عرسنا الدموي الطويل !!


 

تمارس إحدى القبائل السودانية، طقوساً خاصة فِي مناسبات الزواج، اذ بعد ان يأتي الشباب الى اهل العريس، حيث يقام الحفل، يكشفون عن ظهورهم، ثم يأتي العريس وبيده سوط، ويبدأ بالضرب على الظهور المكشوفة، وترافق حفلة الضرب هذه، رقصات واغان ودق الطبول، للفتيات اللواتي يراقبن المضروبين ويشجعنهم على الصمود والتماسك وعدم اظهار مشاعر الألم على وجوههم او التأوه، لان ذلك من دواعي الضعف وعدم الجلد الذي يجب ان يكون عليه الشاب المضروب، وربما تترتب عليه استحقاقات مستقبلية، كأن يكون الشاب (الضعيف) او غير المتحمل للضرب غير مقبول من قبل الفتيات، التي يجب لفت انتباههن من خلال هذه الحفلة، التي يكرم فيها المرء او يهان!!

شعوبنا العربية، تعيش منذ عقود، حفلة خاصة، لم تدع اليها، وانما وجدت نفسها وسطها، ومكشوفة الظهور والصدور معا، والسياط تنهال عليها بلا رحمة، بينما ترتفع من حولها اصوات الراديوات والتلفزيونات الضاجة بالاناشيدالحماسية والهتافات التي تحيي صمودها وهي تتلقى السياط النارية المنهالة عليها من اياد معروفة وغير معروفة، ولم تكن تلك الشعوب تنتظر الفوز بالجائزة، على غرار شبان تلك القبيلة السودانية، بل كانت تريد الخلاص فقط، او التنعم بنعمة الامن والرغيف النظيف، الذي يأتي من عرق الجبين في بلد آمن، ودولة محترمة، بعيدا عن سياسات التجويع وهدر الكرامة والدسائس التي يحيكها ضدها القابعون في غرف الظلام، ممن يدخلون الناس في لعبة بعد اخرى، لتستمر سرقتهم وضياع مستقبلهم جيلا بعد جيل.

ان وقفة مع الذات، يتأمل فيها العربي ماذا حصل له منذ نحو قرن من الزمن، تجعله يتيقن من انه كان اشبه بمكتوف الايدي والارجل، والعصي والسياط تنهال عليه، إلاّ ان الشيء المختلف مقارنة بحكاية عرس القبيلة السودانية، هو ان الشباب في العرس السوداني يعرفون من يضربهم، لكننا للاسف الشديد لا نعرف من هو، او نعرفه لكننا لاندري ان كان هو صاحب قرار الضرب، ام انه مجرد منفذ مغلوب على امره كحالنا نحن، وفي كلا الحالتين، نحن مضروبون ومستلبون.

الان، وبعد ان اصبح اللعب كله على المكشوف، لم يعد حاملو السياط يخفون وجوههم لكي لايعرفهم احد، بل باتوا يعلنون عن ذلك من دون اي تردد، وبتنا نحن ايضا، نتقبل حفلات الضرب هذه، ونشارك فيها، بعد ان استهوت اللعبة بعضنا، ووجدوا فيها مخرجا من واقعنا المؤلم الذي نعيش، وإلاّ كيف نفسر رغبة هذا البعض في استقدام الجيوش الاجنبية لاحتلال بلده، او انخراطهم في جماعات ارهابية، تقتل الناس الابرياء، بعد ان يصنع هؤلاء اوهاما لهم ثم يصدقونها، ويطلبون من الناس ان تصدقها مثلهم، ليستمر الموت المجاني الذي لم يعرف له العالم مكانا غير بلداننا المبتلاة بهم، وكأنهم تنويع ضروري لاستمرار لعبة القتل القديمة، او لعبة ضرب السياط على الظهور، التي لم تعد تغوي فتياتنا، لاننا بتنا نتألم بافراط، ولم نعد كالسابق، ثوارا، او هكذا كنا نسمي انفسنا، لسنين طوال القت بنا على شواطئ العزلة الاصولية التي جعلت كل شيء من حولنا صحراء ونحن فيها عراة، إلا من بعض أوهام قديمة .. للأسف!!

المقال السابقأستبيحك حباً
المقال التالىالإصلاح والعقد الاجتماعي العربي ج11
عبدالامير المجر : اديب وكاتب سياسي وصحفي من مواليد ميسان - المجر الكبير 1962 .. عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق وعضو نقابة الصحفيين ..صدرت له اربع مجاميع قصصية وروايتان .. عمل في الصحافة العراقية منذ تسعينيات القرن الماضي ويكتب في العديد من المواقع الالكترونية العراقية والعربية .......
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد