطني مسرحا وخبزاً اعطيك شعباً راقياً عظيماً .. مقولة رائعة للفنان العبقري ويليام شكسبير .. فالفن هو مرأة الشعوب ويقاس تقدم أي مجتمع بالفن الذي يقدمه ومن خلال الفنون تقاس حضارات الشعوب ورقيها.

إن الفن يعكس واقع الفرد والمجتمع وأحلامهما وتطلعاتهما على شاكلة صورة مرئيّة نرى من خلالها الآمال والطموحات التي طالما تواخاها الإنسان.

ويشكل الفن أهمية تعبيرية قصوى بما يملك القدرة على التأثير المباشر في حياة الأفراد والأسرة والمجتمع قاطبة ،ناهيك عن تأثيره المباشر في الحياة الاجتماعية والسياسية وحتى الإقتصادية ، وبهذا يتحول إلى لغة تفاهم فعالة في المجتمعات البشرية بأسرها.
ظهر الفن منذ البدايات الأولى لوجود الأنسان عبر الرسوم والتماثيل التي كانت بمثابة دلائل لاستخراج ما يكنه أعماق البشر من خوف و فرح أو جوع وترف، وظهر ذلك جليا في الحضارات القديمة كالحضارة البابلية والفرعونية حيث تم العثور على رسوم وتماثيل ما زالت موجودة ليومنا هذا كدليل على ممارسة الفن في مختلف أشكاله في الحضارات البشرية.

تعتبر الفنون البدائية التي ابتكرها الإنسان، كتلك التي ظهرت في وادي الرافدين والحضارة المصرية وتلتها الفنون الإغريقية والرومانية والمتمثلة بالفنون الكلاسيكية ثم الفنون البيزنطية في القرن الرابع الميلادي بنشأة القسطنطينية التي سبقتها بتطور كبير في العصور اليونانية والرومانية اللاحقة، ثم جاءت الفنون الاسلامية المتمثّلة بالزخارف والموسيقى والشعر حيث ظهرت نخبة من الشعراء الذين أنشدوا أجمل القصائد حول مختلف قضايا الفرد والجتمع، على سبيل المثال لا الحصر حسان إبن ثابت شاعر الرسول الذي رفد العقيدة بقصائده وأشهرها قصيدته المشهورة “طلع البدر علينا”.

وتطورت الفنون البشرية بشكل لم يسبق له مثيل في عصر النهضة في أوروبا في الفترة ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي وساهم الفنانون في هذه الحقبة الزمنية في تبلور الإتجاهات الواقعية بدلاً من المراوحة في الموضوعات الميتافيزيقية فقط ، وتغلب عليها الصياغات الرمزية في تصوير مشاعر البشر في روح درامية . وإستمر هذا التطور إلى العصر الحديث حيث بات الفن ينحاز للإنسان وطموحاته المشروعة.

واليوم يظهر التأثير المباشر للفن في حياة الناس وسلوكيات المجتمع، سلباً أو ايجاباً ويلعب دورا حاسماً في إبراز قضايا الشعوب . الى جانب ذلك فإن هذا التأثير المباشر للفن على المتلقي قد يضع على عاتق الفنان ، قدر كبير من المسؤولية، تحتم عليه أن يعي خطورة المضمون الذي يقدمه لشرائح المجتمع بكافة مكوناته من الاطفال والشباب إلى الكبار في السن ، فكل ما يقدمه الفنان من عمل سلبي أو إيجابي ينعكس مباشرة على هذه الشرائح ، وبالتالي يلعب دورا ملموسا في تحديد نمط سلوكياتهم ، لهذا يعتبر الفن هو اللبنة الاساسية في تكوين البعد الفكري للمجتمع ووعي مكوناته تجاه ما يدور من حولها، كما إن أي خلل في المجتمع أو فساد أو جهل يكون للفن حصة في تحديد مستواه. لذا بات من الضروري أن يعي الفنان مسؤولياته من خلال ما يقدمه لأنه بإمكانه أن يزرع القيم والمبادئ والاخلاق والتربية من جهة وتقليل الفاصلة بين الإنسان وطموحاته من جهة أخرى ليكون مثالا مشرفا يحتذى به .
وللأسف الشديد نرى بأن من يملك المال والسلطة يملك القوة ، لذا فهو من يتحكم في تحديد إتجاهات الفن ليفرغه من محتواه الإنساني مستغلا تلك الرسالة السامية و الإنسانية كوسيلة لبسط نفوذه ، وبهذا يتم تحويل الفن إلى عامل تخدير بدلاً من أن يكون عامل توعية وتثقيف وإرشاد . وبالتاكيد اول ضحايا هذا التصرف السلبي المتعمد هم الشباب الذين يتم استقطابهم عن طريق أعمال إغرائية مبتذلة غايتها الكسب المادي او الحشد السياسي لصالح أصحاب المال أو السلطة ، وبهذا تسقط الفنون في وحل الإبتذال بدلا من المساهمة في خلق اجيال واعية فكرياً واخلاقيا بإبتكاراتها وملتزمة بمبادئها ومسؤولة تجاه قضاياها المصيرية.

وهنا يأتي دور المثقفين الملتزمين في نقل طموحات المجتمع وآماله الكبيرة إلى الوعي الجماهيري ، ولتلعب الشعوب نفسها دور المراقب من خلال إختيارها للفنون التي تحمل رسالة إنسانية وترفض الفنون الميسرة بهدف خدمة المال والسلطة.

اذن بات من الضروري وضع آليات تحدد من خلالها الظواهر السلبية وتفرزها من الإيجابية لتحمي المجتمع من كل رديء يسيء للمبادئ والقيم والأخلاق .

وبالمقابل ثمة مسؤوليات أكبر على السلطات التي تحمل على عاتقها مسوؤلية إدارة المجتمع أن تفسح المجال للفن الذي يعمل على زرع الحب والاخلاق والسلام بين شرائح المجتمع عن طريق دعم الرقابة الشعبية المشددة لتنقية الفن من الشوائب الدخيلة عليه.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ….
وللحديث بقية

15 تعليقات

  1. فعلا.. و للأسف الفن فى الوطن العربى اصايب بنفس الفيروس الذى اصاب المجتمع. واصبحت النتيجة بينهم طردية فكلما زادت و انتشرت الاعمال الفنية التافهة و العقيمة فى محتواها زاد المجتمع تفاهة و انحدرت اخلاقة . و العكس ايضا يأثر المجتمع بتصرفات افرادة على تفكير من يستغلون تلك الظروف لزيادة ثرواتهم و تقديم محتوى اما تافه او يعتمد على العرى و الالفاظ البزيئه. تحت شعار او مبرر ان ما يقدم هو انعكاس للواقع و محاولة التركيز على المشكلة فى المجتمع . ولكن طبعا كل هذا مجرد تبريرات و الموضوع مجرد اكل عيش ..
    واخيرا هنا نظرية تقول ان الشئ الذى تركز علية يذيد ويتسع من نفس النوع .. اذا ركزنا على الأشياء و السلوكيات السلبية تزيد . واذا ركزنا على السلوكيات الإيجابية تذيد . وشكرا .. تحياتى مدام ليلى موضوع رائع

  2. الاستاذة الكاتبة كما انتي جميلة في اختيار موضوعاتك وكتاباتك الراقية والمتنوعة وصاحبة قلم متميز في الملفات السياسية والثقافية وايضا الفنية ………. صحيح أعطني مسرحا وخبزاً اعطيك شعباً راقياً عظيماً .. مقولة رائعة للفنان العبقري ويليام شكسبير .. الفن هو مرأة الشعوب وهذا الامر يتضح جليا في عالمنا العربي لذلك عندما ارادوا ان يدمروا هذه الحضارة ضربوا امن الدول العربية بداعش وغيرهم من الارهابيين والمرتزقة مثل القاعدة وجبهة النصرة ليدمروا كل اسس الحضارات العربية الاسلامية في العراق وسوريا وافغانستان وغيرها من الدول العربية تحت مسمى الجماعات الاسلامية وهي بعيدة كل البعد عن الاسلام بهدف تشوية الاسلام والقضاء على حضارات شعوب المنطقة …..اضافة الى ذلك عدم اهتمام الدول باصحاب الفكر والقلم من الكتاب والمبدعين في عالم الثقافة والفن وترك المجال الى تجار لا علاقة لهم بالفن سوى تقديم كل ماهو مقزز وبعيد عن الواقع مثل حال السينما في مصر والعالم العربي في العقود الماضية عندما كانت السينما راقية ايام الافلام الابيض والاسود واليوم بعد ان اصبح منتجي السينما جزارين وبلطجية ومدمني مخدرات الذين اصبحوا مع الاسف المثل الاعلى للشباب والاجيال الجديدة بدلا من عمالقة الماضي من مبدعين وفنانين وعلماء وابطال ضحوا بحياتهم من اجل اوطانهم

  3. الفن اصبح أرخص وسيلة للحصول على المال والشهرة دون رقيب
    اشكرك استاذة ليلى على هذه المقالة
    تحياتي

  4. فعلا عزيزتي أحسنت الطرح.. الفن لم يعد وسيلة من وسائل التنمية ومعالجة المشكلات ووضع الحلول لها بل أصبح يسير بوجهه غير أخلاقية.. لكن هناك بعض الفنون ظلت محافظة على قيمتها الفنية.

  5. لو تحدتنا عن الفن فهو شي رائع بكل المعاير بشرط ان يكون فن حقيقي واليوم لو تأملنا كل مايقدم تحت مسمي فن نجد انة قليل ماينطبق علية هذة المقولة والكثير سطحي وممل والهدف منة الكسب المادي فقط ومثل هذة النوعيات لا تدوم طويلا وتذهب مع الريح لانها سلعة رخيصة ليس لها اي قوام. فشكرا للكاتبة لانها تدكرنا بما هو افضل وحتي لا تاخدنا هذة الاشياء. وعلينا دائما ابدآ ان نبحث عن كل ماهو حقيقي.

  6. كل المحبه والتقدير اعلاميتنا المبدعه والمتألقه دائما في نشر مواضيع مفيدة وجميله تحياتي ومحبتي

  7. كل المحبه والتقدير اعلاميتنا المبدعه والمتالقه دوما ليلى عيسى على اختيار مواضيع مهمه وجميله تمنياتي بالتوفيق والنجاح المتواصل

  8. المقولة هي : إعطني خبزاً و مسرحاً، إعطِك شعباً واعياً .. هذه هي المقولة المنسوبة الى برخت ( المسرحي الألماني التقدمي) و لم يقلها شكسبير أبداً. و من ناحية أخرى، و السيدة ليلى ( ليسانس لغة عربية)، كان عليها أن تنتبه الى أن جواب فعل الأمر يكون مجزوماً كفعله، فيكون الجواب ( أعطِك) و ليس ( أعطيك) .. تحياتي ..

  9. اشكر الاستاذ عادل على مروره وانا سعيدة جدا بملاحظاتك، ولكني أنوه لحضرتك انني استخدمت في المقولة فعل الامر اعطيني وبالتالي الجواب لابد ان يكون اعطيك ولو كنت قد استخدمت فعل الامر اعطِني المبني على حذف حرف العلة حينها كان لابد من استخدام جواب الفعل المتمثل با اعطِك .. هذا بالاضافة الى اننا في المقال بصدد الحديث عن الفن وباعتبار المسرح ابو الفنون فانا تطرقت للمقولة المشهورة عن المسرح بغض النظر عن قايل المقولة ..
    أكرر شكري وامتناني لك استاذي الكريم .

  10. احسنت يا استاذة لاختيارك لهذا الموضوع وفعلا الفن كما هو نعمة فهو نقمة خصوصا في زمننا هذا وأزيد بأننا في زمن المسخ والفن المزيف

  11. الفن الهادف الذي يبرز سلبيات المجتمع وحلها الفن الذي هو مراءه للمجتمع والذي يخاطب كل شراءح المجتمع وليس فصيل واحد ويعبر عن طموحات الافراد وليس ترفيه واثاره الغراءز
    كلما ارتقي الفن كان صوره لرقي المجتمع

  12. تغير الفن الجميل وأصبح سلعة رخيصة في كل أكثر الفنون ولم يعد.فنا جميلا يشار إليه بالبنان. .

  13. أن مقولة ، إعطني مسرحاً وخبزاً …… أعطيك شعباً راقياً وعظيماً ، هي من المقولات المهمة والهادفة التي قيلت عن الفنون المسرحية حيث ان الفن المسرحي هي اكثر الفنون قرباً من حيث الزمان والمكان والموضوع بين الفنان والمتلقي ، ولقد اختلفت الآراء على انتساب هذه المقولة لشخص بعينه حيث تفاوت بين شكسبير وبرخت وافلاطون ، وأيٌ يكن قائلها فهي تدل على عزم وأرادت وأصرار ورقي قائلها، ( على قدر أهل العزم تاتي العزائم ….. ) .
    أن الفن هي عبارة عن موهبة وجدت في اشخاص مبدعين دون غيرهم ، عملوا على الربط بين الابداع الخيالي والرقي في الجمع بين الكمال والجمال ، وإيصال كل ذلك بأبها صورها الى الأشخاص المتلقين ، وكما ان الماء والهواء هي حاجة لأستمرار الحيات ، فأن الفنون هي حاجة ايظاً ، وكما قيل في الموسيقى انها (غذاء الروح ) .
    ان العلاقة بين الفنان والمتلقي باقية ، طالما استمر الفنان في ابداعه وتقديم الجديد والاحسن ، وما نشاهده هذه الأيام من فنون واعمال نراها نحن غير هادفة ورخيصة احياناً ، هم يرونها عكس ذلك وهم يحضرونها في حفلات الساحات المفتوحة باعداد كبيرة ويتراقصون على انغامها وهم سعداء فرحين ، فهذا زمانهم ومكانهم وحتى اذواقهم ، ونحن ايظاً كان لنا زمانا ، وبقيت اذواقنا ترجع بنا من حين لآخر الى ذلك الزمن الجميل ، زمن الفن الراقي والهادف والمعبر والى الطرب الأصيل وسنبقى عليها ما دمنا موجودون.
    ان الهدف من التعليق على المقالات ، ( ايٌ تكن تلك المقالة وصاحبها) ، هي بألاساس للامشاركة ومناقشة واضافة لمسات ان وجدت على الموضوعات التي تبحث ، وليست الغرض من المشاركة ان تكون فقط كألبحث عن الأخطاء الخمسة في الصور المتشابه ارجو من زملائي الأنتباه الى ذلك ، وشكراً لكم ولك سيدتي .

اترك رد