السرية في العمل الإداري


 

تعتبر السرية ( SECRECY ) واحدة من أساسيات العمل في أية منظمة, وكذلك واحدة من أخلاقيات العمل الأساسية بشكل عام WORK ETHICS ..

وتختلف نوعية ومستوى هذه السرية تبعا لنوع عمل المنظمة وارتباطها, وتبعا لنوع ومستوى وتخصص العاملين فيها, وأيضا تبعا لنوع ومستوى علاقاتها وارتباطها مع الجمهور ومع الإدارة والأجهزة الحكومية والخاصة في الدولة ..

لكن ما يتفق عليه, أن هناك دائما درجة معينة من السرية في أي عمل لا بد من الحفاظ عليها, لاجل الحفاظ على مصلحة وحقوق العمل والمنظمة والعاملين, وربما مصلحة الآخرين أيضا ..

مما سبق نفهم آن مفهوم ” السرية ” فيه نوع من المرونة FLEXABLE , وهو ربما قابل للاختلاف في وجهات النظر ما بين المعنيين والمسؤولين, فما يراه البعض سريا, قد لا يكون كذلك بالنسبة للبعض الآخر، وما يمكن أن يكون مباحا ومعلنا في منظمة أو جهاز أو دولة معينة, قد يكون سريا وغير متاحا للأغلبية وربما حتى للأقلية في منظمة أو جهاز أو دولة أخرى ..

والواقع فأن السرية تدور أساسا وتتمحور حول ” المعلومات INFORMATION ” أي كان شكلها ونوعها وحجمها, سواء أكانت معلومات تخص المنظمة أو الشركة ذاتها, موظفيها, مالكيها, أو زبائنها وعملائها ..

وحيث إننا نعيش ألان عصر ثورة المعلومات وعصر ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات, فأن لمفهوم ودور السرية أهمية اكبر و أوسع ..

وبالفعل يمكننا أن نلاحظ أن العالم يتجه ألان في خلافاته وحروبه إلى الاعتماد على المعلومات والبيانات باعتبارها سلاحا فعالا وربما فتاكا أيضا, وبالتالي أصبحت للسرية والحفاظ على المعلومات وحمايتها PROTECTION من السرقة وسوء الاستخدام دورا مهما وكبيرا في حياتنا الحاضرة, وربما تعتبر أحيانا من أهم المسؤوليات الوظيفية أو الوطنية ..

وهناك قاعدة أو مقولة معروفة في هذا المجال من المفيد عرضها هنا, وهي:
” أن تسرب المعلومات LEAKING له علاقة طردية مترادفة مع السرية SECRECY ، فبدون وجود عامل السرية سوف لن تكون هناك حاجة لتسريب المعلومات، وكلما زادت ضوابط السرية ونطاقها في المجال الحكومي وعملت لتشمل معظم الأفراد, فأن نطاق التسرب بالتبعية سيكون اكثر واكبر ، وبالتبعية أيضا, مع ازدياد حالات التسرب, ستعمل الحكومة على تطوير وزيادة عامل السرية .. وهكذا .. ”

وببساطة يمكننا أن نلاحظ, ومن خلال العديد من أفلام السينما أو القصص, أو مواضيع صحفية, إلى الحروب السرية والمعلنة القائمة بين الدول والشركات العملاقة متعددة الجنسية, والتي تستند معظمها على سلاح ” المعلومات ” ..

وربما واحدة من أهم ما يذكر من هذا المجال, ما يدور حاليا من خلاف ما بين دول المجموعة الأوربية بشكل عام, والدول الأربعة المشكلة لما يسمى (الانكلو
سكسونية) والمتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية, بريطانيا, استراليا, ونيوزيلندا، واصل الخلاف أن الدول الأربعة الأخيرة قد شكلت جهازا أو نظاما للتجسس المعلوماتي له عدة مقرات, أحدها في نيوزيلندا, هدفه التجسس والتلصص على كافة أنواع المعلومات والبيانات والاتصالات ( ذات الطبيعة الاقتصادية بشكل خاص ) المتبادلة بين دول العالم وبشكل خاص الدول الأوربية, سواء كان ذلك بواسطة الهاتف أو الفاكس أو الانترنيت وغيرها،
وقد أبدت الدول الأوربية والشركات العملاقة العاملة فيها امتعاضها واعتراضها على هذا النوع من التجسس والتلصص والذي أدى بشكل خاص إلى تكبد كبريات الشركات الأوربية لعشرات المليارات من الدولارات كخسائر عن ما سرق منها من معلومات وبيانات تخص أنشطتها وابتكاراتها واتفاقياتها ..

وتكمن مشكلة المعلومات والسرية, في أننا لا يمكن أن نكون متطرفين على الإطلاق, فنحن إن حاولنا أن نكون على أقصى درجات الانفتاح OPENNESS والإفشاء للمعلومات, نكون قد عرضنا أنفسنا وأعمالنا ومصالحنا لأخطار مؤكدة تنتج عن سوء الاستخدام والاستغلال من قبل الأعداء أو المغرضين أو المفسدين، أما إذا حاولنا أن نكون على أقصى درجات السرية SECRECY فسينتج عن ذلك إخفاء كافة البيانات والمعلومات وإغلاق كافة الأبواب المؤدية إليها, وهذا سيؤدي إلى خلل وإرباك في الأعمال, والى شلل في العمليات التنظيمية والإدارية على مستوى المنظمة, فصانعي ومتخذي القرار والأجهزة الفنية والإدارية لا تستطيع التحرك والعمل والتخطيط والمتابعة بدون توفر البيانات والمعلومات اللازمة لها، وربما تكون كفاءة وفاعلية العمل مرتبطة بحجم ونوع المعلومات التي تحصل عليها..

(( وكما يقال, فإننا لا نستطيع أن نجعل كل شئ سريا, فهذا يقلل من أهمية السرية ذاتها WHEN EVERYTHING IS SECRET, NOTHING IS SECRET )) ..

وقد أثبتت التجارب وبعض الدراسات أن أضرار وأخطار كشف المعلومات أو ضعف أو انعدام السرية قد تتساوى أحيانا مع أخطار وأضرار السرية أو الانغلاق العالي على المعلومات، ويجب دائما أن نراعي هنا عامل التكاليف, حيث يجب دراسة الخسائر المتوقعة عن إفشاء سرية المعلومات, وما يقابلها من تكاليف لوضع وتطبيق أنظمة السرية أي كان مستواها ومداها ..

أننا, ونحن نعيش ألان عصر العولمة والانفتاح والديمقراطية, وعصر ثورة المعلومات وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات, وفي عصر ومجتمع يتميز بأنه
” غني بالمعلومات INFORMATION-RICH SOCIETY ” , فأن المعلومات دائما هي الأداة للنجاح والعمل والإنجاز والتفوق ( والواقع ألان أن من يملك المعلومات يملك القوة THE POWER OF INFORMATION ), وان الإخفاء أو السرية المطلقة معدومة وغير معروفة ألان على المستوى العام, وهي لم تكن معروفة أبدا بهذا الإطلاق ..

المهم أن تسعى المنظمات والإدارات إلى دراسة نوع وحجم المعلومات المتاحة لديها, أو ما يمكن أن نعبر عنه, بمخرجاتها ومدخلاتها, من البيانات والمعلومات, وان تضع أسسا منطقية وعلمية ومدروسة لمستويات السرية والإفشاء لهذه البيانات والمعلومات على المستوى العام والخاص, وحسب مقتضيات الحاجة والعمل, وبالشكل الذي يشكل تصنيفا معقولا ومقبول لا يؤثر على مستوى إنجاز الأعمال والمهام, وبنفس الوقت لا يشكل خطرا وتهديدا لأمنها ومصالحها ..

والأساس في كل هذا, خاصة عند التعامل داخل المنظمة مع العاملين, هو الثقة بالعاملين, فانعدام الثقة يولد ردود فعل سلبية مختلفة .. كما يجب مراعاة الدقة والوضوح في تحديد المستويات والدرجات للكشف والإفشاء والسرية وأنواع البيانات والمعلومات المعنية بحيث يطلع كل شخص أو جهة معينة, وتعرف حدودها في تداول البيانات والمعلومات أو حجبها ومنع تداولها والحفاظ على سريتها ..

ومن القواعد المهمة في هذا المجال, هو أننا إذا أردنا الحفاظ بشكل ناجح على السرية, يجب أن نحرص على أن نجعل السرية على اقل درجاتها .. فكلما كانت السرية محدودة ومدروسة ومحصورة في نطاقها الضيق المطلوب, نجحنا في الحفاظ عليها, والعكس صحيح, كلما كانت السرية معممة وواسعة ومطلقة, كلما كان الحفاظ عليها صعبا ومكلفا وغير عمليا, وكلما كانت الثغرات والاختراق اسهل..

أن من معالم أو مشاكل سرية المعلومات في العصر الحديث, هو تحول الطرق التي كانت تخزن بها المعلومات المختلفة بشكل أوراق وملفات أو سجلات محفوظة في أدراج ودواليب وغرف مقفلة وأمينة نسبيا, إلى أن تكون محفوظة بشكل ملفات ومعلومات مخزنة إلكترونيا داخل أجهزة الكومبيوتر وملحقاتها من الأجهزة والمعدات الإلكترونية, والتي على الأغلب تكون مرتبطة كليا أو جزئيا بأجهزة وشبكات على مستويات أخرى، هذا التحول يستدعي تغيير جذري في مفاهيم وأساليب ومستويات السرية ومعالجة البيانات ..

إضافة إلى ذلك, فقد أخذت العديد من الإدارات والأجهزة والشركات الحكومية والخاصة, تحتفظ بحجم كبير من بياناتها الإلكترونية, ربما حتى تلك التي على درجة عالية من السرية, في جهات أخرى خارجها, تكون على الأغلب شركات خاصة متخصصة, وذلك نظرا لعدم استيعاب تكنولوجيا حفظ وتداول المعلومات لديها لهذا الكم الهائل من البيانات الإلكترونية ..

لقد أظهرت ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات, تولد قلق متزايد من مجالات الخلل في سرية المعلومات المحفوظة والمتداولة إلكترونيا, واثار احتمالات التلصص أو الاطلاع غي المقبول وغير المشروع على المعلومات أو الأنظمة من قبل أشخاص غير مصرح لهم بذلك ..

أن الأجهزة والإدارات والشركات الحكومية والخاصة تواجه اليوم تحديات كبيرة وصعبة نتيجة للانتشار الواسع لاستخدام أجهزة الكومبيوتر والشبكات الإلكترونية كالانترنيت والإنترانيت والاكسترانيت, واستخدام أجهزة الاتصال السلكية واللاسلكية المختلفة ..

فأنظمة المعلومات الإلكترونية المختلفة تتعامل اليوم بآلاف أو ملايين الوحدات من المعلومات التي قد تتراوح درجة سريتها من الاعتيادية إلى القمة في أقصى درجات السرية, ولابد من العمل باستمرار على صيانة هذه السرية ..

أن هذه البيئة الجديدة للعمل, والوقائع الجديدة التي فرضتها علينا تقنيات العمل والاتصالات الجديدة, تفرض علينا طرق جديدة للتفكير وضرورة وضع أسس جديدة لتصنيف البيانات والمعلومات ودرجة سريتها وكيفية حفظها وتداولها ..

وحيث أن حركة التطور في العلوم والتكنولوجيا مستمرة ولا يمكن الوقوف أو الامتناع عن مواكبتها, لا بد من خلق الموازنة اللازمة والضرورية مع نوع ودرجة السرية المطلوبة ..

أن دول العالم ألان تقوم بإعادة شاملة وعامة لنظم تداول وحفظ المعلومات والبيانات وأسس وقواعد السرية لديها, بما يتناسب مع المستجدات التي أوجدتها العولمة, ثورة المعلومات, وثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات, وطبيعة التهديدات الجديدة التي فرضتها هذه المستجدات, وذلك بهدف الوصول إلى تحديد دقيق إلى, كيف ولماذا تكون المعلومات سرية HOW AND WHY INFORMATION IS MADE SECRETR .. ومتى يمكن إطلاق هذه المعلومات وإزالة طابع السرية عنها HOW AND WHEN IT CAN LATER BE MADE AVAILABLE …

عليه لابد أن تعمل الدول النامية, وتلك حديثة العهد في التعامل مع موضوع السرية وتداول البيانات على مستوى الدولة, على تشكيل لجنة رئيسية وطنية دائمة على مستوى الدولة, تتبع لها لجان فرعية دائمة على مستوى الإدارات والأجهزة الحكومية, وربما حتى غير الحكومية أيضا, وذلك لتدارس موضوع سرية المعلومات, ووضع الأسس والضوابط والقواعد اللازمة وتحديثها باستمرار, و بما لا يعيق ويربك حركة العمل والأنشطة, وذلك في ظل التطورات المستمرة والسريعة في نظم وتكنولوجيا حفظ وتداول المعلومات, وفي ظل الاعتمادية الكبيرة على الأجهزة والمعدات والشبكات الإلكترونية في هذا المجال ، اخذين بنظر الاعتبار دائما, أن المعلومات قوة, وانه لا غنى عن المعلومات ألان في أية عملية اتخاذ قرارات, وانه لابد بل ويجب أن نحرص على توفير البيانات والمعلومات الضرورية اللازمة إلى الجهات المستفيدة أيا كانت ..

شارك
المقال السابقالأهم تغيير السياسات لا الأفراد
المقال التالىلم تختلف وجوه عن أخرى

غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة … عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد