مسلسل العنف والعنف المضاد . . الى متى ؟


 

يعرف العنف الاجتماعي بانه سلوك عدواني يتخذه الفرد او مجموعة افراد في مواجهة الآخرين ، ويستند على الكراهية وانكار الآخر . . وما يهمنا هنا هو مسيرة العنف التي لازمت المجتمع العراقي . وحتى لانطيل ، ومن دون مقدمات اخرى نبدأ من انقلاب او ثورة 14 تموز 1958

تحت شعار القضاء على الرجعية واذناب الاستعمار ، قام كل من الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف ، وبعض الضباط الاخرين بهذه الحركة الانقلابية للاطاحة بالحكم الملكي ، فتم قتل الملك والوصي ورئيس الوزراء المخضرم نوري السعيد ، ورهط غير قليل من اقطاب السياسة . ليتم اعلان الجمهورية

لم يمضي وقت طويل حتى تم اتهام عبد السلام عارف بمحاولة الانقلاب على الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس وزراء الحكم الجمهوري . وزج به في السجن . . وعندئذ برزت التناقضات الجوهرية بين رفاق الامس ، الذين ساندوا الثورة او الانقلاب على الحكم الملكي ، واعني الحزب الشيوعي وجماهيره من جهة ، والاتجاه القومي العربي الذي تزعمه فيما بعد حزب البعث ومؤيدوه ، من جهة اخرى . وقد بدأ الخلاف الشكلي على موضوع الوحدة العربية . . الا انه في الحقيقة كان الخلاف اعمق من ذلك ، حيث ان كلا الطرفين كان يطمح الى السلطة . وقد ادرك عبد الكريم قاسم هذا الخلاف بين الطرفين ، فحاول استغلاله للاستئثار بالحكم . فقرب الشيوعيين بادئ ذي بدء بهدف القضاء على التيار القومي العربي ، الذي رفض بشدة ابعاده عن السلطة . فحاول الانقلاب عليها بحركة العقيد عبد الوهاب الشواف عام 1959 . . وقد ادى القضاء عليها الى اندلاع الحرب الاهلية الاولى في العراق بين الاتجاهين او التيارين القومي والشيوعي . فقتل العديد من ابناء الشعب في الموصل وكركوك وبغداد . ثم استقر الامر لزعامة عبد الكريم قاسم ، الذي توجس خيفة من الشيوعيين ، ورغبتهم في الوصول الى السلطة . . فبقي فوق الميول والاتجاهات على حد زعمه

وبعد فترة من محاولة اغتياله الفاشلة ، تمكنت قيادات حزب البعث من القيام بعملية انقلابية دموية ، اطاحت بعبد الكريم قاسم ، والشيوعيين معا في شباط عام 1963 واعدم عبد الكريم قاسم في محطة الاذاعة العراقية ، كما قتل الآلاف من الشيوعيين وانصارهم في الشوارع ، واعتقل العديد منهم ايضا

وفي تشرين الثاني من نفس العام ، اطيح بحزب البعث ايضا من قبل عبد السلام عارف ، الذي مثل الاتجاه الناصري العربي ، فقتل العديد من البعثيين ومؤيديهم ، وزج الباقين منهم في السجون
وبعد مقتل عبد السلام عارف بحادث طائرة في البصرة ، تسلم اخوه عبد الرحمن عارف مقاليد الحكم من بعده . وقد اتسمت فترة حكمه بالهدوء السياسي ، وجرت انتخابات ديموقراطية للنقابات والجمعيات ، فاز في اغلبها الاتجاه اليساري آنذاك
بعدها اندلعت الحرب العربية الاسرائيلية عام 1967 ، والتي سميت بنكسة حزيران . وكان من افرازاتها غضب الشعوب العربية على حكامها . فعاد حزب البعث بزعامة احمد حسن البكر الى السلطة بانقلاب عسكري على الرئيس عبد الرحمن عارف وذلك عام 1968 . . ثم بعد ذلك باكثر من عشرة اعوام ، انقلب صدام حسين عليه ، فهيمن على حزب البعث الحاكم ، بعد ان اعدم بعضا من رفاقه في القيادة . ثم دفع بالعراق الى حروب ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة ابناء الشعب العراقي في حرب الخليج الاولى مع ايران . ثم في حرب الخليج الثانية بعد غزو الكويت . ونتيجة للغزو الطائش للكويت ، تم حصار الشعب العراقي لمدة تزيد على العشر سنوات . وقد كان حصارا جائرا عانى منه الشعب الامرين ، والذي لم يمر بسلام ، حيث جرى بعد ذلك احتلال العراق عام 2003 . فقتل الالاف من المدنيين والعسكريين من جراء هذا الاحتلال

وبعد اسقاط النظام تبوأت الاحزاب الاسلامية والكوردية والمعارضة الحكم في العراق . . فتم حل الجيش . واجتثاث البعث ، الذي كان يهدف في حقيقته اجتثاث الفكر القومي العربي في العراق . . والا لكان بدل ذلك احالة من ارتكب جرائم بحق الانسانية الى المحاكم . مثلما جرى في جنوب افريقيا مثلا

وعلى كل حال فان ذلك قد ادى الى صراع بعض القوى المتضررة فكريا وماديا ، مع السلطة . وقد استغلت القاعدة، وهي حركة اسلامية متشددة ، هذا الصراع ابتداء”. وبعد القضاء عليها من قبل الصحوات ، جاء تنظيم الدولة الاسلامية او ما يسمى داعش فاحتلت اراض شاسعة من ارض العراق . وقد ساعد على ظهورها وتوسعها السياسة الفاشلة التي اتبعها المالكي في محاولته للاستئثار بالحكم ليكون القائد الضرورة الثاني بعد صدام . وقد فشل في ذلك فشلا ذريعا، وادى بالعراق الى ان يخوض حربا شرسة اخرى ، ذهب ضحيتها الالاف من خيرة شباب العراق . كما ادى الى ضياع ثروة العراق الطائلة التي كانت تحت يده . . ولا زالت الحرب قائمة الى يومنا هذا ، وما زال نزيف الدم مستمرا
من هذا الاستعراض السريع لمسيرة العراق السياسية خلال الستين عاما الماضية ، نرى ان الصراع بقي مستمرا ، الا انه يأخذ منحى مغايرا في كل مرة . وقد نتج عن هذه الصراعات ، وفي كل مرة محاولات لزج عموم الشعب فيها ، وذلك عن طريق تشكيل منظمات عسكرية شعبية ، فتم البدء بالمقاومة الشعبية ، ثم الحرس القومي ، فالجيش الشعبي ، واخيرا الحشد الشعبي . . وكأن التاريخ يعيد نفسه . فلا الشعب استفاد من تجاربه الدامية المريرة . ولا النخبة حاولت العثور على نقاط الالتقاء او مد الجسور ، بدلا من اثارة النزاعات ، واشاعة الفرقة . فمن هو المسؤول عن كل ذلك . هل هو الشعب الذي يدفع النخب السياسية الى الاتجاهات المتصارعة . ام ان الزعامات الحزبية والفئوية تستغل الشعب للوصول الى السلطة
ولكن السؤال يبقى يلح في الاذهان متى سنكون قادرين على ايقاف دوامة الدم ، والعنف ، والعنف المضاد

لا تعليقات

اترك رد