ليس كل باكٍ على الشباب باكياً


 

لم يبكِ احدٌ الشبابَ بكاءَ محمد مهدي الجواهري علي شبابه، حتى وان خُيل للكثير ان الغالب الأغلب من الناس -سيما الشعراء- بكى شبابه، والامثلة في الشعر العربي كثيرة معروفة لعل أشهراها ما تردد على السن الناس وما قاله الشاعر قديماً:
عريت من الشباب وكنت غضاً … كما يعرى من الورق القضيب
ونحت على الشباب بدمع عيني … فما نفع البكاء ولا النحيب
الا ليت الشـباب يعود يــومــاً … فـأخبره بما فعل المشيب

غير ان الجواهري عاش عمره قلقاً متحسباً من الكِبَر والشيخوخة، وكأنه يريد ان يقنع عقلَه الباطن انه بقلقه ذلك سيؤخر او يبعد عنه الهرم، والعجيب في الجواهري أن قلقَه ذاك وتحسبَه ربما أفسد عليه متعة الشباب وزهو الفتوة، فبدا وهو في أوج حيويته وشبابه متوجساً يطالع هاجسَ العُمر من بعيد فقال في “جربيني” وهو ابن عشرين
وأنا ابن العشرين مُن مرجع لي … إن تقضت لذاذة العشرين

وهذا القول يثير الشفقة على من بدأ يعاني من ألم فراق الشباب وهو في خِضَمِّه ولجتِه فكان من الطبيعي جداً أن يقول وهو ابن الخمسين في قصيدته “من وحي الموقد” التي نظمها دمشق مخاطبا زوجته
قلت يا هذي لو اخترمت …مفرقي شقين لم أتب ِ
أنا ذا من أربعين خلت … أطعم النيران باللهب ِ
حتى يقول:
هَتَفَتْ بِئستْ مغامرةً … يابن خمسينٍ، أانت صبي؟

ثم يتحسر وهو ابن الخمسين من العمر وليتها تقايض بالعشرين في قصيدته ام عوف اذ يقول
يا ( أم عــــــوفٍ ) وكاد الحلمُ يسلبنا … خــــيرَ الطــــباعِ وكــــاد العقل يردينا
خــمــســون زمـت مــلـيئاتٍ حقائبها … مــن التـجــاريـب بِــعــناها بعـشــرينا

ولعل الجواهري أحس وأيقن ان لا مناص من فراق الشباب ولو بكاه بوشل دمعه وبقية دمه فبدا يحاكي الخيال وما أن قرأ مسرحية غوته -وهو القارئ لكل ثقافة والمطلع على كل فن- حتى اعجبته فكرة غوته باطالة العمر وهي فكرة شيطانية موجودة في الأدب القديم ظمنها “غوته” في مسرحيته “فاوست” والتي يبيع فيها “فاوست” روحَه وجسَده للشيطان مقابل ان يطيلَ عمرَه
فيضمنها في رائعته “لبنان يا خمري وطيبي” والتي كتبها مناجياً شاعر لبنان وامير الشعراء الاخطل الصغير “بشارة الخوري” فيقول:

شيطانُ “غوته” يا ربيـب الغدرِ والدم ِ والحروب
ومُقايضَ السـبعينَ بالـعشــرينَ عن ثمن رهيـبِ
لو جئتََني لوجدتني محضَ السميع ِ المستجيب

ثم يكبر معه الهاجس ويزداد به الخوف والتوجس فيكتب في قصيدته “هلم اصلح “ عام ١٩٧١ عن صديقته ذات السبعة عشر عاماً ويبدو التأثرُ واضحاً سيما بالمقارنة مع عمر فتاته فيقول:
هلمَّ أصلــح رعـــاك الله ما فــسـدا … مــا انت افسدت من امر بدا فعدا
أو لا فحتفك في كفي و طوع فمي … فأن في الحرف سمآ يقتل الاسدا
حتى يقول معللا نفسه بما لا ينفع ولا يجدي وقد ثقلت خطوته وتقوس ظهره وبح صوته مازجاً بين “الصبا واللطف” في فتاته ذات السبعة عشر عاما و “النهى والرشد” المتمثل به
سبعٌ وعشرٌ وسبعونٌ اذا اجتمعا … كن الصبا والنهى واللطف والرشدا

ثم يصرح مرة اخرى في قصيدة “أزح عن صدرك الزبدا” والتي يقول فيها
وهبكَ أردت عودتها … وهبك جُهدتَ أن تجدا
فلسـت بواجدٍ أبدا … على السبعين ما فُقدا

ويبقى في السبعين متأملا تارة ومتحسرا تارة اخرى فيقول في رائعتة “الشام” واصفا الحال
يا جِلَّقَ الشَّامِ والأَعْوامُ تَجْمَعُ لي … سَبْعاً وسَبْعينَ ما الْتاما ولا افْتَرَقا
ما كانَ لي منهما يومانِ عِشْتُهُما … إلاّ وبالسُّؤْرِ مِن كَأْسَيْهِما شَرِقا
يُعاوِدانِ نِفــاراً كلّـمـا اصْطَـحَـبـا … ويَنْسَيانِ هـوىً كـانـا قدِ اغْتَبَقا

ويبقى في السبعين لكنه هذه المرة يصرح بانكسار ويفصح بهزيمة ان العمر مر سريعا كخيول السبق فيقول في ” ياابن الفراتين”
وماتخاف وماترجو وقد دلفت … سبعون مثل خيول السبق تطرد

حتى يحل ضيفا على مليك المغرب عام 1974 ومن هناك يبعث قائلاً:
سماحاً إن شكا قلمي كلالا … وإن لم يُحسن الشعرُ المقالا
أتـبـغـون الـفُـتـوة َ عـنـد هـمّ … على السبعينَ يـتَّـكـلُ اتـكـالا

لكنه حين يبلغ الثمانين يبدو اكثر قوة وتحدياً في قصيدته يا ابن الثمانين والتي كتبها عام 1982 وأنا أراه غير كاذب بشعوره هذا خاصة اذا نظرنا اليها من زاوية الشاعر الفحل المجيد الذي لا يقارع او اويطاول
يا ابن الثمانين كم عولجت عن غَصص … بالمُغريات فلم تَشْرَقْ ولم تَمِل ِ
كــم هــزَّ دَوحَـكَ مـن “قــــزْمٍ” يُـطـاولُـه … فلم ينلْهُ ولم تقصر ، ولم يَطُل ِ
وكـم سـعـت “إمَّـعـاتٌ” أن يـكـون لـهــا …ما ثار حولك من لغو ٍومن جدَل ِ
ثـبِّـتْ جَـنـانـك للـبلـوى فـقــد نُـصـبَـتْ … لك الكمائنُ من غدرٍ، ومن خَتَل ِ
حتى يقول :
حسبُ “الثمانين” من فخر ومن جَذَل ٍ … غشيانُها بجَنان ٍ يافع ٍ خضل ِ

ثم يكون له قول آخر في قصيدة “ابا مهند” وهو ابن اربع وثمانين وقد استسلم للكهولة والهرم والشيخوخة والكبر
أأبــا مُهَـند رُبَّ عَـافَِـيـةٍ … خرساء يحمد ُ عندها السقمُ
لا أظلمُ التسعين يْعوزُها … ســت سيطبقُ بَعدها العدم ُ
فلطالما شُـدتْ نـوابضُها … بـالأربعين َ وَكُلها ضـــــــرَمُ

واقتل الهم هم الكبر اذا احس صاحبه انه تقضى عبثا دون غاية وقصد، هكذا كان احساسه حين قال وهو في نفس السنة:
درجــت ثــمــانــون واربــعـــةٌ … وتحجّر النبع الذي انبجسا
وصحوت عن نفس مضت عبثا… تٌغري؛ بليتَ وعلما وعسى

ولم اشعر بالاسى على الجواهري في كل ما تقدم مثل ما شعرت به في قصيدته بريد الغربة وقد بدا تعلقه بالحياة باكيا عليها وحبه للدنيا متشبثا بها
لقد أسرى بيَ الأَجلُ و طُولُ مَسيرةٍ مَلَلُ
وطُولُ مَسيرةٍ من دون غـايٍ مَطمحٌ خَجِلُ
على أنّي -بأن يَطوي غدٌ طُولَ السُّرى- وَجِلُ

وها هو قد حط رحاله بعد طول سرىً وطوى عمره بَعدَ بُعدِ مسير.

لا تعليقات

اترك رد