افتراضيون ولكن موتنا حقيقي


 

يــسمّون مواقع التواصل الاجتماعي واقعا افتراضيا ، أمّا الأصدقاء هناك فافتراضيون، والوشائج الرابطة بين الناس صداقة افتراضية … وينسحب المعنى على كل ما يجريفي تلك المواقع حتى نكاد نشك في أنفسنا للحظة ونظن أننا نحن أيضا افتراضيون وأننا بلا لحم ولا شحم ، وأننا بلا كتلة. أحيانا لا نعرف الوجوه ولا الأسماء الحقيقية ولا ما يعيشه الآخر الصديق الافتراضي على الضفة الأخرى من الصفحة وكأنه طيف ، أو كائن هلامي .. ولكن أحيانا أخرى نعرف عنه الكثير ، أكثر مما يجب ، حتى نكاد ننسى أننا لم نقابله يوما ،وقد لا نفعل أبدا .بعض أولئك المقربين المنتمين إلى الفئة الثانية هم أصدقاء الفكر والمشاركة والتفاعل نتعرف إليهم من خلال كلماتهم ومن خلال ما يكتبون ، والكتابة بشكل ما هي هُويّة حتى أن البعض ذهب في إحدى مقارباته إلى اعتبار المثقفين طبقة مستقلةبنفسها لأن ما يجمع أفرادها ببعضهم البعض ، لا يتهيأ لغيرهم. بعض هؤلاء الأصدقاء نسير قدما معهم فنسبر أغوارهم حتى يتخلق بيننا انتماء ، قد يكون أقوى من كل الانتماءات التي لها وجود فعلي على الأرض وقد يصبحون يوما حقيقيين أكثر من كل الذين يحيطوننا . لذلك ، كم يحز في النفس أن يموت أحدهم ، فعندما يموت يكفّ عن كونه شخصا افتراضيا ، نتذكر وقتها أن له وجودا حيا ّ، وأنه قضى ، وأن ركنا ما سيبقى شاغرا .

ساورني هذا الشعور عندما عرفت للمرة الأولى منذ سنة معنى أن تفقد بالموت صديقا على صفحة افتراضية عرفته لسنوات ، فإذا للموت نفس الطعم وساورني ذات الشعور مرة أخرى عندما قرأت نعي صديق آخر هو الدكتور بلال كمال رشيد . لم يكن صديقا شخصيا ، ولم أعرفه من قريب ولا من بعيد ولكن كان يكفي أن أدرك أنه كان يؤثث هذا الموقع في ركن ما ، بكلمات ينثرها هنا وهناك أدبا ونقدا ، كان يكفي ذلك لأشعر أنه فرد من أسرة هويتها الكلمات .

كانت عناوين مقالاته أجمل من ألا ّ تستوقفني ، ولكنها كانت أيضا أجمل من أن أقرأها . فمنذ أصبحت هذه الأوطان المنكوبة نشرات دامية ، درّبنا حواسنا على مبدأ النفعية حتى في ما نقرأ لفرط ما طوحت بنا السياسة وأغرقتنا الويلات حتى أصبح كل ما ليس من السياسة ترفا زائدا عن الحاجة .عن نفسي أقر ّبأن الأدب والفن ، هما أجمل ما في الكون ، وهما أكثر المعارف أناقة وحضورا ولكنني أحيانا أشعر أن لا قبل لي بكل تلك الأناقة في أوطان تعيش الكفاف من الحياة .لذلك أتذكر يوما أنني وقفت عند عنوان مقال ” قلها واقترب ” للدكتور بلال كمال رشيد وأقررت في نفسي كم أحسن صاحبه اختيار المدخل ، والعناوين الجيدة هي المداخل ، وفاتحة الشهية ، استوقفتني أناقة اللوحة المرافقة كبعض مقالاته الأخرى التي كان جمال العنوان فيها وجمال اللوحة يؤذنان بوجبة سخية بالغة الترف أدبا ونقدا …وأتذكر أيضا أنني لم أقرأ المقال لنفس المنطق النفعي : عليّ أن أواكب الفكر والسياسة أولا ، أمّا الأدب والنقد والفن فيؤجل لمتسع من الوقت . فلم أنصف ذلك المقال قراءة ولا تعليقا وكذلك فعلت بغيره من المقالات الشبيهة بالغة الأناقة بدءا من عناوينها وانتهاء بلوحاتها. وللأسف يبدو أنه قد بقي لي متسع من الوقت لأقرأ ولكن لم يكن قد بقي للكاتب متسع من الوقت ليكتب فلم يكن قد بقي في العمر بقية .واليوم ، بكثير من الأسف أعود فأقرأ مقالاته لأكتشف كم فوّت على نفسي من جمال وكم فوت على الرجل بعض كلمات التكريم التي هو جدير بها .

تغمده الله بواسع رحمته ، وربما كانت هذه تذكرة لنفسي ولغيري : نحن ،” المارين بين الكلمات العابرة”، لنكون أصدقاء بما يكفي ولو في واقع افتراضي وأن نحسن المقام ما بقي في العمر بقية .لأننا كيانات وأرواح ولم نكن يوما ولن نكون ، افتراضيين . ّ

2 تعليقات

  1. والكتابة بشكل ما هي هُويّة حتى أن البعض ذهب في إحدى مقارباته إلى اعتبار المثقفين طبقة مستقلةبنفسها لأن ما يجمع أفرادها ببعضهم البعض ، لا يتهيأ لغيرهم…
    مقال رائع ولأول مرة أقرأ نعيا بهذة الشاعرية … أحسنت الكتابة عن (الواقع الأفتراضي) ورحم الله الفقيد والهم اهله ومحبيه الصبر ..

  2. عزيزتي صالحة لاحرمنى الله رقة حرفك كلنا هذا الإنسان ولذلك أحاول قدر ما أملك أن أسافر مع كل قلم مع كل لحظة سافر غيري لها لننضم فيها سويا . ولكن هكذا الحياة فما أروع ما تركه الغالي” بلال” كلمات لن تكون ماضيا ولكنها ستظل عمق اللحظة دوما . وهو ما علمني أن الحرف حياة ولنكتب فإنه الكتابة ضدد الموت فما رحل عنا بلال فحرفه شامخ بيننا وشكرا الغالية خيرية المنصور التي لا تنام من كثرة ماتبحث بين واحة الإبداع عن مبدعين تجمعا من كافة الأقطار نرمي همومنا جميعا في سلة واحدة نتعاطف سويا نتقاذف الألم بعيدا نحاول أن نبحث عن مخرج لهمومنا المشتركة . أقول أحبكم أصدقائي جميعا هنا . معا سيأتي يوم ونلتقي وجها لوجه عندما نكبر سويا . وعندما نحقق حلمنا لنجنتمع علي حرف فرقته أوطاننا . وهذا حلمي وبالتأكيد حلمنا وكان لبلال نفس الحلم بيننا .

اترك رد