ام المعارك


 

لم تكن قضايا الفساد المتعاقبة على مدار الأشهر الماضية بكل تفاصيلها المثيرة للسخط والإشمئزاز سوى أحداث كاشفة لما وصلت إليه الحالة الداخلية كنتاج لسنوات طوال من “التيه” مرت على مِصر، ضرب خلالها الفساد بجذوره السرطانية فى كل أنحاء الجسد الإدارى للدولة.. ثم امتد إلى المجتمع، القصص والتفاصيل المحزنة كثيرة جداً.. وفى كل القطاعات والملفات.. سنوات من التدمير الممنهج والمتعمد لكل ما هو نافع.. ومحاربة كل من هو صالح..،
فكان منطقياً ألا نرى سوى فاسدين وفاشلين وخائنين وضالين و مرتزقة،،،

فقد تُركت بلادى عبر عقودٍ أربعة لمراكز القوى من أصحاب المال وعرّابِيِهِم من كهنة الجهاز الإدارى من ناحية.. وللأمريكان وأذنابهم من تجار الأديان وحاملى مشاعل الحريات الزائفة من ناحيةٍ أخرىٍ.. عاثوا جميعاً في أرضها الطيبة فساداً وتجنيداً وتآمراً.. فكادت أن تنهار وتسقط فى نار الفوضى والدمار.. بعدما أصبحت على شفا جرفٍ هار.. لولا كلمة سبقت من الله بشأن كنانته.

أعلم أنكم تعلمون وتصبرون أملاً فى قادم أفضل.. فلا بديل عن الصبر مشفوعاً بالأمل والعمل والضمير الحى.. حتى نرى دائرة التغيير الحقيقى تكتمل فى بلادنا.. والتى لن تكون إلا برقابةٍ محكمة وقوانين مُفَعَّلَة تسرى على الكافة بعيداً عن المساومة أو الموائمة..
وبتطبيق قاعدة الإحلال والتجديد مع الإعتراف بصعوبتها وإستغراقها زمناً قد يطول.. نظراً لتوحش الفساد واستفحاله ولندرة العناصر البديلة التى تتمتع بالكفاءة والنزاهة.. عِوضاً عن إعادة تأهيل البعض ممن يُرجىَ منهم خيراً.. أو إعداد وتدريب جيل جديد لم تختلط أنفاسه بذاك المناخ ..،

وليس الحل كما يدعى ويروج البعض خبثاً و زوراً.. بضرورة اتخاذ قرارات جذرية بالفصل والإستبعاد لمئات الآلاف من العاملين بالجهاز الإدارى.. مستهدفاً صداماً مخيفاً بينهم وبين القيادة السياسية بما يستتبعه من آثارٍ كارثية وانعكاساتٍ سلبية على حالة الإستقرار الداخلى التى ظفرنا بها بعد كل ما عانيناه طيلة السنوات القليلة الماضية..

إلا أن المشكلة تكمن دائماً فى أن عدداً ليس بالقليل من شبابنا ((وامتداداً للحالة الثورية التى لا زالت تستحوذ عليه)) قد كفر بكل ما يأتى من رحم الدولة القديمة، ولا يؤمن إلا بحتمية نسفها بالكامل مرة واحدة، وإعادة بنائها من جديد، و يرون نظرية الإحلال والتجديد التى نؤمن بها، نوع من الدراما العبثية أو الكوميديا السوداء والتى لن تخلُف سوى استمرار وتأصيل لدولة الفساد،،،

أُقَدِر غيرتهم وطموحهم ويأسهم من الماضى.. وأَكْرَه الرومانسية والمراهقة السياسية التى يتنفسونها.. والتى تحول دون إدراكهم لكل ما يدور فى محيطنا بل وفى العالم.. وأكره إستخفافهم المستمر بنظرية المؤامرة على الرغم من رؤيتهم لها تدمر شعوباً وأوطاناً إنجرفوا وتسرعوا.. وأصبح جحيمهم عظة وعبرة لمن يعتزم المسير على دربهم البائس..
ولكنها مشيئة الله أن يدُب فينا الخلاف والإختلاف فى الرؤى والسبل لحكمةٍ يعلمها.
**وهو ما يحتم على الشرفاء والمخلصين من رجالات دولتنا أن يضطلعوا بمسئولياتهم نحو هذا القطاع من شبابنا.. فالغالبية الكاسحة منه لم تتلوث بعد.. وقد بات احتوائهم وتأهيلهم تمهيداً للإستعانة بهم واستغلال طاقاتهم وقدراتهم فى بناء الوطن ضرورة ملحة.. نعم هناك بعض البرامج والخطط التدريبية بدأت منذ عدة أشهر ولكننا نحتاج إلى المزيد لإستيعاب القطاعات التى لم تشملها تلك البرامج والدورات .. حتى لا نتركهم فريسة لليأس والمؤامرات التى لن تكف عن إنتاج وسائل جديدة ومبتكرة فى الإستقطاب والتجنيد.. وإعادة صياغة للمفاهيم والشعارات الزائفة والترويج لها بحرفية عالية لتعويض ما احترق لهم من أدوات وأوراق بوجوه جديدة يتم صناعتها ودعمها لتتصدر المشهد وتروج للفكر والفعل الثورى والفوضوى من جديد..

إلا أنه وبالرغم من كل تلك التحديات فإننى على يقين تام وثقة مطلقة فى الله ثم فى شرفاء ومخلصى هذا الوطن بأننا سنتخطى هذه المرحلة بأقل الخسائر..،
فمواجهة الفساد الإدارى والتجارى حرب مكتملة الأركان.. لا تقل أهمية وخطورة عن مواجهة الإرهاب والتربص والإستهداف الخارجى.. فالخلاص من حصاد سنوات “التيه” المر.. لن يحسم فى يومٍ وليلة.. ولكننا حتماً سننجح فى النهاية فى غرس سنابل الأمل،
**فقط..

صبرٌ جميلٌ.. وعقلٌ حكيمٌ.. وعملٌ أمينٌ
و رفقاً بمن حمل الأمانة.

لا تعليقات

اترك رد