إلى شباب هذا العصر ..!!


 

كما أن قتل الإنسان للإنسان أصبح شيئاً هيناً، وأصبح منظر القتلى المتراكمين فوق بعضهم البعض، مشهداً اعتياداً وكأننا نشاهد إعلاناً عن مسحوق للتنظيف؛ كذلك فإن قلة الأخلاق والضمير في التعاملات الاجتماعية أصبحت من الأمور الشائعة ولا يستفز فينا مشاعر الغضب والاستنكار عليها.

نستمع إلى خبر تحرش أب ببنته هكذا لمجرد الفضول، ومن ثم ننتقل إلى خبر آخر.. وآخر دون أن تنتابنا مشاعر الذهول لمثل هذا الخبر الفاحش..!! وهكذا اعتدنا على سماع هذه الأخبار ولم يعد أيّ خبر يهز فينا عرش الجنون وثورة الغضب الحقيقية على تلك الكوارث اللاأخلاقية التي حلت على الإنسان..

أكبر حماقة وغباء يعيش بهما الإنسان، هو أنه يستثني نفسه وأهله وعشيرته وطائفته من كل عيب ونقص وكأنهم مخلوقات عصمهم الله من كل خطيئة وإثم…!!

فالشاب الذي يتسلى بمشاعر الإناث، وينصب لهن الشِباك والمصائد عادة ما يستثني أخته من كل ما يحدث للصبايا؛ وكأنما أخته بمعزل ومأمن من الوقوع في المصيدة الغرامية من شاب آخر يشبهه في السلوك والتفكير…!!

أمام أعيننا يموت شخصاً مقرب لنا، ونمشي في جنازته؛ لكننا نستثني أنفسنا من الموت.. يمرض صديقاً لنا بمرض خطير ومع ذلك نستعبد عن أنفسنا فكرة المرض.. هذا هو حال الإنسان يؤمن بفكرة الخلود ونقاء دمه وعِرقه من أي عيب خلقي واجتماعي، لذلك هو يتمادى في سلوكه المنحرف والشاذ…

كما أنك لا تستطيع أن تستحم عارٍ وسط الشارع، ولا تقدر على تغيير ملابسك وسط الزحام لأن الشارع ليس المكان اللائق لفعل تلك التصرفات؛ كذلك فإن العالم الخارجي لن يعطيك الاهتمام ولن يملأ روحك بعاطفة الامتلاء؛ البيت والأسرة هما عالمك الداخلي وهما المكان الأجمل والأنسب اللذين يجعلانك تكتفي عاطفياً وأخلاقياً.. فالأنثى التي تجد في أسرتها العاطفة الدافئة والأخ الحنون والمتفهم لمشاعرها لن تشعر بخوف وهي تواجه العالم الخارجي ولا تحتاج من عابر سبيل أن يملأ فراغ عاطفتها لأنها ممتلئة ومكتفية ولن يقدر أي شاب على يغرر بها ويستغل حاجتها العاطفية لتقع فريسة مكره وتلاعبه…

حين ينتهي الإنسان من وهم الاستثناءات: ألا يستثني نفسه.. ولا يستثني عائلته من أنهم قد يشربوا من نفس الكأس الذي سقاه لغيره.. وقتها سوف يتعدل سلوكه ويحرص على الآخرين كحرصه على عائلته.. وبما أنه قد فهم بأن الحياة قائمة على مبدأ ” كل شيء قرضة ودين” حتماً هو لن يفكر في أن يمارس سلوك خاطئ مع فتاة لكيلا تسدد عنه أخته البريئة فاتورة حماقاته؛ فكما تتألم على أهلك وتحرص على سمعة أختك؛ فثمة أناس هم أخوة مثلك ويحرصون على أخواتهم..!!

إن العبث بالنار لن يمر هكذا بسهولة فمن يعبث بألسنة اللهب حتماً سوف تحرقه وتشوه وجهه فلا تعبثوا بمشاعر الآخرين لكيلا يعبثوا بمشاعر من تحرصون وتخافون عليهم..

قد لا تعاقبك السماء بذنب اقترفته بنفسك لكنها تعاقبك بأعز وأقرب الناس إلى قلبك.. أن تقتل أناس أبرياء قد لا تُقتل أنت لكن الله يسلط من يقتل ابنك.. وقد لا تُصاب أنت بمكروه جراء ما فعلت لكن المكروه قد يصيب ابنتك .. فلا تعش بوهم أنك خالد وبأنك معصوم << العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص >>

هي رسالة إلى شباب هذا العصر، أصحاب الشعر المنفوش والسراويل المتهدل حزامها ، والعقول الخاوية من كل فكر وعقيدة ومبدأ… وكأن رؤوسهم بيوت مهجورة لا يسكنها إلا اشباح الشهوة وشياطين الغريزة.. أولئك الذين يدخلون مجالس مواقع التواصل بصدور عريضة وشهية مفتوحة لالتهام أكبر عدد من الصبايا.. يراوغون ويخدعون الإناث.. ويتوهمون بأن شياطينهم يحرسون أخواتهم وأمهاتهم من كل مكروه وخطيئة . انشغلوا بقضايا امتكم وأوطانكم.. استغلوا الوقت في تنمية مواهبكم لا غرائزكم .. انهضوا بأنفسكم لينهض الوطن بكم …!!

وأنت أيتها الأنثى الشابة لا تفتحي شرفات أنوثتك على مصرعيها ولا ترفعي ستائر الوقار عنها لينظر إليك العابرون على أرصفة اللحظات العابرة.. لا تكوني كما يقولون عنك الضلع المكسور ولا ناقصة العقل.. وافتحي شبابيك عقلك وازيحي عنه ستائر الظلام ليدخل النور إليه فالحياة يا صديقة الحياة ليست مجرد غراميات ورسائل قصيرة وقصائد غزل تشبع غرورك وتخدّر مسام وعيّك .. أنت الحياة كلها فلا تنكسري لكيلا تكسري زجاج الحياة وتدخل شظاياك في عيون من يتأملون منك أن تصنعي لهم الحياة …!!

شارك
المقال السابقالإصلاح والعقد الاجتماعي العربي ج11
المقال التالىليس كل باكٍ على الشباب باكياً
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. بوركتم اخي لؤي …تناول ريادي ،باسلوب شيق يعالج ظواهر اجتماعية شاذة في غاية الخطورة انتشرت كالوباء المستشري في مجتمعاتنا .هذه الظواهر تستدعي تحشيد كل المؤسسات الدينية والاجتماعية الى اقامة النشاطات الشبابية الهادفة واستثمارها للارشاد والتوجيه والتربية والتحذير ، ويتوجب على خطباء المنابر وائمة المساجد استثمار خطبهم لهذا الغرض ،ولاننسى دور الاسرة وهو في المقام الاول بزرع مباديئ القيم والاخلاق في نفوس ابنائها وهم في سن الطفولة. كما يقع على عاتق وزارات التربية والتعليم العالي تطوير مناهج التربية بدءا برياض الاطفال ومرورا بالمدارس الابتدائية والثانوية وانتهاءا بالجامعات والدراسات العليا على ان يشرف على تلك المناهج علماء الاجتماع والاخلاق والنفس ..وعلى المثقفين .. ادباء وشعراء وكتاب ومفكرين وفنانين ان يوظفوا الجزء الاكبر من نتاجهم لمعالجة هذه الظاهرة .

اترك رد