صباح الخير يا حبيبتي


 
(لوحة للفنان أديب مكي)

صباح الخير يا حبيبتي
صباح الخير يا رام الله*

أصحو من نومي باكرًا، آخذ حمّامًا شبه بارد لا يحتمله الكثيرون في أجواء رام الله الباردة صباحًا، أخرج للحديقة مع فنجان قهوة ولفافة تبغ، صباح الخير يا حبيبتي.. صباح الخير يا رام الله.. صباح الخير يا وطن.

تهبّ عليّ روائح الياسمين المنوّع الذي تشتهر بها هذه المدينة، أتأمّل العشرات من الزّنابق بألوانها المتعدّدة تملأ الحديقة والممرّات. رائحة النّعناع تنعش الصّدر، أجلس على حافّة قصيرة فيفيض الجمال في عينيّ، يتسلّل إليّ صوت فيروز من بعيد “لاكتب اسمك يا حبيبي ع الحور العتيق”، أتأمّل الحوريّة الباسقة مبتسمًا، لن تجرؤ يدي على نقش اسمك على الحور العتيق، لن أجرح هذه الشّجرة التي عرفتها طفلاً، وعُدت إليها رجلاً في خريف العمر، سأكتفي بنقش اسمك في جنبات النّفس وآهات الرّوح.

صباح الخير يا حبيبة..

تخاطبك نفسي يا امرأة الشّوق أيّتها البعيدة القريبة..

أيا نسيج الرّوح أين أنت الآن؟ أما زال ينعم بك فراشك تحتضنين وسادتك النّاعمة، تلفّك غلالة حريرية تغار من حرير جسدك، أم قد نهضت الآن تحتسين قهوتك الصّباحيّة وتداعب وجنتاك نسمات الصّباح، لبدء يوم جديد.

تعالي يا امرأة الشّوق نحتسي القهوة سويًّا، أضمّك لصدري مسدلاً شلاّل شعرك على كتفي، نذوب هوى، أغمرك بزهر الليمون مفترشًا لك أوراق البيلسان، تعالي أسبح في بحر عينيك لعلّي أصل لمرفأ اللقاء الأخضر الجميل.

لو كنت معي الآن لضممت خصرك بيميني، لسرت وإياك في شارع “السّهل” تحت ما تبقّى لنا من أشجار الحور والسّرو والصّنوبر، لحدّثتك عن هذه الأشجار التي زرعها أجداد الأجداد، فشهدت ظلالها أجمل ذكريات الحبّ بين العشاق، وكانت جذوعها شاهدة الصّمت على عهود الحب والوفاء بين الأجداد والجدات.

لو كنت معي.. لحدّثتك عن قصّة كلّ شجرة، ولاحتضنّا بأيدينا المتشابكة جذوعها، مشتمّين عبقها المقدس، لأكملت معك المسير عبر دروب وأزقة رام الله “التّحتا” القديمة بعقودها، والموغلة بالتّاريخ حجارتها، الرّاوية لقصّتنا وحقّنا المقدس بهذا الوطن، نستمع لنشيجها المفعم بالحزن، كعزف ناي مشحون بالأحاسيس عن تضحيات الجدود، كيف شقّوا الصخر بأياديهم العارية ليتركوا لنا قصّة الإصرار و التّشبّث.

لسرت بك إلى التّلال الغربيّة؛ نجلس تحت ظلال زيتونة “روميّة”، ترنو عيوننا إلى الغرب إلى البحر السّليب، نملأ صدورنا بالنّسمات الغربيّة حاملة لنا رائحة يافا وبحرها، لأخذت بيدك إلى وادي بطن الهوى نجوس في مسالكه الوعرة، متأمّلين السّنديان وأشجار البلّوط، الصّخور التي نقشت عليها الرّياح ومجاري المياه أجمل لوحات الطّبيعة، مستمعين لشدو الطّيور، متأمّلين “القُبّرات” تقفز من أمامنا لأمامنا.. آه لو كنت معي..

أصحو من غيبوبتي على احتراق لفافة التّبغ تلامس جمرتها أصابعي، يا امرأة الشّوق لست معي، لكنّ طيفك معي وروحك تجول معي الأزقة والدّروب والتّلال الغربيّة، أشتمّ عبق وردة جوريّة، أنظر للسّماء عبر أوراق الحوريّة العتيقة، أنهض قائلا من جديد: صباح الخير حبيبتي، صباح الخير يا رام الله، صباح الخير يا وطن.

شارك
المقال السابقنوافــــــــــــــــــذ
المقال التالىتباً لكل من لا يحب الناس والوطن

كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين – رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد